مجالس المِلل ترفض قانون موازنة المدارس: صفعة للتربية ولجنتها

وليد حسينالاثنين 2026/01/12
103.jpg
ترفض إدارات المدارس تقديم قطع حساب وتدقيق مالي بما يضمن شفافية الموازنة المدرسية (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

أكثر من سنة ونصف السنة من النقاشات والتعديلات في لجنة التربية النيابية على قانون الموازنة المدرسية 515، لإرضاء كل مكونات الأسرة التربوية، ذهبت سدىً. فقد رفضت إدارات المدارس الخاصة التعديلات التي أقرتها لجنة التربية على القانون، وعادت الأمور إلى النقطة الصفر. صحيح أن لجنة التربية رفعت التعديلات إلى لجنة الإدارة والعدل تمهيداً لنقاش القانون، وإحالته إلى الهيئة العامة للمجلس النيابي، إلا أن إدارات المدارس حملت العصا الطائفية الغليظة، وانهالت بها على تعديلات القانون، وهشّمت حقوق أهالي الطلاب. 

 

التشريع في مجلس الملّة

التحرك المناهض لتعديلات القانون بدأت في بكركي، حيث عُقد لقاء "تربوي" منذ نحو أسبوع، للتصدي "لبعض الأمور التي تمسّ جوهر وكيان التربية في لبنان"، كما جاء في البيان الصادر عن البطريركية. 

جمع اللقاء جمهرة كبيرة من النواب المسيحيين وممثلي المدارس الكاثوليكية، لكن من دون حضور لجان الأهل ونقابة المعلمين، وهما الطرفان الأساسيان في الأسرة التربوية. والمستغرب مشاركة وزيرة التربية ريما كرامي ومسؤولين في الوزارة، في لقاء فئوي، هدفه رفض تعديلات القانون التي جرت بموافقة ومشاركة وزيرة التربية في لجنة التربية النيابية. 

 

في هذا اللقاء وضعت المدارس الكاثوليكية خطوطاً حمراء، ورفضت مبدأ التدقيق المالي في الموازنات المدرسية، لصالح ترك الحرية لإدارات المدارس في تحديد الأقساط المدرسية. كما كبّلت إرادة النواب، بهدف عرقلة إقرار القانون في لجنة الإدارة والعدل بداية ،وفي الهيئة العامة لاحقاً، إذا قُدّر للقانون الوصول إليها. 

 

عملياً، انتقل التشريع من المجلس النيابي إلى "مكانه الصحيح" لبنانياً، أي في مجالس الملل والطوائف، كما ترغب إدارات المدارس. وفتح اللقاء البازار لباقي مجالس الملل لعقد لقاءات مماثلة وتلاوة أمر اليوم على النواب لرفض القانون.     

 

تعديلات لا تمس جوهر القانون

التعديلات التي أقرتها لجنة التربية النيابية، بحضور غالبية أعضاء اللجنة، لم تمس جوهر القانون 515 الصادر عام 1996. بل هدفها تزويد هذا القانون بأدوات تطبيقية وتنفيذية، ومنع أي تعسف يحصل، سواء من الأهل أو إدارات المدارس، وثبيت سلطة وزارة التربية الرقابية، أي ببساطة شديدة إعادة الحياة إلى هذا القانون لتنظيم العلاقة القانونية بين الأهل والمدرسة وسلطة الوصاية.   

 

طالت التعديلات مبدأ الزامية المحاسبة السنوية من خلال تقديم المدرسة قطع حساب وتدقيقاً مالياً محاسبياً بالموازنة المدرسية للسنة السابقة. وفي حال تبيّن أن هناك فائضاً في الموازنة، يرحّل هذا الفائض إلى السنة اللاحقة ليُحسم من المصاريف والنفقات. أما في حال تبين أن هناك عجزاً مالياً، فيتحمّل الأهل الأمر من خلال زيادة الأقساط بالنسب المئوية اللازمة لتغطيته. كما ألزم القانون إدارات المدارس بالحصول على براءة ذمة مالية من صندوق تعويضات أفراد الهيئة التعليمية. وهذا من شأنه تثبيت حقوق المعلمين ومنع المدارس من عدم التصريح عن رواتبهم. 

 

وطالت التعديلات أموراً تفصيلية مهمة، منها تسجيل المدرسة كل الإيرادات والمداخيل والنفقات في الموازنة بالعملة اللبنانية. ويصار إلى احتسابها على سعر صرف الدولار الرائج، لتلافي أي إشكالية في تذبذب سعر الصرف. وحدد القانون آليات محاسبة لمنع تعسف الأهل في عدم دفع الأقساط، ومنع المدرسة من التعسف في فرض أي زيادة غير مبررة على الأقساط. وقد زوّد القانون مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية بأدوات لمراقبة المدرسة ومحاسبتها. وفي حال حصول خلافات على القسط المدرسي، تستطيع الوزارة مراجعة الأمر وتحديد نسبة الزيادة على القسط، كما هو منصوص عنه في القانون القديم.  

 

في ما يتعلق بنسب النفقات التشغيلية ونفقات الرواتب والأجور فقد بقيت كما هي، أي 35 في المئة للأولى و65 في المئة للثانية. لكن في حال أرادت أي مدرسة تخطي هذه النسب (تخفيض الثانية لصالح الأولى)، فبإمكانها تعديل الموازنة، لكن بشرط تقديم تقرير مالي صادر عن خبير محاسبة يشرح ويعلل الأسباب. 

 

أما لناحية كيفية وضع الموازنة المدرسية، فينص التعديل على إلزامية تقديم المدرسة إلى لجنة الأهل موازنة مبدئية في شهر حزيران من كل عام، وذلك بناء على موازنة السنة السابقة. والهدف منها وضع الأهل بالصورة العامة لقيمة الأقساط المقبلة، ومنحهم الوقت اللازم للبحث عن بدائل لأبنائهم في حال رغبوا بتغيير المدرسة. ثم تعود إدارة المدرسة وتضع الموازنة النهائية في شهر تشرين الثاني،  بناء على عدد الطلاب المسجلين وعلى عدد أفراد الهيئة التعليمية وساعات التعاقد. 

 

عقد اجتماعي من طرف واحد

في ظل غياب المجالس التحكيمية للفصل في منازعات الأهل وإدارات المدارس، وتحسباً لأي عرقلة تحصل في تشكيلها (كما هو حاصل منذ عشرين عاماً)، تنص التعديلات على منح قضاء العجلة اختصاص البت بالنزاعات، في حال غياب المجلس التحكيمي لأي سبب كان.  

 

بالمختصر، التعديلات ليست جوهرية ولا "تمس جوهر وكيان التربية في لبنان"، كما يدعي البيان الصادر عن اللقاء. فهي لا تمس بحرية التعليم. جل ما فيها أنها تجعل القانون 515 قابلاً للتطبيق العملي لمنع المخالفين من التهرب من العقاب. فالقانون 515 بمثابة عقد اجتماعي ينظم العلاقة القانونية بين كل الأطراف. لكن إدارات المدارس ترفض رقابة لجان الأهل من خلال التدقيق المالي والمحاسبي، وشفافية الموازنة المدرسية، ومنح وزارة التربية الدور الرقابي كسلطة وصاية. بل تطمح إلى "عقد" قائم على مبدأ غالب ومغلوب، يتلقى فيه الأهل التعليمات ويوافقون عليها بالإيماء بالرأس، على اعتبار أن المدارس الخاصة تقدم "خدمة" تعليم أولادهم.   

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث