مرّت سبع سنوات على رحلة «الباصات الخضراء» التي نقلت آلاف اللاجئين الفلسطينيين من مخيم اليرموك جنوب دمشق إلى مخيمات شمال سوريا في أيار/مايو 2018. اليوم، وبعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر عام 2024، لا يزال معظم هؤلاء عالقين في مخيمات دير بلوط ودير حسان ومخيمات المهجّرين في إدلب وحلب. يتفقدون صور منازلهم المدمّرة، ويناشدون وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، والسلطة الفلسطينية، والمنظمات الحقوقية الدولية، تمكينهم من العودة وإعادة الإعمار.
تحديات العودة
يأتي نزوح هؤلاء في سياق الصراع السوري المستمر منذ أكثر من عقد، والذي خلّف أزمات إنسانية متفاقمة للاجئين الفلسطينيين، الذين يشكّلون أكبر تجمع للاجئين خارج فلسطين التاريخية. في ظل هذا النزوح، يروي عمر جاسم، مهجّر فلسطيني، تجربته الشخصية في حديث لصحيفة «المدن»، مشيراً إلى التحديات التي تواجه المهجّرين في العودة إلى مناطقهم الأصلية.
يوضح جاسم أن بعض السكان تدفقوا إلى مخيمات مثل دير بلوط والمحمدية خلال عامي 2017 و2018 هرباً من المعارك، وأن قسماً منهم عاد لاحقاً إلى مناطقهم بعد ما سُمّي بـ«التحرير»، مدفوعين بعواطفهم وعدم قدرتهم على مقاومة الرغبة في العودة. ويقول: "تعلم أن الناس غلبتهم عواطفهم. فالذين عادوا إنما أتوا ليروا إن كان بإمكانهم العيش أم لا".
ويضيف أنهم عادوا لاستكشاف إمكانية الاستقرار. لكنهم اصطدموا بصعوبات حالت دون بقائهم الدائم. أما جاسم نفسه، فيكشف أنه لم يزور مدينة دمشق سوى مرة واحدة فقط حتى الآن، معتبراً أن العودة إلى «الشام» أصبحت ترفاً لا يستطيع تحمّله. ويشرح قائلاً: "بالنسبة إليّ، أن أذهب إلى الشام وأعود منها، حتى زيارة صلة الرحم باتت ترفاً بالنسبة لي شخصياً".
ويربط ذلك بظروفه الاقتصادية الصعبة، إذ يحاول توزيع أي مساعدة يتلقاها على أيام متعددة لتجنّب الاستدانة. ففي بداية مرحلة «التحرير»، اضطر جاسم إلى بيع جزء كبير من أغراض منزله لإعالة نفسه وعائلته، كما قال. ويعزو ذلك إلى موقع المنطقة المعزولة التي يقيم فيها، حيث تبعد أقرب نقطة فيها عن المناطق المأهولة بين 5 و7 كيلومترات، ولا تتوافر فرص عمل، ما يجعل كل قرار مرتبطاً بالوضعين المادي والصحي.
ويشير إلى أن بعض المهجّرين الذين بقوا في المناطق المحررة كانوا يمتلكون إمكانيات أفضل، بينما لا يشجّع الوضع الحالي الآخرين على العودة، متسائلاً: "الوضع هناك حالياً لا يشجع بالنسبة إلينا… أين أسكن؟"
تكشف رواية جاسم عن واقع المهجّرين الفلسطينيين في سوريا، حيث تتقاطع العواطف مع التحديات الاقتصادية والأمنية، ما يؤجّل حلم العودة لدى الكثيرين.
بدورها تتحدث أم نبيل، امرأة فلسطينية مطلقة من مخيم اليرموك، عن معاناتها اليومية منذ تحرير المخيم. وتقول: "عدنا إلى مخيم اليرموك رغم أنه كله على الأرض وغير صالح للسكن. الدمار لا يزال قائماً. عدت مكرهة، رغم الوضع المأساوي والصعب جداً هنا. لكنه أرحم من الداخل لأننا لا نستطيع تحمّل كلفة إيجار الشقق السكنية. أُجبرت على العودة إلى العيش في الخيام. لذا أطالب محمود عباس والهيئة الفلسطينية والأونروا بوضع حل لهذا الوضع". وتساءلت: "هل نبقى هكذا طوال عمرنا لا عايشين ولا ميتين".
تعكس شهادتها الواقع المرّ الذي يعيشه كثيرون، حيث بات المخيم رمزاً للدمار والنزوح القسري.
نقص بالغذاء والدواء
من جهته، يروي محمد عبد الله، عضو الجمعية العامة للاجئين الفلسطينيين وممثل الشعب الفلسطيني في مخيم دير بلوط شمال غربي سوريا، معاناة اللاجئين الذين نزحوا إلى المنطقة منذ عام 2018. ويصف أوضاع المخيمات، مثل دير بلوط والمحمدية، بأنها «كارثية ومأساوية»، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية والإغاثة الإنسانية، وهو ما يطال اللاجئين الفلسطينيين والسوريين على حد سواء.
ويؤكد عبد الله أن عشرات العائلات الفلسطينية انتقلت إلى شمال غربي سوريا هرباً من القصف في جنوب البلاد، خصوصاً من مخيم اليرموك، لكن الظروف في المخيمات الجديدة لم تكن أفضل. إذ يعاني السكان من نقص الغذاء والرعاية الصحية والمأوى، إضافة إلى آثار الكوارث الطبيعية المتكررة، مثل العواصف والزلازل، مشيراً إلى أن أكثر من 80 عائلة فلسطينية في دير بلوط وحده تعيش في خيام مهترئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
ويناشد عبد الله السلطة الفلسطينية، برئاسة محمود عباس، تحمّل مسؤولياتها تجاه أبناء الشعب الفلسطيني في الشتات، كما يطالب الأونروا، باعتبارها الجهة المسؤولة عن شؤون اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، بتعزيز جهودها الإنسانية. ورغم أن الأونروا تقدّم مساعدات نقدية وغذائية، إضافة إلى خدمات التعليم والصحة لنحو 420 ألف لاجئ فلسطيني في سوريا، إلا أن عبد الله يرى أن هذه الجهود تبقى غير كافية في ظل الأزمة المستمرة.
يأتي هذا النداء في وقت يتواصل فيه النزوح المتكرر للفلسطينيين داخل سوريا منذ عام 2011، حيث تشير التقارير إلى أن أكثر من 90 بالمئة من اللاجئين الفلسطينيين في البلاد يعيشون تحت خط الفقر، ما يجعل هذه الشهادات تذكيراً بالحاجة الملحّة إلى تدخل دولي عاجل.
واقع النزوح وحلم العودة
بعد مرور عام على سقوط النظام، بدأ بعض اللاجئين بالعودة تدريجياً إلى مخيم اليرموك، رغم الدمار الهائل الذي خلّفه القصف الروسي والسوري عام 2018، والذي دمّر نحو 80 بالمئة من مبانيه. ويعيش العائدون وسط الركام، من دون كهرباء أو مياه جارية، معتمدين على جهودهم الذاتية في الترميم، في حين لا يزال آلاف آخرون في مخيمات الشمال بانتظار ضمانات أمنية واقتصادية حقيقية للعودة.
وتقدّر الأونروا أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في سوريا انخفض إلى نحو 438 ألفاً، بعد نزوح 40 بالمئة منهم داخلياً، وهجرة 20 بالمئة خارج البلاد، إضافة إلى مقتل نحو 4300 لاجئ واعتقال قرابة 3000 آخرين خلال سنوات الصراع.
يمثّل واقع فلسطينيي اليرموك في شمال سوريا تحدياً مزدوجاً، بين حلم العودة إلى «فلسطين الصغيرة» المدمّرة، وواقع النزوح المستمر في مخيمات تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. ومع سقوط نظام الأسد، تتجدّد الآمال بإعادة الإعمار، غير أن تحقيق ذلك يتطلب جهداً مشتركاً من السلطة الفلسطينية والأونروا والمجتمع الدولي، لضمان ما بات يُوصف بـ«حق العودة الثاني» لهؤلاء اللاجئين، الذين يواجهون نكبة جديدة في الشتات.
