بين السيجارة وقنينة البيرة: الحرية كفعل مقاومة

داليا عبيدالسبت 2026/01/17
Image-1768634319
سيجارة الإيرانيات اللواتي أحرقن صورة المرشد نموذج الخلاص من هذه المنظومة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أعادتني صورة خامنئي وهو يُحرَق على أيدي فتيات خلعن الحجاب ويدخّنّ، إلى كل أيام النضال ضد منظومة حزب الله، تلك المنظومة التي انفجرت في وجوهنا غداة السابع من أكتوبر.

أدوات نضالنا كانت كثيرة، لكن مقاومة قمع الحريات عبر قنينة بيرة أو زجاجة كحول في الجنوب كانت بحد ذاتها فعلًا بطوليًا.

 

أن تذهب إلى دكان لبيع الخمور، وتحمل الزجاجة إلى العلن، وخصوصًا إن كان الشخص المعني فتاة، كان نوعًا من المغامرة والمواجهة. مواجهة منظومة بطش قامت على هندسة المجتمع وأدلجته: قمع الحريات الفردية، وتغيير أنماط العيش المجتمعية وصولا إلى تلقين أطفال "كشّاف المهدي" الأناشيد العقائدية، ما أطاح بجزء أساسي من ثقافة كشّاف التربية الوطنية، واستبدلها بمنظومة مناجاة عقائدية تُزرَع في وعي الأطفال منذ الصغر.

 

وكان شراء هذه القناني غالبًا ما يترافق مع نوع من التباهي بها على وسائل التواصل الاجتماعي، أو ضمن التفاعلات مع المكوّنات الطائفية الأخرى، كدليل على "نسبة انفتاح" في بيئة سعى حزب الله وحركة أمل، على مدى عقود، إلى تصويرها كنقيض لذلك.

 

لكن، وفي مفارقة لافتة، نجد أنه في دول أسّست نفسها كدول مستقرة ذات أنظمة تضمن حقوق الأفراد—مثل فرنسا، حيث يشكّل إنتاج النبيذ جزءًا من الدخل المحلي، بات الاختصاصيون الصحيون يطرحون اليوم إشكالية الكحول كقضية صحة عامة. ليس فقط لارتباطه بأنواع عدة من السرطان، بل أيضًا لعلاقته بالعنف ضد النساء، وبالإدمان، وبكلفة صحية واجتماعية باهظة.

 

عادت كل هذه الأفكار إليّ مع اتصال من صديق يبحث عن شقة لأقربائه، يحاولون بكل الطرق النزوح من الضاحية، والبحث عن سكن في مناطق ذات ديموغرافيا مسيحية قريبة منها. كتب لي يقول إن الزوجين "مقبولين": المرأة محجبة، اضطرارًا للحفاظ على حضانة طفلها من زواج سابق، والزوج "يشرب".

 

للحظة، قفز داخلي سؤال حاد: كيف لي، أنا العاملة في القطاع الصحي، أن أتواطأ مع رسالة كهذه؟ رسالة يُراد منها الإيحاء بالحرية والانفتاح، لكنها في جوهرها تعكس حجم التشوّه الذي فرضته المنظومة نفسها على مفهوم الحرية، وعلى صورة "البيئة الشيعية"، التي جرى نحتها قسرًا خلال العقود الماضية.

 

في عصور أكثر تقدّمًا من عصرنا الحالي، عصر الغباء الممانِع والتعنّت الإسرائيلي الأعمى، من المفترض أن تنقلب هذه المعايير، وأن نعود إلى مقاييس طبيعية تستند إلى العلم، وإلى التقدّم في السياسات الصحية والاجتماعية.

 

لكن، إلى أن تنتقل منطقتنا إلى تلك العصور، تبقى سيجارة الإيرانيات اللواتي أحرقن صورة المرشد، وقنينة البيرة في الجنوب، وشارب الخمر الهارب من الضاحية، عناصر أساسية في "البراديغم" الحالي: براديغم الخلاص من هذه المنظومة، وانتزاع حرية الأفراد.

أما كيف سيتم ذلك، وبأي ثمن، فذلك ما ستكشفه الأسابيع والسنوات القادمة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث