لو كنت وزير الطاقة في لبنان لوضعت نصب عيني هدفاً واحداً، وهو تحويل هذا القطاع من عبء مالي استنزف خزينة الدولة بما يفوق 40 مليار دولار إلى قصة نجاح عالمية يُحتذى بها في غضون عقد واحد.
إن أزمة الكهرباء الممتدة منذ حقبة الحرب الأهلية لم تكن يوماً معضلة تقنية عجز العلم عن حلها، بل هي نتاج مباشر لفساد سياسي وإداري لا مجال لبحثه هنا. لكن سنكتفي بتوصيفه لمرة واحدة بأنه حالة من "الاستيلاء المنهجي" تمارسها منظومة مزدوجة تبدأ داخل مؤسسات الدولة ولا تنتهي عند سطوة "مافيا المولدات الخاصة" التي تقتات على غياب الحلول المستدامة.
تشريح الانهيار
يغرق قطاع الطاقة في لبنان في أزمة بنيوية حادة؛ إذ يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 97 في المئة من طاقته (فيول، ديزل)، وسط فجوة هائلة بين كلفة الإنتاج التي تبلغ 0.25 دولاراً وسعر بيع لا يتجاوز 0.01 دولار. هذا الخلل، المدفوع بهدر تقني وغير تقني يتخطى 40 في المئة في شبكات النقل والتوزيع المتهالكة، أسهم على نحوٍ مباشر في تراكم نحو نصف الدين العام اللبناني.
أدّى الانهيار الاقتصادي في العام 2019 إلى شلل شبه تام في مؤسسة كهرباء لبنان، فتقلّصت التغذية لتتراوح بين ساعة وثلاث ساعات يومياً، ودُفع المواطنون دفعاً نحو خيارات مكلفة أدّت إلى انفجار في سوق الطاقة الشمسيّة، بلغت معه القدرة المجتمعة لهذه الحلول الفردية نحو 1.3 غيغاواط بحلول عام 2024. ورغم هذه الطفرة التي شملت ما يقارب 50,000 منزلاً، يبقى من المخزي حقاً أن تظلّ الكهرباء في عام 2026 سلعةً طبقيّةً بامتياز؛ إذ وصفتها "هيومن رايتس ووتش" بأنّها خدمة لا يستطيع تحمّلها إلّا الأكثر ثراءً، فيما يرزح الباقون تحت رحمة أصحاب المولدات ويتنفسون انبعاثاتها القاتلة. إنّ هذا الواقع الممتدّ لعقود يستدعي الانتقال العاجل إلى مسار إصلاح جذري يدمج بين تحديث الشبكة المتهالكة وإضافة قدرات توليد واسعة النطاق، للوصول إلى حلٍّ عادلٍ ومستدام.
استراتيجية العشر سنوات
من المضحك أن يكون لدينا وزير للذكاء الاصطناعي، بصرف النظر عن كفاءته، في بلد تعاني بنيته التحتية هذا القدر من التآكل. إنّ تأمين تغذية كهربائية شاملة على مدار الساعة خلال عقد من الزمن ليس حلماً أو ترفاً نظرياً، بل مشروعاً تقنياً متكاملاً قابلاً للتنفيذ. فلو كنت وزيراً للطاقة، لارتكزت استراتيجيتي على تغطية 80 في المئة من الطلب عبر مصادر متجددة، مدعومة بنسبة 20 في المئة بمحطات احتياط تعمل على الغاز الطبيعي، بوصفه خياراً أقل كلفة وأنظف من الفيول والديزل، على أن تُربط هذه المنظومة بشبكة ذكية وحديثة تضمن الاستقرار والكفاءة والعدالة في التوزيع.
إن المعطيات المناخية والجغرافية في لبنان تجعل هذا التحول ممكناً من الناحيتين العلمية والمالية؛ فنحن بلد ينعم بنحو 3000 ساعة من سطوع الشمس سنوياً (مع نحو 60 يوماً غائماً فقط)، ويمتلك جبالاً وسهولاً تمنح فرصاً واعدة لطاقة الرياح، بالإضافة إلى أنهار قادرة على استضافة محطات كهرومائية صغيرة عالية الكفاءة. وقد قدّرت دراسة من المؤسّسة اللبنانية للطاقة المتجدّدةأن إمكانات لبنان قادرة على إنتاج نحو 13 غيغاواط من الطاقة الشمسية و5 غيغاواط من طاقة الرياح وحوالي 2 غيغاواط من الطاقة المائية.
تستند هذه الاستراتيجية إلى استغلال الموارد الطبيعية اللبنانية بأقصى كفاءة ممكنة، وذلك وفق المحاور التالية:
الطاقة الشمسية: يتميّز لبنان بمردود مرتفع جداً يقارب 2200 كيلواط ساعي لكل كيلواط مركّب سنوياً، حيث تمتلك سهول البقاع والمناطق المستوية قدرة هائلة على استضافة محطات شمسية كبرى بكلفة منخفضة تصل إلى 0.05 دولار للكيلواط الساعي (المصدر: مؤسّسة هاينريش بول).
طاقة الرياح: تتركز أفضل المواقع على سلسلتي الجبال (عكار، الهرمل، راشيا)، حيث تشير العطاءات الأولية إلى إمكانية تطوير شبكة بقدرة 200 ميغاواط بكلفة تُعد من الأدنى في السوق (المصدر: المركز اللبناني لحفظ الطاقة).
الطاقة المائية والتخزين: يمكن تحديث المواقع القائمة (مثل الليطاني) لرفع إنتاجها الحالي البالغ 172 ميغاواط، وإضافة مشاريع "ميني-هيدرو" بقدرة 263 ميغاواط. والأهم هو اعتماد تقنية التخزين بالضخ بقدرة 1100 ميغاواط، لتوفير استقرار للشبكة عبر الضخ إلى أعلى في وقت الوفرة والتوليد وقت الذروة (المصدر: AUB).
تسمح هذه المصادر مجتمعة بالوصول إلى حصة 80 في المئة من الطاقة المتجددة من إجمالي التوليد. أمّا النسبة المتبقية (20 في المئة)، فستُغطّى عبر توربينات غازية سريعة الاستجابة، من خلال تحويل محطتي دير عمار والزهراني للعمل على الغاز الطبيعي بقدرة 825 ميغاواط لكل منهما. ورغم أنّ كلفة إنتاج الغاز تبلغ 9–10 سنتات، فإنها تظل خياراً اقتصادياً مقارنة بالنفط الذي يكلّف 18–20 سنتاً لكل كيلواط ساعي، وهي ضرورية لضمان استقرار التغذية ليلاً وفي أوقات الذروة.
تحديث الشبكة وإعادة هيكلة القطاع
تتطلّب استعادة قطاع الكهرباء عصبَه الحيوي الشروع في تحديث شامل لشبكتي النقل والتوزيع، بدءاً من تدعيم خطوط النقل (220 فولت و150 كيلوفولت)، بالتوازي مع إنشاء مركز تحكّم وطني حديث يعمل بنظام SCADA لإدارة توازن الشبكة لحظياً. ويتكامل هذا المسار التقني مع التحوّل نحو "الشبكة الذكية" عبر نشر العدّادات المتقدّمة، ما يحدّ من الفاقد الفني وغير الفني، ويُرفق بتفعيل منظومة حماية صارمة لوقف نزيف السرقات الذي يبتلع الآن نحو 30 في المئة من الطاقة المنتَجة، والاقتداء بنموذج كهرباء زحلة (EDZ) في كفاءة الجباية والانضباط التشغيلي. وعلى المستوى البنيوي، لا مفرّ من إعادة هيكلة مؤسسة كهرباء لبنان لتحويلها إلى مشغّل نظام نقل (TSO) يركّز على التخطيط والتوازن، مع تلزيم الإنتاج والتوزيع لشركات امتياز محلية ضمن أطر تعاقدية واضحة، بما يعزّز المساءلة والشفافية المحاسبية. ويُتوّج هذا الإصلاح بتفعيل هيئة ناظمة مستقلة بصلاحيات فعلية تتولى فرض المعايير التقنية وتحديد تعرفة عادلة تعكس الكلفة الحقيقية، بما يضمن استدامة القطاع ويُخرجه من دوّامة التجاذبات السياسية.
تُعدّ اللامركزية في قطاع الطاقة وسيلة تحوّط استراتيجية ضد الفشل المركزي، إذ تمنع تحوّل أي عطل في مؤسسة كهرباء لبنان إلى عتمة شاملة. وتقدّم تجربة كهرباء زحلة نموذجاً ملهماً لإدارة محلية فعّالة وجباية منتظمة، وهو نموذج يمكن تعميمه على مدن مثل جبيل وعاليه وبحمدون من خلال منح امتيازات طويلة الأمد تتجاوز 20 عاماً، بما يضمن استقرار الاستثمارات وقابليتها للتمويل.
ويقتضي تطوير هذا النموذج إلزام شركات الامتياز بالاستثمار المنهجي في الطاقة المتجددة. فعلى سبيل المثال، تستطيع زحلة خفض فاتورة الوقود بما يصل إلى 13 مليون دولار سنوياً عبر إنشاء مزارع شمسية بقدرة 63 ميغاواط. وفي موازاة ذلك، تبرز الحاجة إلى اعتماد أنظمة "المايكروغريد" في المناطق النائية، من خلال شبكات محلية قائمة على الطاقة الشمسية والكهرومائية الصغيرة، مع تشريع واضح لنظام "القياس الصافي" وتفعيل التجارة الكهربائية بين الأقران (P2P). إن الانتقال نحو شبكة مترابطة من شركات التوزيع الصغيرة، المدعومة باتفاقيات شراء طاقة (PPA) مستقرة، يمثّل الضمانة الفعلية لتحويل الكهرباء من أزمة وطنية مزمنة إلى خدمة مستدامة ومتاحة للجميع.
الفاتورة الاستثمارية: من الاستنزاف إلى بناء الأصول
تُقدّر الاستثمارات المطلوبة للنهوض بقطاع الطاقة في لبنان بما بين 3 و5 مليارات دولار على مدى عشر سنوات، وهو رقم ضئيل إذا ما قورن بمبلغ 25 مليار دولار التي أهدرت على استيراد الوقود خلال 15 عاماً مضت دون جدوى. وتتوزّع هذه الكلفة لتشمل تأمين 2000 ميغاواط من الطاقة الشمسية بحلول 2035 بكلفة 2.2 مليار دولار، و600 ميغاواط من طاقة الرياح بكلفة 600 مليون دولار، إضافة إلى تطوير الطاقة المائية ومشاريع التخزين بالضخ بقدرة 600 ميغاواط بكلفة قد تصل إلى 1.4 مليار دولار. وبالتوازي، تبرز الحاجة إلى رصد نحو 1.5 مليار دولار لبناء محطتين غازيتين حديثتين، فضلاً عن 900 مليون دولار لتحديث الشبكة ونشر العدادات الذكية لمليوني مشترك.
ويمكن تمويل هذه الخطة عبر مزيج من القروض الدولية، وعقود الشراكة مع القطاع الخاص (PPP)، وسندات الاغتراب، إضافة إلى الصناديق الخضراء. إن الجدوى الاقتصادية لهذا التحول تكمن في توفير كلفة الوقود، إذ تبلغ كلفة الكيلوواط الساعي الشمسي نحو 6 سنتات مقابل 17 سنتاً للوقود التقليدي، ما يعني أن إعادة توجيه الوفورات الناتجة عن التخلي التدريجي عن دعم المحروقات كفيلة بتغطية خدمة الدين وتحويل القطاع من ثقب أسود في المال العام إلى استثمار وطني منتج.
خارطة الطريق نحو السيادة الطاقوية
يتطلب النهوض بقطاع الكهرباء جدولاً زمنياً يربط بين الإصلاحات البنيوية والاستثمارات التقنية، وفق المسارات الآتية:
-
المدى القصير (0–3 سنوات): مرحلة التأسيس والحلول العاجلة
تتركز الجهود في هذه المرحلة على فرض "أمن الشبكة" عبر مكافحة السرقات والجباية الصارمة، بالتوازي مع إطلاق بناء محطات الغاز الجديدة وتفعيل عقود شراء الطاقة (PPA) لمشاريع الرياح والشمس المعلّقة. كما سيتم البدء فوراً بنشر العدادات الذكية وتدريب الكوادر على نماذج "اللامركزية" المشابهة لتجربة زحلة، مع إقرار المراسيم التطبيقية لقانون الطاقة المتجددة اللامركزية (DRE) لتشريع التجارة الكهربائية بين الأقران. -
المدى المتوسط (3–7 سنوات): مرحلة التوسع والتحول النوعي
تهدف هذه المرحلة إلى إدخال نحو 2000 ميغاواط من الطاقة الشمسية و600 ميغاواط من طاقة الرياح إلى الشبكة، مع تحديث المنشآت الكهرومائية في الليطاني وإطلاق مشاريع "التخزين بالضخ". تقنياً، تكون البنية التحتية للعدادات الذكية قد دخلت حيّز التشغيل الوطني، مع توسيع نطاق "الامتيازات المحلية" ليشمل مناطق أوسع، وتعديل التعرفة تدريجياً لتغطية الكلفة الفعلية وضمان الاستدامة المالية. -
المدى الطويل (7–10 سنوات وما بعد): مرحلة الترسيخ والوفرة
تصل الخطة إلى ذروتها برفع حصة الطاقة المتجددة إلى 80 في المئة من إجمالي التوليد، مدعومة بمرافق التخزين بالضخ بقدرة تصل إلى 1100 ميغاواط. ومع تشغيل محطات الغاز بالكامل، ينخفض الاعتماد على الوقود التقليدي إلى حدّه الأدنى، لتتحقق التغذية المستمرة 24/7، وتتحول مؤسسة كهرباء لبنان إلى مشغّل ذكي لنظام النقل (TSO) يدير شبكة متوازنة.
إن تنفيذ هكذا خطة سيحوّل لبنان من بلد يرزح تحت العتمة والديون إلى نموذج عالمي يستثمر وفرة الشمس والرياح والمياه لتحقيق استقلال طاقوي كامل. إنها رحلة تتطلب إرادة سياسية جديّة والتزاماً بالإصلاح يوازي حجم الاستثمار، لتحويل قطاع الكهرباء من عبء تاريخي إلى محرّك للنمو، إذ يمكن حينها الحديث عن وزارة للذكاء الاصطناعي.
