في خطوة وُصفت بأنها الأكثر جدّية منذ سنوات، اتخذت وزارة العمل قراراً بإقفال وتجميد سبعة مكاتب لاستقدام العاملات في الخدمة المنزلية، في محاولة لضبط قطاع تحوّل، وفق توصيف أحد الأمنيين، إلى بيئة خصبة للإتجار بالبشر.
القرار، بحسب مستشار وزير العمل، فراس زعيتر، لا يأتي كردّ فعل ظرفي، بل يندرج ضمن خطة تنظيمية وُضعت منذ تسلّم الوزير مهامه لتنظيم عمل مكاتب استقدام العاملات المنزليات.
خطة تنظيمية ومعايير مُعمَّمة
يوضح زعيتر لـ"المدن" أنّ وزارة العمل حدّدت شروطاً ومعايير واضحة لتنظيم عمل المكاتب، جرى تعميمها على الجميع من دون استثناء. ويقول: "الوزير منح هذه المكاتب فرصاً عدة لتصويب أوضاعها"، مشيراً إلى أنّ بعض المكاتب التزم بالكامل بهذه الشروط، فيما التزم بعضها الآخر جزئياً وبدأ بتنفيذ قسم منها، على أن يستكمل الباقي لاحقاً.
هذه الفئة، وفق زعيتر، جُمّد عملها مؤقتاً إلى حين الالتزام التام. أمّا المكاتب التي طاولها الإقفال النهائي، فهي تلك التي لم تلتزم إطلاقاً، ولم تُبدِ أي استعداد للتجاوب مع التحذيرات أو المهل الممنوحة.
وأضاف أن هناك عدداً من المكاتب التي طالتها الإجراءات كانت مرخّصة سابقاً، لكنها انقطعت عن العمل من دون أي تصريح، أو واصلت نشاطها من دون الالتزام بالشروط الأساسية، سواء خلال فترة عملها أو عند تعليق نشاطها.
لا استثناءات مناطقية
يشدّد زعيتر على أنّ تطبيق الشروط لا يرتبط بالمناطق أو بالاعتبارات الجغرافية، مؤكداً أنّ "الشرط ينطبق على الجميع، ولا يعنينا أين تقع المكاتب". فهناك شروط عدة، من بينها الالتزام بمعايير وقوانين منظمة العمل الدولية، إلى جانب متطلبات تنظيمية وإدارية، أبرزها عدم الانقطاع عن العمل من دون تصريح قانوني، وتوفّر عقد إيجار نظامي، والالتزام بالمساحة المحددة، والتصريح الرسمي عن وضع المكتب في حال التوقف عن العمل.
لبنان على "اللائحة السوداء"
في موازاة ذلك، وزارة العمل لم تصدر منذ سنوات عدة أي تراخيص جديدة لفتح مكاتب استقدام، في ظل قناعة رسمية ودولية بأنّ عدد المكاتب المرخّصة يفوق حاجة السوق اللبنانية الفعلية. هذا التضخم، وفق المعايير الدولية، شكّل أحد أسباب تصنيف لبنان دولةً تعاني خللاً بنيوياً في إدارة هذا القطاع.
أحد أكثر الجوانب حساسية في هذا الملف يتمثّل في إدراج لبنان منذ سنوات على "اللائحة السوداء" لمنظمة العمل الدولية. وتعتبر المنظمة أنّ طبيعة عمل عدد كبير من مكاتب الاستقدام تنطوي على شبهة اتجار بالبشر، لا سيما في ظل العدد الكبير للمكاتب قياساً إلى مساحة لبنان وحجم الطلب الحقيقي على العاملات المنزليات.
في هذا الإطار، يؤكد زعيتر أنّ هدف الوزير يتجاوز الإقفال والتجميد، ليصل إلى "تنظيم القطاع وتحسين صورة لبنان وسمعته على المستويين الدولي والحقوقي، تمهيداً لرفع اسمه عن اللائحة السوداء".
لهذه الغاية، شكّل الوزير، محمد حيدر، لجنة خاصة لمتابعة جميع التفاصيل التي أدّت إلى إدراج لبنان على اللائحة السوداء. وستعمل اللجنة، بحسب زعيتر، على التواصل المباشر مع منظمة العمل الدولية، في محاولة لمعالجة الملاحظات وتصويب المسار بما يتلاءم مع المعايير الدولية.
مافيات الاستقدام والإتجار بالبشر
مصادر أمنية مطلعة على هذا القطاع أكدت لـ"المدن" أن خلف الواجهات القانونية، تنشط شبكات منظّمة تستغلّ العاملات المنزليات وتحول القطاع إلى ما يشبه سوقاً سوداء للإتجار بالبشر، بهدف مراكمة أرباح سريعة.
وتشير المصادر إلى أنّ الارتفاع الملحوظ في حالات فرار العاملات ليس ظاهرة فردية، بل نتيجة خطط ممنهجة تنفّذها شبكات منظمة، تهدف إلى تهريب العاملات وتشغيلهن في أعمال تمسّ الآداب العامة، أو فتح المجال أمامهن للعمل الحر مقابل عمولات تجنيها المكاتب نفسها.
وتشرح المصادر أنّ بعض المكاتب تتقاضى نحو 4000 دولار لإدخال العاملة إلى لبنان، ثم تبادر إلى تقديم بلاغ فرار بحقها، ما يتيح لها التهرّب من الرسوم السنوية المتوجبة. وعند انكشاف المخالفات، يُقفل المكتب ويُعاد فتح آخر تحت اسم جديد، في دورة متكرّرة من التحايل.
كما تعتمد بعض المكاتب أساليب إضافية لتجاوز "الكوتا" التي تحددها وزارة العمل، والتي لا تتجاوز غالباً 200 عاملة سنوياً، عبر تسجيل العاملات على أسماء مكاتب أخرى، أو من خلال شراكات وهمية مع مطاعم وشركات، وأحياناً بالاستفادة من علاقات سياسية أو أمنية.
غير أنّ "الأسلوب الأخطر"، وفق المصدر نفسه، يتمثّل في إدخال العاملة على اسم "كفيل وهمي"، أي على اسم مواطن يتقاضى المال مقابل تسجيل العاملة باسمه. بهذه الطريقة، يتفادى المكتب تجاوز الكوتا الرسمية ويقلّل من احتمالات الملاحقة. وفي هذه الحالة، تتحوّل العاملة التي تُعرف في السوق باسم "الجاهزة" إلى سلعة تُباع بسعر أعلى، وقد تصل كلفة تشغيلها إلى نحو 600 دولار شهرياً.
بين قرارات الوزارة ومحاولات التصويب، وبين شبكات التحايل التي راكمت نفوذها لسنوات، يبدو أنّ تنظيم قطاع استقدام العاملات المنزليات لم يعد مجرّد ملف إداري، بل اختبار فعلي لقدرة الدولة على تفكيك منظومة قائمة على الاستغلال، وحماية العاملات، واستعادة ما تبقّى من صدقية لبنان أمام المجتمع الدولي.
