عون يسجّل "إنجاز" التفرغ وإصلاح الجامعة من أسرار الآلهة

وليد حسينالخميس 2026/01/15
44.jpg
البعض يسوق لاستقدام أساتذة مسيحيين من خارج الجامعة لتأمين التوازن الطائفي(مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

قُضي الأمر وبلغ ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية نهايته، ذاك أن رئيس الجمهورية جوزاف عون يريد تسجيل إنجاز في عهده، مهما كلف الأمر. ويعد ملف التفرغ من أهم وأعقد الملفات في الجمهورية اللبنانية وقد عجزت  كل الحكومات السابقة عن إنجازه. 

 

بحسب معلومات "المدن" فإن البحث بلغ خواتيمه وينحمور حول كيفية إخراج الملف مسيحياً، وقد حدد موعد إقراره  في جلسة الخامس من شهر شباط المقبل، على اعتبار أن وزيرة التربية ريما كرامي ستكون خارج البلاد بتاريخ انعقاد جلسة مجلس الوزراء في 29 كانون الثاني، كما سبق وأن وعد رئيس الحكومة نواف سلام المتعاقدين بالساعة. 

 

إنجاز بلا إصلاح

لكن هذا "الإنجاز" سيكون على حساب عدم الالتفات إلى التبعات على المالية العامة، ولا إلى معيار الكفاءة أو حاجة الجامعة اللبنانية الفعلية للتفرغ. فالمطلوب هو "إنجاز" بأي ثمن كان، حتى لو اقتضى الأمر استنفار كل القطاع التربوي والقطاع العام للمطالبة بتوظيف المتعاقدين، في وقت تقتضي الإصلاحات ترشيق القطاع العام. 

 

سيكون الأمر إنجازاً كبيراً لرئيس الجمهورية في إخراج الملف من عنق الزجاجة، لكنه سيشكل انتكاسة للحكومة على مستوى الإصلاحات التي تعد بها في مسار إصلاح الجامعة اللبنانية. فملاك الجامعة (توزيع الدروس وعدد الأنصبة، أي الحاجة الفعلية لساعات التدريس وعدد الأساتذة الفعلي) لا يزال من أسرار الآلهة، مثله كمثل العدد الفعلي للأساتذة الحاليين بين ملاك ومتفرغين وعقود بالساعة. وهذا من أهم الملفات الإصلاحية التي من شأنها منع تحويل الجامعة إلى صرح للتوظيف العشوائي والزبائني. لكن يبدو أن لا أحداً يجرؤ عليه. 

 

زد على ذلك أن أغلبية المتعاقدين الذين ستضاف أسماؤهم إلى ملف التفرغ لم تتعاقد معهم الجامعة بناء على الإعلان عن الشواغر أو بعد خضوعهم للجان علمية تتحقق من شهاداتهم وسيرهم الذاتية. لكن لم يلتفت أحد إلى هذه المعطيات، فكل الهم عاد وتركز على تأمين التوزان الطائفي. 

 

القوى المسيحية لا تستطيع الاعتراض

وبحسب المعلومات، ينطلق رئيس الجمهورية في تنفيذ وعده للمتعاقدين بالتفرغ. وإخراج الملف مسيحياً ينطلق من أن القوى المسيحية سترضى بما هو معروض عليها من دون أي قدرة على المواجهة، طالما أن الملف الشامل للتفرغ سيضم جميع الأساتذة المسيحيين من دون استثناء. أي سيضم الجميع بمن فيهم الأساتذة الذين لا تنطبق عليهم شروط التفرغ أو حتى التعاقد مع الجامعة في الأساس، بينما ستتطبق شروط التفرغ على المسلمين، لتخفيف العدد اللازم لتحقيق توازن طائفي مقبول يستطيع عون تسويقه مسيحياً. 

 

ينطلق عون من أن القوى المسيحية لا تستطيع الاعتراض على الواقع الفعلي لوجود خلل كبير بين المسلمين والمسيحيين في الهيئة التعليمية. ولن يكون لوزراء القوات اللبنانية ووزير الكتائب (خمسة وزراء) أي تأثير فعلي لرفض إقرار الملف. أولاً لأن الملف يضم جميع المسيحيين، وثانياً لأن عون سيتوافق مع رئيس الحكومة ومع الثنائي الشيعي على تمريره. أما شيعياً فسيرضى الثنائي بالمضي بالملف (مع القبول بتخفيض عدد الشيعة لتأمين توزان بنحو 40 بالمئة للمسيحيين و60 بالمئة للمسلمين) طالما أن حصة الشيعة تعتبر كبيرة نسبياً وتزيد عن حصة السنّة عددياً.

 

بما يتعلق بأعداد الأساتذة الذين سيطرح اسمهم للتفرغ، تتقاطع بعض المصادر عند رقم 1550 أستاذاً، بينهم نحو 600 أستاذ مسيحي. وثمة محاولات من بعض الأطراف المسيحية (من خارج الأحزاب) تعمل على رفع العدد من خلال التسويق لاستقدام أساتذة مسيحيين من خارج الجامعة، أي غير متعاقدين معها، وبعضهم خارج لبنان. وذلك تحت ذريعة أنهم يدرّسون في جامعات مهمة في الخارج. لكن هذا الأمر لم يحسم بعد. 

تعلق مصادر متابعة أنه يستحيل تفريغ أساتذة من خارج الجامعة، كما حصل عام 2014. أولاً لأن هذا الأمر بمثابة فضيحة جديدة تضاف إلى فضائح الملف. فهو يضم أساتذة غير متعاقدين مع الجامعة بل يدرّسون بموجب ما يعرف بالندوات. وثانياً لأن القوى المسيحية الحزبية لا تستطيع تقبله، إلا إذا سمح لها باستقطاب أساتذة بالطريقة عينها تكون من حصتها. وهذا يفتح الباب على صراعات مع الشيعة والسنّة للمطالبة بالمثل. 

 

تقنياً، سيتم إخراج الملف على ثلاث دفعات. بمعنى أوضح، سيصار إلى عرض ملف يضم جميع الأساتذة بالاسم لإقراره في مرسوم واحد. هذا الأمر سيحدد بناء على المعطيات المالية ورأي وزارة المالية. لكن المبدأ العام هو عدم دخولها إلى الجامعة دفعة واحدة. بل توزيع الملف على ثلاث أو أربع دفعات. وتضم الدفعة الأولى نحو 500 متعاقد تم اختيارهم على قاعدة المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، وربما تكون الدفعة الثانية مناصفة بينهم أيضاً. وهذا الأمر يؤدي إلى إحراج القوى المسيحية في الاعتراض على الملف، حتى لو كانت الدفعة الثالثة قائمة على خلل كبير لصالح المسلمين. لكن من الأفكار المطروحة، تكثيف التعاقد مع أساتذة مسيحيين في السنوات المقبلة لتعويض الخلل مع المسلمين. 

باختصار، كل الجهد "الأكاديمي" الحالي منكب على الطريقة المناسبة لإخراج ملف تفرغ متوازن طائفياً، بمعزل عن أي معايير أخرى. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث