وقفة احتجاجية في دمشق: "لا تسوية دون عدالة"

دمشق - واصل حميدةالسبت 2026/01/10
Image-1768071299
احتشد المتظاهرون أمام مقر اللجنة وهتفوا بصوت واحد ضد ما أسموه "تبييض أموال الفاسدين". (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

فجّر إعلان رجل الأعمال السوري محمد حمشو عن إجرائه تسوية مع الدولة السورية الجديدة موجة غضب واسعة في أوساط الشارع السوري، ولا سيما بين أهالي المناطق التي تعرّضت للتدمير والنهب خلال سنوات الحرب.

الغضب الذي تراكم منذ لحظة الكشف عن خبر التسوية قبل أيام قليلة، ترجم اليوم في وقفة احتجاجية نُظّمت أمام مقر لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في دمشق، شارك فيها عشرات من أهالي المناطق المتضررة وناشطون وحقوقيون، رافعين شعار "لا تسوية دون عدالة".

الوقفة جاءت اعتراضاً على ما وصفه المشاركون بمحاولات فصل المسارات الاقتصادية عن مسار العدالة الانتقالية، واعتبار التسويات المالية إجراءً منفصلاً عن محاسبة المتورطين في دعم نظام الأسد والانتهاكات المرتبطة به. واعتبر المحتجون أن أي تسوية اقتصادية تُبرم خارج إطار الشفافية والمساءلة تشكّل تجاوزاً مباشراً لحقوق الضحايا، وتهديداً بإعادة إنتاج ممارسات الإفلات من العقاب التي خبرها السوريون لعقود.

احتشد المتظاهرون أمام مقر اللجنة وهتفوا بصوت واحد ضد ما أسموه "تبييض أموال الفاسدين" و"التسوية مع المجرمين"، في تعبير رمزي عن رفضهم لأي مصالحة اقتصادية لا تمر عبر بوابة العدالة، ووضع المشاركون أمام مقر اللجنة نماذج من الأدوات والمواد التي كانت قوات النظام السابق تنهبها من الأبنية المدمّرة، مثل الغسالات، والأشرطة النحاسية، وقضبان الحديد، في محاولة لتجسيد حجم الضرر والنهب الذي تعرّضت له مناطقهم.

وسُجّل خلال الوقفة انتشار لعناصر الأمن العام في محيط المكان، حيث جرى تأمين الاحتجاج دون تسجيل أي تدخل أو احتكاك مع المشاركين، بل اتسم التعامل، بحسب المحتجين، بالاحترام والتعاون مع المتظاهرين وتنظيم حركة الوقفة، ودون أن يؤثر ذلك على الأسئلة الأساسية المتعلقة بجوهر التسوية ومطالب الشفافية والمساءلة التي طُرحت، في نقطة تسجل لصالح الحكومة السورية بطريقة التعاطي مع مثل هذه الاحتجاجات.

 

تسوية "من تحت الطاولة"

أما في سياق المواقف الحقوقية، أكدت الباحثة المختصة بقضايا حقوق الإنسان لينا غوتوق أن المطلب الجوهري للاحتجاج يتمثل في الرفض القاطع لفصل الجرائم الاقتصادية عن مسار العدالة الانتقالية، مشددة على أن التعامل مع التورط الاقتصادي "كما لو أنه ملف تقني أو مالي بحت" يتجاهل السياق الأوسع المتعلق بدعم الإجرام والانتهاكات، واعتبرت أن مسار العدالة الانتقالية يجب أن يشمل جميع الإجراءات المتعلقة بالأشخاص المتهمين بجرائم حرب أو بدعم نظام الأسد بشكل مباشر، مشيرة إلى وجود اتهامات واسعة بحق محمد حمشو تتعلق بالاستثمار في اقتصاد الحرب.

وعبّرت غوتوق عن رفضها لأي تسوية تتم "من تحت الطاولة" أو بآليات غامضة، مؤكدة أن أي مسار من هذا النوع يجب أن يضمن حقوق الضحايا وأن يكونوا في صلب العملية، لا على هامشها، وأضافت أن السوريين يرفضون أي تسوية لا تقوم على العدالة والمحاسبة والشفافية وإحقاق الحق، مؤكدة أن استعادة الأموال المنهوبة لا يمكن أن تكون بديلاً عن المحاسبة، بل مساراً موازياً لها.

من جانبه، عبّر فادي زيدان، أحد المتضررين من حي جوبر، عن رفضه المطلق لأي مصالحة مع ما وصفه بـ"أذرع النظام"، مؤكداً أن الضحايا لا يقبلون بمسامحة أي شخص كان جزءاً من المنظومة الاقتصادية التي دعمت القتل والتدمير، وتابع بالقول: "لا أحد في سوريا، مهما كانت سلطته، يملك الحق في مسامحة قتلة أو شركاء المجرم بشار الأسد"، مشيراً إلى أسماء عدد من رجال الأعمال مثل (محمد حمشو، سامر الفوز، يسار ابراهيم، وغيرهم) الذين كوّنوا ثرواتهم، على حساب دماء السوريين وبيوتهم المدمّرة.

وأوضح زيدان أن مطالب المحتجين تتركز على ضرورة الشفافية الكاملة في ما يتعلق بأي اتفاقات أو تسويات اقتصادية، وعلى إدراج ملفات هؤلاء الأشخاص ضمن مسار العدالة الانتقالية منذ لحظة سقوط النظام، لا التعامل معهم ضمن ما أسماه "عدالة انتقائية"، كما حذّر من أن تسوية محمد حمشو، إن لم تُضبط بقواعد واضحة، قد تفتح الباب أمام عودة الطغمة الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق، بما يتناقض مع تطلعات السوريين لبناء سوريا جديدة.

بدوره، عبّر عبد الله الحافي، وهو ناشط من سكان الغوطة الشرقية، عن خيبة أمل وقلق من تسوية وصفها بأنها غير شفافة وغير واضحة الأهداف والنتائج. وقال إن هذه التسوية تمس شخصية يعرفها أهالي الغوطة الشرقية جيداً ويعرفون دورها في ما تعرّضت له المنطقة، مضيفاً أن السوريين كانوا يأملون أن يكون مسار التعافي قائماً على جبر ضرر الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، لا على صفقات غامضة.

وشدد الحافي على أن الحد الأدنى من حقوق السوريين بعد سنوات من التضحيات يتمثل في حق المعرفة، بما يشمل معرفة من يبرم هذه الاتفاقات، ولماذا، وما النتائج المترتبة عليها. واعتبر أن غياب الشفافية في هذا السياق لا يهدد الثقة بالسلطات الجديدة فحسب، بل يمس أحد المبادئ الأساسية التي قامت عليها الثورة السورية.

 

"لا تسوية من دون عدالة"

وخلال الوقفة، قُرئ بيان باسم المشاركين أعلنوا فيه إطلاق حملة "لا تسوية من دون عدالة"، انطلاقاً من التزامهم بمبادئ العدالة الانتقالية وسيادة القانون وحقوق الضحايا، وأعرب البيان عن القلق والغضب إزاء المعلومات المتداولة حول تسويات اقتصادية مع شخصيات ارتبطت بشبهات تتعلق بتغذية منظومات الفساد والإفقار، والمساهمة في دعم نظام الأسد وبناء ثروات من اقتصاد الحرب والتهجير القسري.

وأشار البيان إلى أن الإعلان عن إتمام محمد حمشو مسار تسوية رسمي مع السلطات السورية الجديدة، وتداول أخبار عن شمول هذه التسويات لأشخاص آخرين، يضع السلطة أمام اختبار حقيقي لمدى جديتها في الانتقال نحو دولة قانون لا تشرعن الإفلات من العقاب، وأكد الموقعون أن مشكلتهم ليست مع مبدأ استعادة الأموال بحد ذاته، بل مع كيفية إدارة هذه التسويات، ولصالح من تُعقد، وبأي ثمن أخلاقي وقانوني.

وطالب البيان بالحق في الوصول إلى المعلومات بشفافية مطلقة في كل ما يتعلق بالتسويات الاقتصادية، و بالإسراع في مسار العدالة الانتقالية وتوضيح الإجراءات المتخذة ضمن هذا المسار، وحصر التعامل مع من تحيط بهم شبهات جرائم حرب أو جرائم اقتصادية جسيمة ضمن إطار عدالة يضمن المحاسبة والاعتراف وجبر الضرر، كما دعا إلى اتخاذ خطوات رسمية لانضمام سوريا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وضمان سياسات اقتصادية عادلة تراعي خصوصية الحالة السورية وتربط أي مسارات مالية بمقاصد العدالة.

في ختام الوقفة، شدد المحتجون على أن السلطة السورية الجديدة تتحمل مسؤولية تطبيق عدالة شاملة وغير انتقائية بوصفها الضامن الوحيد للسلام المستدام، محذرين من أن أي التفاف على حقوق الضحايا أو تسويات تُعقد خارج إطار الشفافية قد تعمّق الانقسام وتعيد إنتاج أسباب الصراع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث