اعتصم اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، احتجاجاً على حذف وكالة الأونروا لكلمة "فلسطين" من كتاب الجغرافيا الإثرائي لطلبة الصف السادس، واستبدال ذلك بالضفة وغزة. وترافقت الخطوة مع سلسلة قرارات اتخذتها الوكالة بفصل مئات الموظفين، وتخفيض الرواتب وساعات العمل. ولوحظ خلال الأشهر الأخيرة تحوّل الأونروا إلى نقطة كباش فصائلي بين من يرفض سياستها، ويطالب باستقالة مديرتها في لبنان دوروثي كلاوس، ومن يدافع عن تلك السياسة، ويعتبر التحركات المناهضة لها "حملات شعبوية مغرضة". وسط ذلك، تُطرح أسئلة جدية عن سبب غياب السلطات اللبنانية عن محاولة تنظيم العلاقة مع الأونروا.
اعتصام حق العودة
بدعوة من "لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين"، اعتصم مئات الفلسطينيين أمام المقر الرئيسي للأونروا في بيروت، احتجاجاً على حذفها لكلمة فلسطين من كتاب الجغرافيا العائد للصف السادس ابتدائي (كتاب إثرائي). خطوة الأونروا قادت إلى إضرابات واسعة في المخيمات الفلسطينية، وامتنع طلاب معظم المدارس التابعة للوكالة عن الالتحاق بمدارسهم.
رُفعت خلال الاعتصام شعارات تؤكد على دور الأونروا مثل "الأونروا حقنا حتى العودة"، وفي الوقت نفسه تدين إجراءاتها في المناهج التعليمية ضد "الهوية الوطنية" مثل "فلسطين هويتنا، وشطبها من المناهج خيانة لن نسمح بها". ونالت مديرة الوكالة في لبنان القسط الأكبر من سخط المعتصمين، حيث وُضعت صور لها على الأرض معنونة بـ "المديرة الشريرة"، وفي نهاية الاعتصام أُحرقت صورها.
الاعتصام الذي افتُتح بنشيد موطني، تحدث خلاله مسؤول اللجان الشعبية في قوى التحالف الفلسطيني ماهر عويّد، وفاطمة الأمين باسم أهالي الطلاب، وحسن القط باسم الطلاب الفلسطينيين، وألقت إيمان سالم كلمة باسم اللجنة النسائية للحراك الفلسطيني. وشددت الكلمات على أن "الوجع تخطى الشكوى من التقليصات ووصل إلى المس بهويتنا، وحذف من قاتَلنا وقُتلنا من أجلها "فلسطين"، ولن نسمح بذلك".
تتفاعل قضية الأونروا منذ مدة. يوم الإثنين المنصرم أقدم عدد من التلامذة على حرق كتب الجغرافيا في مخيم نهر البارد احتجاجاً على عدم ذكر فلسطين، والاكتفاء بذكر الضفة الغربية وغزة. وخلال العام الأخير، شهدت المدارس التابعة لوكالة الأونروا عدداً من الاحتجاجات بسبب ما اعتُبر مساً بالرموز الفلسطينية، ومنها اتهامات لأحد المدراء بمنع الدخول إلى المدرسة بالكوفية، الأمر الذي صاحبته احتجاجات، ثم إطلاق حملة اعتمر فيها كل الطلاب الفلسطينيين في مدارس الوكالة الكوفية، وأطلقوا الأناشيد الوطنية داخل مدارسهم.
وفي شهر شباط من العام الماضي أصدرت الأونروا قراراً في الضفة الغربية يقضي بسحب كتاب اللغة العربية للصف الخامس، بسبب احتوائه على دروس تتناول معركة القسطل (التي دارت بين المقاومة الفلسطينية والمجموعات الصهيونية عام 1948)، وسيرة الشهيدة دلال المغربي (التي استشهدت خلال عملية فدائية عام 1978)، إضافة إلى نصوص للشاعرة فدوى طوقان.
السفارة تدافع
كان لافتاً بيان أصدرته السفارة الفلسطينية في بيروت، وفيه دفاع عن خطوة الأونروا، مستنداً إلى بيان قال إن الوكالة أصدرته. لكن بمراجعة مواقع الأونروا الرسمية، فإنه لا يوجد بيان بهذا الشأن، وقد يكون المقصود اتصالاً. وقالت السفارة: "استنادًا إلى ما ورد في بيان الأونروا، إن الوكالة تلتزم التزامًا كاملًا بسياسة اعتماد مناهج الدول المضيفة، وتستخدم الكتب المدرسية الرسمية المعتمدة في لبنان دون إدخال أي تعديل على المنهاج الوطني أو على محتواه التعليمي".
وتشدد السفارة على أن "هذا التوضيح ينسجم مع الدور التاريخي الذي قامت وتقوم به الأونروا في حماية حق اللاجئين الفلسطينيين في التعليم، وصون الهوية الوطنية، ونقل الوعي والذاكرة الجماعية للأجيال المتعاقبة. وفي هذه المناسبة نكرر التأكيد على رفض استهداف وكالة الاونروا ومحاولة إنهاء دورها الذي يأتي ضمن سياق محاولة شطب قضية اللاجئين، ونناشد المجتمع الدولي رفض محاولات إنهاء دورها والتمسك بوجود الوكالة الدولية الشاهد على نكبة فلسطين".
وجاء بيان السفارة بعد أيام على إشارة ياسر عباس الممثل الخاص للرئيس محمود عباس إلى "ضرورة وقف الحملات الشعبوية المغرضة التي يدبرها أصحاب الأهداف المشبوهة ضد وكالة الأونروا في لبنان من دون اكتراث بمصالح شعبنا"، وهو ما استدعى ردوداً فلسطينية واسعة. وبذلك يكون الواقع الفلسطيني قد انتقل خلال سنوات قليلة من شبه التناغم ووحدة الخطاب في مواجهة تراجع دور الأونروا، إلى الانقسام الفعلي حيال خطواتها المتسارعة.
هويدي: ما يجري إعصار
مدير الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين علي هويدي قال للمدن إنه "سيكون هناك جرأة أكبر من الأونروا في موضوع التعليم، ورأينا ما جرى في مادة الجغرافيا. صحيح أن المادة إثرائية، لكن أن تتصرف الأونروا بهذا الشكل، وتحذف اسم فلسطين عن الخريطة، ولبنان ما زال في حالة عداء مع الكيان الصهيوني، فهذا يمثّل تجاوزاً للخطوط الحمراء، وكان يجب مراجعة لبنان كدولة مضيفة".
أضاف أن "الرؤية اللبنانية الفلسطينية المشتركة تساهم في توحيد الخطاب، فالكل معني، وهذه مهمة، ويجب الإسراع بإعدادها، لكن إن لم تحظ بقوة إقليمية، وبتوحيد الخطاب بين مناطق عمليات الأونروا الخمس، لا تستطيع الرؤية المشتركة اللبنانية الفلسطينية أن تحقق الكثير، وإن كانت ضرورة".
واعتبر أن "المرحلة شديدة الخطورة على الأونروا، التي كانت تضم ثلاثين ألف موظف، ولم يتبقّ فيها اليوم سوى 22 ألفاً، بعد تراجع العدد خلال السنوات الثلاث الماضية. وكذلك هناك خطورة على اللاجئين الفلسطينيين بالأبعاد الثلاثة: الإنساني والسياسي والقانوني. التدرج في تفكيك وكالة الأونروا من الداخل بهذا الشكل، ومؤشرات التراجع في تقديم الخدمات واضحة، على مستوى الصحة والتعليم والإغاثة والبنى التحتية وغيرها، بالإضافة لاستهداف الموظفين في هذا الشكل الظالم والتعسفي، بذريعة عدم وجود ميزانية كافية، وذلك يتعارض مع قرار إنشاء الأونروا الرقم 302".
ووصف هويدي قرارات الأونروا بالإعصار الذي يضرب الوكالة، "وهي خمسة قرارات من بداية العام 2026، وهي وقف تثبيت الموظفين، إلغاء 20 وظيفة من حراسات الأونروا في عمّان، إنهاء عقود 650 موظفاً من قطاع غزة اضطروا لمغادرة القطاع خلال الحرب، القرار المتعلق بتخفيض ساعات الدوام مقابل تخفيض الرواتب بعشرين بالمائة، إضافة إلى القرار السابق بتخفيض موظفي الضفة وقطاع غزة بنسبة 20 بالمائة".
وشدد عل أن هذا المسار "سيحمّل الدولة اللبنانية مسؤوليات وأعباء، ونأسف أنه حتى الآن لا يوجد أي موقف رسمي، سواء من الدولة اللبنانية، أو من أي من مناطق عمليات الأونروا الخمسة، وهذا سيزيد الضغط على الفلسطيني في لبنان".
أين لبنان الرسمي؟
سأل كثيرون عن سبب غياب لبنان الرسمي عما يدور في وكالة الأونروا، والذي يؤثر بشكل مباشر على مناحٍ كثيرة، سواء الاجتماعية أوالإنسانية أو الأمنية. وحتى لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التي كانت حاضرة في أوضاعٍ مشابهة منذ تأسيسها عام 2005، هي غائبة عن الحدث اليوم. وقد كان لها دور في حل العديد من الإشكالات والأزمات، مثل أزمة اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا مع الأونروا.
يبدو أن لبنان بحاجة إلى اتخاذ خطوة باتجاه تنظيم علاقته مع الأونروا بشكل أكثر تفصيلاً، من خلال صوغ اتفاقية مقر. وهذا مطلب قديم، وقد قُدمت توصية في هذا الإطار من جانب مجموعة العمل اللبنانية بشأن قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان (الأحزاب اللبنانية الكبرى في البرلمان) إلى الرئيس تمام سلام في 24/6/2015، مضتمنة دعوة إلى تشكيل إطار مرجعي قانوني مشترك تفيد منه الدولة اللبنانية والوكالة واللاجئون معاً، على أن تتولى وزارة الخارجية المفاوضات بهذا الشأن.
وقد نصت التوصية على ما يلي: "ضرورة عقد الدولة اللبنانية اتفاقية مقر مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لتنسيق العمل مع هذه الوكالة الدولية، وتنظيم مجالات التعاون وتبيان حدود صلاحيتها، تأكيداً لسيادة الدولة، مع تقدير الصفة الدبلوماسية التي تتمتع بها".
تسارع الأحداث والقرارات، إضافة إلى جملة من المؤشرات، لا تدع مجالاً للشك في أن قراراً قد اتُخذ بإغلاق وكالة الأونروا، الأمر الذي يستدعي حواراً لبنانياً فلسطينياً عاجلاً. لكن لا تبدو العوامل، فلسطينياً ولبنانياً، متوافرة لتحقيقه في هذه الظروف.
