هندسات ترامب القسرية: لا فصل بين التجارة والأمن القومي

نافع سعدالأحد 2026/01/11
Image-1768039126
تمثل استراتيجية واشنطن انقلاباً منظماً على منطق السوق الحر لأنه يخدم التمدد الصيني (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يدخل الاقتصاد العالمي اليوم مرحلة يمكن وصفها بـِ "إعادة التوطين المنهجي" للموارد الاستراتيجية، بما يشبه انقلاباً على العولمة الاقتصادية، إذ ينتقل العالم من نموذج سلاسل القيمة المفتوحة إلى منطق التأمين الصناعي الاستراتيجي. وتجلّى هذا التحول بوضوح في اندفاع الولايات المتحدة عبر مسارين متوازيين، توطين صناعة أشباه الموصلات في الجنوب الغربي الأميركي، والسعي إلى إحكام السيطرة على أصول الطاقة في حوض الكاريبي. ومع مطلع عام 2026، بات المنطق الاستراتيجي للرئيس دونالد ترامب أكثر وضوحاً، فلا فصل بين التجارة والأمن القومي في قاموسه السياسي، وهو قاموس لا يخلو من عبارات سوقية مثل "FAFO" التي تفيد بأن العبث مع واشنطن يقود إلى عواقب وخيمة.

 

أريزونا والإكراه الاقتصادي
يُعدّ توسّع شركة TSMC في ولاية أريزونا الطليعة التقنية لهذا المسار الاستراتيجي، فهي ليست مجرد شركة عادية، بل المصنع الوحيد عالمياً القادر على إنتاج الرقائق الأكثر تعقيداً ودقة بمعدلات إنتاجية عالية (Yield)، وهي المحرّك الأساسي لثورة الذكاء الاصطناعي والعمود الفقري للتقنيات العسكرية.

 

وقد خضع مشروع أريزونا (FAB 21) لتوسّع هائل. فما كان يُنظر إليه في عام 2020 بوصفه منشأة بقيمة 12 مليار دولار، تحوّل بحلول عام 2026 إلى "مشروع عملاق" بقيمة 165 مليار دولار، ضمن مجمّع يُتوقع أن يستضيف 12 منشأة تشمل ثمانية مصانع لإنتاج الرقائق وأربع منشآت للتغليف المتقدم.

 

ولم يكن هذا التوسع، مساراً طوعياً بالكامل، بل نتاج أدوات اقتصادية عدوانية، إذ لوّحت إدارة ترامب الثانية بتعرفة مرتفعة تصل إلى 100 في المئة على أشباه الموصلات المستوردة بموجب المادة 232، لتكون بمثابة "فلتر استراتيجي" يُجبر الشركات على التوطين مقابل الإعفاء. وتصاعد هذا الضغط مع مقترح "تقسيم 50-50" القسري، الذي يهدف إلى إنتاج نصف الرقائق المطلوبة للاقتصاد الأميركي محلياً، وهو ما رأت فيه تايوان، على مضض، مساساً بمنطق السوق الذي حكم هذه الصناعة لعقود.

 

النجاح التقني مقابل الهشاشة التشغيلية
حقق مشروع أريزونا اختراقاً تقنياً بدّد الشكوك حول استحالة تكرار "المختبر الحي" التايواني في الخارج. وبحلول عام 2025، أكدت التقارير أن منشأة أريزونا تنتج رقائق بدقة 4 نانومتر بمعدلات جودة تضاهي تايوان، بفضل تقنية "التوأم الرقمي" (Digital Twin) التي رفعت الإنتاجية إلى 92 في المئة.

 

وبالرغم من ذلك، يقف هذا التفوق وجهاً لوجه أمام تحديات تشغيلية قاسية. ففي عام 2025 أدى انقطاع في الإمدادات الحيوية في منطقة فينيكس إلى انهيار أرباح العمليات بنسبة 99 في المئة، كاشفاً هشاشة ما يمكن تسميته "التكرار الصناعي" حين تُنقل صناعة فائقة الحساسية إلى بيئة لم تُبْنَ تاريخياً لتغذيتها بموارد مستقرة على مدار الساعة. كما لا يزال "الاحتكاك الثقافي" يمثل ثقباً أسود في جسد المشروع، إذ قوبلت ثقافة العمل التايوانية الصارمة بمقاومة شديدة من الموظفين الأميركيين، ما أدى إلى ارتفاع معدلات دوران العمالة بفعل الإحباط من شروط العمل وإيقاعه. وقد أثبتت تجربة أريزونا أن توطين "التقنية" يمكن أن ينجح نجاحاً باهراً، بينما يواجه توطين "الثقافة الصناعية" طريقاً وعراً.

 

تآكل "الدرع السيليكوني"
أدى سعي واشنطن إلى توطين قدرات 2 و3 نانومتر إلى تآكل المنطق الاستراتيجي لـ"الدرع السيليكوني" الذي حمى تايوان لعقود. فقد ساد الاعتقاد بأن اعتماد العالم، والصين تحديداً، على صناعة الرقائق في الجزيرة يجعل كلفة أي تصعيد عسكري في بحر الصين الجنوبي مرتفعة على الجميع. غير أن النقل المتزايد لعمليات TSMC إلى أريزونا بدأ يُسهم في إضعاف هذا المنطق، أو على الأقل في إعادة تعريفه.

 

تمثّل استراتيجية واشنطن انقلاباً منظّماً على منطق السوق الحر الذي ترى أنه يخدم التمدد التجاري الصيني. فقد انتقل صنّاع القرار الأميركيون من الرهان على نموذج "الردع" القائم على منع الحرب إلى نموذج "الاستعداد" القائم على بناء قدرات محلية تضمن النجاة من تبعات حدوثها، دون حسابات تراعي المستقبل الاقتصادي لتايوان أو حتى مصيرها كدولة. وقد نتج عن ذلك أزمة ثقة في العلاقات الأميركية التايوانية، إذ كشف استطلاع رأي في تشرين الأول 2025 أن 60 في المئة من التايوانيين لا يعتبرون الولايات المتحدة شريكاً جديراً بالثقة، متهمين إياها بإفراغ القاعدة الصناعية للجزيرة وتسريع نزيف الكفاءات الهندسية عبر الهجرة إلى الخارج.

 

قلعة الكاريبي

لم تكن "عملية العزيمة المطلقة" في كاراكاس مجرد إجراء عقابي ضد الرئيس نيكولاس مادورو، بل كانت إعلاناً مدوياً لميلاد "عقيدة الاستملاك الاستراتيجي". فبينما كانت واشنطن تفك ارتباطها بجغرافيا تايوان وتسحب "روحها التقنية" إلى أريزونا، كانت في الوقت ذاته تعيد ربط مصيرها الطاقوي بحوض الكاريبي ربطاً قسرياً.

إن الطاقة هنا هي التوأم الجيوسياسي للرقائق، فاقتصاد الذكاء الاصطناعي لا يقوم على أشباه الموصلات وحدها، بل يستوجب إمداداً كهربائياً ضخماً لتشغيل مراكز البيانات العملاقة وسلاسل التصنيع المتقدم، كما يتطلب وقوداً يضمن استمرارية المنظومات العسكرية واللوجستية.

وهكذا، جرى استبدال "الدرع السيليكوني" التايواني بـِ "درع طاقوي" محصّن عسكرياً في الكاريبي، في مشهد يمثّل ذروة الكولونيالية الأميركية الجديدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث