حشيشة وسيلفيا وكبتاغون وغيرها: الموت البطيء واستحالة العلاج

طارق الحجيريالخميس 2026/01/08
Image-1767789907
يستقبل المركز شبانًا بين 16 و17 عاماً يعانون إنهاكًا جسديًا واضطرابات نفسية وعقلية حادة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يمت ب.خ. (25 عامًا) في اشتباكٍ مسلّح، ولا أرداه قصفٌ صاروخيّ مباغت، بل فارق الحياة في غرفةٍ ضيّقة داخل منزله العائلي، في إحدى قرى البقاع الشمالي، بسبب جرعة زائدة من مادة مخدّرة، قيل له إنّها "مضبوطة" ولا تقتل. 

 

قبل أيام من وفاته، قال لأحد أصدقائه إنّه قرّر التوقّف عن الإدمان، لأنّه "تعب من الهرب"، وسيحاول معاودة العلاج مجددًا. لكنّ جسده المنهك سبق قراره، وانتهت حكاية هذا الشاب بصمت، وبجنازة سريعة، كما لو أنّ الموت تفصيل عابر في منطقة اعتادت الخسارات.

 

قصة ب.خ. ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات القصص التي تتكرّر في مدن لبنان وقراه، ولا سيّما في البقاع الشمالي، حيث يلتقي الفقر والهشاشة الاجتماعية مع الغياب المزمن للدولة. هناك، تزدهر زراعة السموم وصناعتها وترويجها، وتتحوّل المخدرات من آفة فردية إلى ظاهرة عامة، تحصد شبابًا بين موت مبكر، وسجون مكتظّة، وأعمار تُستهلك في الإدمان.

 

شباب بلا بدائل

لا يمكن مقاربة أزمة المخدرات في البقاع الشمالي بمعزل عن واقع اقتصادي–سياسي–اجتماعي خانق، ونسبة بطالة مرتفعة، ومدارس رسمية شبه منهارة، وغياب شبه كامل للأنشطة الثقافية والرياضية، وفراغ يومي قاتل، تملؤه "شلل الرفاق" واستهلاك المواد المخدرة. 

في الكثير من القرى، لم يعد تعاطي المخدرات حدثًا استثنائيًا أو سرًّا مخجلًا، بل ممارسة شبه عادية، بلا وصمة حقيقية ولا رادع فعلي. ويقول ع.ز.، وهو شاب ثلاثيني تعافى بعد ثلاث سنوات من الإدمان: "بدأتُ بتعاطي المخدرات كتجربة. ثم أصبحت وسيلة للهروب من ضغوط الحياة. ولاحقاً واظبت عليها كي احتمل البقاء على قيد الحياة. فالمشكلة لم تكن بالمخدر وحده، بل بأن لا شيء آخر في حياتي غيره". 

ويروي كيف حاول أكثر من مرة دخول مراكز علاج، لكنه اصطدم بكلفتها المرتفعة، أو بفترات انتظار طويلة، أو ببرامج غير مكتملة. ويقول: "لو لم يساعدني صديقي في شقاء العلاج، لكنت اليوم إمّا في القبر أو في السجن".

 

علاج مكلف... ودولة تتفرّج

بالرغم من تفاقم الظاهرة، لا تزال مراكز العلاج والتأهيل في البقاع الشمالي نادرة إلى حدّ العدم. وتعتمد بمعظمها على مبادرات فردية أو جمعيات بإمكانات محدودة، يغلب عليها الطابع التوعوي لا العلاجي. في المقابل، تكتفي الدولة بمقاربة أمنية موسمية، تُكثَّف عند الحاجة الإعلامية، وتغيب عند الحاجة الإنسانية، من دون أي سياسة وقائية أو دعم نفسي واجتماعي مستدام.

ما حصل مع الشاب م.ح.، ابن الواحد والعشرين عامًا، يلخّص حجم المأساة. شاب بكل فتوته أفقدته المخدرات قدرته على التركيز، ولم يعد قادرًا على تركيب جملة مترابطة، كما يقول والده العامل بالمياومة. ويؤكد عجزه عن تأمين كلفة العلاج بالقول: "لا أستطيع علاجه. هذه الحقيقة. بالكاد أؤمّن كلفة الطعام والتدفئة. ما العمل؟ لا أدري. المصاب كبير في هذا البلد".

بدورها، تقول السيدة ف.ف. إنّ الإدمان كلّفها خسارة عائلتها وطلاقها، وهي اليوم "تريد العلاج والشفاء، لكن من دون أي إمكانات مادية تساعدها".

 

الإدمان ليس ملفًا أمنيًا

يؤكّد اختصاصيون أنّ علاج الإدمان لا يُختزل بالمداهمات ولا بالسجون، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة: دعم عائلي، بيئة حاضنة، مواكبة قانونية، مراكز علاج شبه مجانية، وبرامج جدّية لإعادة الإدماج في المجتمع وسوق العمل.

في هذا السياق، توضح الأخصائية النفسية المتخصصة في علاج الإدمان، الدكتورة مايا الحزوري، أنّ أنماط التعاطي تشهد تحوّلًا بالغ الخطورة، مع انتشار مواد كيميائية مصنّعة "أشد فتكًا وأقل كلفة"، وغالبًا ما يجهل المتعاطون تركيبتها وتأثيراتها. 

وتشير إلى أنّ مركز دير الصليب، حيث تعمل، يستقبل شبّانًا في السادسة عشرة والسابعة عشرة من العمر، يعانون إنهاكًا جسديًا واضطرابات نفسية وعقلية حادّة.

وتشرح الحزوري أنّ رحلة العلاج تمتدّ لنحو عام كامل، وتنقسم إلى مرحلتين أساسيتين، الاستشفاء الطبي وتنظيف الجسم من المواد المخدّرة، ثم العلاج النفسي وإعادة التأهيل. وهي رحلة مكلفة ماديًا، وتزداد صعوبتها بفعل الاكتظاظ في مراكز التأهيل. 

وتلفت إلى أنّ التعافي الطبي وحده لا يكفي، إذ يحتاج المريض إلى مواكبة قانونية، لا سيّما رفع اسمه عن السجلات العدلية، لتمكينه من الاندماج مجددًا في المجتمع، محذّرة من أنّ كثيرين "يتعافون اليوم ليعودوا غدًا إلى البيئة نفسها التي دفعتهم إلى الإدمان، فتقع الانتكاسة مجددًا".

 

سوق مفتوحة بلا رقيب

رغم الحملات الأمنية المتقطّعة، لا يزال البقاع الشمالي من أبرز المساحات المفتوحة لتجارة المخدرات في لبنان، زراعةً وتصنيعًا وتوزيعًا. وبحسب مصادر طبية واجتماعية في المنطقة، سُجّلت خلال العامين الأخيرين زيادة ملحوظة في حالات التسمّم والجرعات الزائدة، خصوصًا بين شبّان دون الخامسة والعشرين، في مقابل تراجع واضح في القدرة على العلاج. الجديد في السنوات الأخيرة ليس وفرة المواد فحسب، بل تنوّعها وانخفاض أسعارها، من حشيشة الكيف إلى السيلفيا والكبتاغون والسيسي، ما جعلها في متناول المراهقين وطلاب المدارس والجامعات، في ظل غياب شبه كامل للرقابة والمساءلة.

إلى متى؟

في قرى البقاع الشمالي، تتكرّر الجنازات الصامتة، وتُطوى القصص سريعًا، فيما تتراكم الخسارات. شباب في عمر الأحلام، يُهزمون أمام مواد أقوى من أجسادهم، ودولة أضعف من أن تحميهم.

لم تعد أزمة المخدرات في لبنان مسألة انحراف فردي، بل أصبحت إحدى نتائج الانهيار الشامل، حين تُترك المناطق المهمّشة لمصيرها، ويُختزل دور الدولة بالضبط الأمني لا بحماية الحياة. وفي البقاع الشمالي، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كم شابًا آخر يجب أن يسقط، قبل أن تتحوّل المعالجة من ردّ فعل متأخر إلى سياسة عامة تحفظ ما تبقّى من جيل كامل؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث