دفع تردي واقع التعليم الحكومي في مدينة حلب، شمال سوريا، العديد من الأهالي لتسجيل أولادهم في المدارس الخاصة، بالرغم من التكاليف المالية المرتفعة، تقودهم الرغبة في حصول أبنائهم على جودة تعليم ومستقبل أفضل.
ويربط مختصون في الشأن التعليمي بسوريا بين تبعات الحرب وانعكاساتها على مختلف أشكال الخدمات في البلاد من تعليم وصحة وواقع معيشي. ويؤكدون أن تراجع الواقع التعليمي في سوريا هو نتيجة حتمية لأكثر من عقد من المعارك والقصف الذي طال المدارس وتسبب بهجرة المدرسين.
الاكتظاظ في الصفوف
في المقابل، تشكل الأقساط المرتفعة للمدارس الخاصة عبئاً ثقيلاً على كاهل معظم العائلات، في ظل تدهور الوضع المعيشي وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يدفع بعض الأهالي إلى الاستدانة أو العمل لساعات إضافية لتأمين نفقات التعليم، باعتباره أولوية لا يمكن التنازل عنها.
ويشير أهالي طلاب في حلب إلى أن المدارس الحكومية تعاني نقصاً حاداً في الكوادر التعليمية والتجهيزات الأساسية، إضافة إلى الاكتظاظ داخل الصفوف، الأمر الذي ينعكس سلباً على العملية التعليمية ومستوى التحصيل العلمي لدى الطلاب، مقارنة بما توفره المدارس الخاصة من عدد أقل من الطلاب في الصف الواحد، ومناهج إضافية، واهتمام أكبر باللغات والأنشطة.
وقال أحمد عتال، والد طالب في الصف الرابع، إن عدد الطلاب في صف ابنه تجاوز الأربعين مشيراً إلى أن ابنه اشتكى من عدم قدرة المدرسين على ضبط الصف وإعطاء المنهاج ما دفعه لنقله إلى مدرسة خاصة.
وأضاف عتال في حديث لـ"المدن"، أن الأقساط المدرسية للعام الدراسي الواحد تتجاوز ستة ملايين ليرة سورية، مشيراً إلى أنه مجبر على تأمين هذا المبلغ الباهظ، من أجل تعليم ابنه تعليماً صحيحاً كما يعتقد.
فقدان الثقة بالرسمي
من جهتها، تؤكد إدارات بعض المدارس الخاصة أن الإقبال المتزايد يعود إلى فقدان الثقة بالتعليم الحكومي، موضحة أن ارتفاع الأقساط مرتبط بزيادة تكاليف التشغيل ورواتب المعلمين وأسعار المستلزمات التعليمية.
ويرى منذر شعار، وهو أحد المشرفين التربويين في مدرسة خاصة، أن هناك إقبالاً واسعاً من الأهالي على تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة، في ظل ما تشهده المدارس الحكومية من تراجع واضح في مستوى التعليم، سواء من حيث نقص الكوادر التدريسية أو ضعف الإمكانات التعليمية والاكتظاظ الكبير داخل الصفوف.
ويضيف شعار لـ"المدن، أن المدارس الخاصة تحاول تعويض هذا النقص عبر تأمين بيئة تعليمية أكثر استقراراً، من خلال تقليل أعداد الطلاب في الصف الواحد، والالتزام بساعات تدريس كاملة، والاعتماد على معلمين مختصين متفرغين، إلى جانب التركيز على اللغات والأنشطة التعليمية والترفيهية للطلاب.
تعليم طبقي
ويحذر مختصون تربويون من اتساع الفجوة التعليمية بين أبناء الأسر القادرة مادياً وغير القادرة، معتبرين أن استمرار هذا الواقع دون حلول جذرية قد يكرس عدم تكافؤ الفرص التعليمية، ويترك آثاراً بعيدة المدى على المجتمع ومستقبل العملية التعليمية في سوريا.
ورأى الخبير التربوي الدكتور سامر العلي أن ازدياد الاعتماد على التعليم الخاص يعكس اختلالاً عميقاً في منظومة التعليم الحكومي، محذراً من أن استمرار هذا المسار دون تدخل فعلي قد يؤدي إلى تكريس تعليم طبقي في البلاد.
وأكد العلي في حديث لـ"المدن" أن معالجة هذا الخلل لا يمكن أن تقتصر على تحسين رواتب المعلمين، بل هي تتطلب خطة شاملة لإعادة تأهيل المدارس الحكومية، وتخفيف الاكتظاظ، واستعادة الكوادر التعليمية التي هجرت القطاع خلال سنوات الحرب.
