تلقّى الأهالي قرار الإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا إغلاق كافة المعابر المؤدية إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية، بكثيرٍ من الحيرة والتساؤلات. القرار أربك الجميع لا سيما أنه يؤثر على حياتهم اليومية.
أتيتُ إلى مدينة القامشلي لأقضي عطلة الأعياد ورأس السنة الميلادية ومن ثم العودة لاستكمال دوامي الجامعي في العاصمة دمشق، هذا ما يقوله الشاب عمر إبراهيم في حديثه لـ"المدن" ويكمل قائلاً: " جاء هذا القرار دون سابق إنذار من الإدارة الذاتية. وبهذا أقف اليوم هنا وأنا مكتوف الأيدي أبحث عن طريقة لألتحق بجامعتي. فهل فكرت الإدارة الذاتية بنا نحن مئات الطلاب؟! يسأل الطالب بحيرة"
قطع شريان الحياة
شريان الحياة والطرق البرية الواصلة بين مناطق شمال وشرق سوريا باتت اليوم مقطوعة ومغلقة أمام الجميع، باستثناء بعض "الحالات الإنسانية الطارئة، والمنظمات الإنسانية المعتمدة"، كما جاء في القرار. لكنه أدى إلى تضيق الخناق أكثر على الواقع المعيشي في هذه المناطق.
معظم شركات نقل الركاب "البولمانات " توقفت عن الحركة من محطات الانطلاق في مدن القامشلي والحسكة والرقة ودير الزور، مخلفةً خسائر تقدر بآلاف الدولارات نتيجة توقفها تارةً من الجانب الحكومي، وتارةً أخرى من جانب الإدارة الذاتية. وهذا ما يؤكده السيد رضوان محمد العامل لدى شركة " هرشو للنقل والسياحة" شاكياً عبر "المدن" عن حجم الخسارة اليومية جراء توقف هذه الشركات عن العمل.
أسواق الخضار والفواكه والمواد الغذائية بدأت من اليوم الأول برفع أسعار موادها واحتكار بعضها الآخر والتحكم بها، في حركة يعزوها بعض الباعة "إلى توقف وصول البضائع الجديدة واعتمادهم على المتاح في مستودعاتهم الحالية". وهذا ما يراه المواطن سعد الحبيب فرصة جديدة لجعل أذرع الإدارة الذاتية تتمادى أكثر كونها المتحكم الأول والأخير في حركة الأسواق دون حسيب أو رقيب. وبطبيعة الحال الضحية الأكبر بالتأكيد سيكون المواطن وسيدفع هذه الأجور وقيمة القرارات غير المدروسة من جيبه فقط.
ضياع الحلول، وسط غياب لغة العقل
يؤكد مصدر مسؤول في الإدارة الذاتية لـ"المدن"، رفض الكشف عن اسمه، بأن هذا التصعيد بإقفال الحدود، يأتي بعد دراسة دقيقة بين أروقة صناع القرار في هذه الإدارة. وشرح أن البعض قد يعتبره تصعيداً سياسياً بعد دخول الجيش السوري إلى أحياء الأشرفية والشيخ مقصود، لكننا اليوم نستبق الأحداث ونرتب أوراقنا جيداً، وندعو الأهالي إلى التحلي بالصبر والوقوف معنا في هذه الفترة الصعبة.
تصريحات الإدارة الذاتية الأخيرة تلقاها الأهالي وسط واقع معيشي حرج، وصل فيه سعر صرف الدولار إلى 12500 ليرة سورية، وإلى 130 دولاراً لغرام الذهب الواحد، ناهيك عن الحالات المرضية الحرجة والتي تتطلب تلقي الجرعات في مشافي الأورام والأمراض السرطانية في العاصمة دمشق. وتعتبر محافظة الحسكة الأولى في تلقي العلاج في مشافي العاصمة. ويقول السيد عمران الطه في هذا السياق: "حالة والدي الصحية يُرثى لها ونحن من أصحاب الدخل المحدود، عند السفر إلى دمشق لتلقي الجرعات في موعدها المحدد كنا نسافر على متن البولمانات وهناك من كان يقدم لنا الحسومات ويستعطف هذه الحالة. أما اليوم فأنا مضطر لجمع كل الثبوتيات وأوراق المشافي بالسرعة القصوى ليتم تمريرنا عبر المعابر باعتبار القرار استثنى "الحالات الإنسانية الطارئة". ومع ذلك فالأمر لا يبدو بهذه السهولة، فتكلفة السفر من القامشلي إلى دمشق باتت اليوم تصل إلى قرابة 300 دولار أمريكي في السيارات الخصوصية، التي تعمل على الخط، في الوقت الذي كنت أدفع لشركات البولمانات 150000 ليرة سورية فقط، أي قرابة 12 دولاراً أمريكياً".
وانعكس قرار إقفال الحدود على الأشخاص الراغبين بالسفر إلى الخارج. ووفق المتداول بين السكان علق مئات الأشخاص الذين سبق لهم وحددوا مواعيد لإجراء مقابلات للحصول على تأشيرات سفر في السفارات الأجنبية في الدول المجاورة. وأصبح هؤلاء يبحثون عن أي طريقة ولو كانت غير شرعية لتجاوز المعابر، ودفع أجور باهظة لسيارات خاصة تستغل هذا الواقع، لعلّها توصلهم إلى مناطق أكثر أماناً بعيداً عن هذه الصراعات.
