لم يعد تلوّث الهواء في شمال لبنان مسألة بيئية قابلة للتأجيل. فمعمل دير عمار ليس منشأة تقنية معزولة عن محيطها بل هو في قلب تعداد سكّاني يقارب المئة ألف نسمة. ولذلك فإنَّ الأمر يتجاوز الأعطال التقنية والأعمال التشغيلية، ليدخل في صلب حياة المواطنين ويمثل تهديداً لأمنهم الصحي.
تزايد مستويات التلوث
وفق مؤشرات التلوّث العالمية (global pollution index 2025)، يتقدّم لبنان على الدول العربية في مستويات التلوّث، مسجّلًا 89.6 من أصل 100 على المؤشّر البيئي. غير أنّ هذه الأرقام، على فداحتها، تبقى مجرّدة ما لم تُقرأ على الأرض. والأرض، في دير عمار والمنية والبداوي، تقول شيئًا واحدًا: السكّان يعيشون ضمن نطاق تأثير مباشر لمنشأة يُفترض أن تُدار وفق أعلى معايير السلامة العامة، لكنها تُشغَّل بمنطق الحدّ الأدنى ومعايير "ما تيسّر أو توفَّر".
المشكلة في جوهرها تكمن في طريقة تشغيل المعمل ونوعية الوقود المستخدم فيه. فمعمل دير عمار لم يُبنَ أصلًا ليكون معملًا ملوِّثًا لمحيطه. فمن "منظور تقني"، كان المشروع في بداياته يعتمد الغاز الطبيعي، بطاقة إنتاجية تقارب 400 إلى 450 ميغاواط، إلى جانب معمل الزهراني، لسدّ عجز كان يُقدَّر حينها بنحو 800 ميغاواط. يومها، طُرحت حلول عملية لتأمين الغاز من مصر عبر خط بحري مباشر من العريش إلى مصفاة البداوي. غير أنّ هذا الخيار اصطدم بعراقيلَ إقليمية فتحوّل إلى مسار طويل يمرّ عبر الأردن ثم عبر سوريا، لا لاعتبارات تقنية، بل لمعادلات نفوذ وبدلات عبور. ومع تعثّر المشروع، دخل الـGas Oil على الخط كحلّ «مؤقّت» ما لبثَ أن تحوّل، مع الوقت، إلى واقع دائم (ومؤلم)… ومعه تفاقمت المشكلة.
ارتفاعٌ مخيف بمرضى السرطان
النتائج الكارثية لانبعاثات المعمل باتت ملموسة، ولا سيّما في منطقة دير عمار. وهذا ما أكدهُ الدكتور حسن الدهيبي، الأخصائي في الأمراض الصدرية لـ"المدن" حين أشارَ إلى "الزيادات المخيفة" في أعداد مرضى السرطان في مناطق المنية والبداوي أيضاً. ويلفت إلى ارتفاع في نسب الإصابات يتراوح بين 30 و40 في المئة خلال السنوات الماضية، مضيفًا أنّه في بعض القرى يكاد لا يخلو بيت من حالة سرطان واحدة على الأقل، وغالبًا يكون سكّان المناطق المحاذية للمعمل هم الحلقة الأضعف والأكثر تضرّرًا.
شحنات غير مطابقة..
بدوره يؤكّد مدير مختبر علوم البيئة والمياه في الجامعة اللبنانية، الدكتور جلال حلواني، أنّ المشكلة لا تكمن في استخدام الـGas Oil بحدّ ذاته، إذ إن لهذا الوقود مواصفات واضحة ومعتمدة، وتقوم مؤسسة كهرباء لبنان عند الشراء بتحديدها بهدف الحدّ من الانبعاثات. غير أنّ الإشكالية تبدأ عند التطبيق. فآلية الفحص تقضي بأخذ ثلاث عيّنات من كل باخرة: عيّنة تُفحص في منشآت النفط في طرابلس، وأخرى في الزهراني، وثالثة في برج حمود. لكن في كثير من الأحيان، لا تتطابق نتائج الفحوص مع المواصفات المطلوبة.وهنا، تدخل المؤسسة في خيارين أحلاهما مرّ: إمّا رفض الشحنة والدخول في عتمة شاملة، أو القبول بها رغم عدم مطابقتها، مقابل حسومات مالية على سعر الباخرة. وعند بدء عملية الاحتراق، تبدأ الانبعاثات التي لا تقتصر على ثاني أوكسيد الكبريت، بل تشمل ملوّثات أخرى كأول أوكسيد الكربون ومركّبات ضارّة إضافية، ذات تأثير مباشر على الجهاز التنفسي، وبخاصةٍ لدى المصابين بأمراض صدرية وحساسيّات مزمنة.
بارقة أمل قطرية؟
وسط هذا الواقع القاتم، برزت في الآونة الأخيرة بارقة أمل. مشروع تقدّمت به دولة قطر بالشراكة مع شركة TotalEnergies الفرنسية، يقضي بتوسعة معمل دير عمار عبر إضافة وحدة إنتاج جديدة بقدرة تفوق 500 ميغاواط، تعمل على الغاز الطبيعي، على أن يتم التوريد عبر منصّة عائمة قبالة المعمل. حلّ بيئي وتقني متقدّم، إذ إن احتراق الميثان (CH₄) لا يُنتج الانبعاثات السامّة نفسها. غير أنّ هذا الحل، على أهميّته، يحتاج إلى سنتين أو ثلاث سنوات لإنجاز المنصّة البحرية وإضافة وحدة الإنتاج.
في بلد فيه 12 نهرًا ساحليًا، وينابيع تنحدر من ارتفاعات تفوق 1500 متر، تبدو المفارقة في أنّ الفرنسيين أدركوا هذه القيمة منذ زمن الانتداب، وبنوا معامل كهرومائية لا تزال شاهدة حتى اليوم.ورغم أنّ الطاقة المائية أو الشمسية وحدها لا تكفي لتأمين أكثر من 2.5 جيغاواط يحتاجها لبنان، لكنها تبقى حلولًا بيئية مستدامة قابلة للتطوير، على الأقل لتفادي شبح "العتمة الشاملة" واستجداء الكهرباء.
