حين صدر التعميم المتداول عن وزارة العدل السورية، والذي يعيد تثبيت الولاية على النفس للقاصر في مسائل إذن السفر ضمن ترتيب "العصبة" الذكورية، ولا يمنح الأم صفة الوليّ الأصلية رغم كونها الحاضنة، لم يكن الخلاف حول إجراء إداري أو تخفيف عبء المحاكم بقدر ما كان حول سؤال أعمق، فلمن تعطي الدولة مفاتيح الحركة والاختيار داخل الأسرة؟ ومن يدفع ثمن هذا الاختيار في واقع تضيق فيه سبل العيش وتزداد فيه هشاشة النساء المعيلات؟
وهنا لا يجري النقاش حول عاطفة الأمّ أو مكانتها في البيت، بل حول سلطة قانونية تُفتح وتُغلق بها أبواب السفر والتعليم والعلاج وتوقيع المعاملات... في لحظة واحدة يتحوّل تعريف الأمومة من علاقة رعاية يومية إلى صفة ناقصة الأهلية أمام الدولة، ويصبح "الأقرب من جهة الأب" طريقاً مرجَّحاً في حالات إذن السفر حين يغيب الأب أو يتعذر حضوره، ولو كان هذا القريب بعيداً عن حياة الطفل.
ما الذي يقوله التعميم؟
يوجَّه التعميم إلى المحاكم الشرعية، وينطلق من مشكلة عملية هي كثرة طلبات تعيين وصيّ خاص لإجراءات سفر القاصرين، وما سبّبته من ضغط على المحاكم. ثم يصل إلى خلاصة تنظيمية تربط إجراءات السفر بمفهوم "الولاية على النفس"، وتدفع باتجاه إنجاز المعاملة عبر الوليّ دون كثرة طلبات الوصاية الخاصة.
ولأن التعميم أُوِّل على نحو واسع، صدر لاحقاً توضيح من القاضي الشرعي الأول بدمشق، أكد فيه أن المقصود هو تبسيط إجراءات جواز السفر وإذن السفر للقاصرين. ووفق التوضيح، يحق للأم استصدار جواز سفر القاصر مباشرة من إدارة الهجرة والجوازات دون مراجعة القاضي الشرعي.
أما إذن السفر خارج القطر فيبقى بحاجة إلى موافقة الأب والأم معاً، وفي حال غياب الأب يُعمل بترتيب العصبات الوارد في التعميم، وفي حال وفاة الأب يُسمح بسفر القاصر مع الأم ما لم يوجد منع سفر.
كما أشار التوضيح إلى استمرار العمل بالوصايا الشرعية وعدم إلغاء إمكانية منح الأم وصاية كما كان معمولاً به. لكن المفصل الحاسم يأتي عندما يعرّف التعميم "أولياء النفس" تعريفاً واسعاً وفق ترتيب العصبة الذكورية، يبدأ بالأب ثم الجد العصبي، ثم الإخوة وأبناؤهم، ثم الأعمام وأبناؤهم، حتى يصل إلى أبناء عمومة الجد العصبي، مع ترتيب تفصيلي طويل.
الملفت والذي يدعو للتوقف، أنه في هذه السلسلة لا تظهر الأم كصاحبة ولاية أصلية، رغم أن التعميم نفسه يذكر أن العادة في بعض المحاكم كانت تنصيب قريب للقاصر "ومنهم الأم" وصياً خاصاً لهذه الإجراءات، ثم يحدّ من اللجوء إلى الوصيّ الخاص في إجراءات السفر، ويدفع باتجاه إنجازها عبر الولي وفق ترتيب العصبات.
القانون بين حضانة وولاية
في هذا السياق، من المهم ألا ننزلق إلى لبس شائع. الحضانة شيء والولاية شيء آخر. في كثير من قوانين الأحوال الشخصية تُعطى الأم حق الحضانة (الرعاية اليومية)، بينما تُحصر الولاية القانونية على النفس أو المال بالذكور وفق منطق "العصبة". فالتعميم لا "يخترع" هذا المنطق من الصفر، لكنه يفعّل نتائجه الإجرائية بطريقة أكثر قسوة على الأم الحاضنة. فبدلاً من أن تذهب إلى المحكمة لتعيين وصي خاص (حتى لو كانت هي ذلك الوصي)، يُطلب عملياً أن تمر عبر وليّ من العصبة في إذن السفر خارج القطر عندما يتعذر حضور الأب أو موافقته، بينما أكد التوضيح أن استصدار جواز السفر ذاته يحق للأم إنجازه مباشرة دون مراجعة القاضي الشرعي.
حتى الفقرة التي تتحدث عن نزاع بين الأبوين على سفر القاصر لا تحل المشكلة من جذورها، لأنها تُبقي القرار في يد القاضي بعد نشوء النزاع، لا تمنح الأم ولاية أصلية تمنع ابتزازها أو تعطيل حياتها اليومية.
منطق الدولة ووجه الكلفة
وزارة العدل السورية، وبحسب نص التعميم ذاته، تريد تقليل الضغط على المحاكم وتسريع المعاملات، وهذا هدف إداري مفهوم، خصوصاً في بلد عاش سنوات انهيار مؤسساتي، وتضخم طلبات السفر ولمّ الشمل والعلاج.
لكن السؤال الحقيقي، لماذا اختارت الدولة طريقاً يسرّع الإجراءات عبر توسيع امتياز ذكوري، بدل أن يسرّعها عبر الاعتراف بمن يقوم فعلاً بعبء الرعاية؟ هنا تظهر "كلفة" القرار. فالأم تُدفع عملياً إلى موقعٍ تابع في إذن السفر خارج القطر حين تُعلّق المعاملة على موافقات أو على ترتيب العصبات عند غياب الأب، رغم أنها هي التي تتحمل عبء الرعاية اليومي، بينما يُقدَّم ابن عم بعيد ــ لم يلتق الطفل ربما إلا في المناسبات ــ بوصفه أقرب إلى "الأهلية القانونية"، وهذا ليس تفصيلاً، بل عملياً هو إعادة توزيع للسلطة داخل الأسرة لصالح خط النسب الأبوي.
على أية حال، فإن الاكتفاء بإدانة "الذكورية" بوصفها ثقافة سيئة فحسب، واختزال المسألة في منافسة هويات بين رجال ونساء لا يعني شيئاً من دون السؤال عن الوظيفة الاجتماعية لهذا الترتيب، من يستفيد؟ وكيف تُدار التناقضات؟
في مجتمعات تعيش أزمة معيشية وهجرة واسعة كالمجتمع السوري، يصبح "التحكم بالورق" شكلاً من أشكال التحكم بالحياة نفسها. فالولاية هنا ليست فكرة تجريدية، بل هي سلطة على حركة الطفل، وعلى خيارات الأم، وعلى إمكانية الخروج من دائرة الفقر أو الحرب أو المرض. وعندما تُمنح هذه السلطة تلقائياً لسلسلة من الذكور، تتحول إلى مورد يمكن استخدامه للمساومة عبر توقيع مقابل تنازل، أو إذن سفر مقابل صمت مثلاً، أو ربما تعاون مقابل تنازل عن حضانة أو نفقة. والأكثر تضرراً ليست المرأة كمفهوم عام، بل النساء العاملات والفقيرات والمُهجَّرات اللاتي لا يملكن شبكة حماية أو كلفة محاماة طويلة أو "واسطة" تُليّن الطريق.
إضافةً إلى ذلك، يظهر تناقض واضح بين الواقع الاجتماعي السوري والنص القانوني، فمن يقوم بعمل الرعاية الاجتماعي (إعادة إنتاج الحياة اليومية: طبخ، متابعة، علاج، تربية) غالباً هو الأم، لكن من يملك القرار القانوني هو الرجل أو من يُلحق به. وهذه فجوة كبيرة بين "العمل" و"السلطة"، ومع كل محاولة إدارية لتسريع الدولة لعملها عبر هذا الباب، تتعمق الفجوة بدل أن تُردم. ولذلك لم يكن غريباً أن تخرج انتقادات حقوقية واسعة ترى في التعميم تكريساً للسلطة الذكورية على حساب مصلحة القاصر.
ما الذي ينبغي تغييره؟
الحل لا يكون بحملة شعارات منفصلة عن شروط العيش، ولا بالاكتفاء بمطالبة المجتمع والسلطة بأن يكونا ألطف. المطلوب تغيير في القاعدة القانونية التي تربط الولاية بالذكورة لا بالمسؤولية الفعلية، وتغيير في سياسات الدولة التي تُلقي أعباء الرعاية على الأسرة ثم تمنح مفاتيحها القانونية لطرف واحد. فالاعتراف بالأم كولية على نفس القاصر، على الأقل عندما تكون الحاضنة بحكم قضائي، ليس امتيازاً بل تصحيحاً لعلاقة بين من يعمل ومن يقرر. وإدخال معيار "مصلحة الطفل الفضلى" ليس عبارة إنشائية، بل هو آلية واضحة تمنع سفر الطفل بعيداً عن حاضنه دون ضمانات، كما تمنع تعطيل سفره لأسباب انتقامية.
الأهم أن هذه المعركة لا ينبغي أن تُدار كـ"صراع جنساني" معزول، بل كجزء من صراع اجتماعي أوسع ضد تحويل القانون إلى أداة ضد الضعفاء إن كان داخل العائلة أو خارجها، لأن ما يجري ليس اختلافاً حول "مكانة الأم"، بل إعادة توزيع للسلطة داخل البيت بقرار إداري يلبس ثوب الشرع والقانون.
