واقعة التعرّي بالأشرفية: الراقص وأصحاب المطعم بقبضة "الآداب"

نغم ربيعالجمعة 2026/01/02
Image-1767362324
تحولت الواقعة إلى مادة سجال سياسي حول لبنان الذي "لا يشبهنا ويريدون فرضه علينا" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في حادثة سرعان ما تجاوزت حدود السهرة الليلية لتتحوّل إلى قضيّة رأي عام، أعاد الفيديو المتداول من داخل مطعم "ليزا" في الأشرفية فتح نقاشٍ قديم-جديد في لبنان: نقاشٌ حول النظام العام، وحدود السلوك المقبول في الأماكن العامة، ومعنى "الحرّيات" في بلد يعيش أصلًا على وقع انقسامات عميقة في تعريف هويّته الاجتماعية والثقافية. 

 

قضائيًا، وبحسب المعطيات، خضع اليوم للتحقيق كل من صاحب مطعم “ليزا” ومديره، إضافة إلى الشخص الذي ظهر عاريًا داخل المكان، وذلك في إطار تحديد المسؤوليات القانونية المرتبطة بما حصل. بحسب مصدر أمني، أُبقي المدعو ر. د. موقوفًا، فيما أُخلي سبيل الآخرين. كما لن يتم إقفال المطعم، وسيُعاد استقبال روّاده.

 

 

متحول جنسياً يرقص عارياً

الفيديو، الذي انتشر على نطاق واسع خلال ساعات، يوثّق مشهداً غير مألوف من سهرة ليلة رأس السنة. زائرة داخل المطعم تبدأ بالرقص ببدلة رقص، قبل أن تُقدم على التعرّي الكامل أمام الحاضرين. لحظة صادمة داخل مكان عام، دفعت إحدى النساء إلى الاقتراب منها ومحاولة تغطيتها، في ردّة فعل عفوية عكست حجم الإرباك والذهول.

وبحسب المعلومات، فإن الشخص الذي ظهر في الفيديو لم يكن جزءًا من فريق الترفيه أو من منظّمي السهرة، بل حضر إلى المطعم كأي زبون آخر. وتشير المعطيات إلى أنه، فور دخوله، توجّه إلى الحمّام، ثم خرج مرتديًا بدلة رقص، قبل أن يتدرّج في تصرّفه وصولًا إلى خلع ملابسه بالكامل أثناء الرقص، من دون أي تنسيق مسبق أو علم من إدارة المكان.

لاحقًا، تبيّن أن الشخص هو شاب متحوّل جنسيًا، وقد خضع سابقًا لإجراءات طبية وجراحية مرتبطة بالتحوّل الجنسي. هذه المعلومة، بدل أن تُقفل النقاش، فتحت أبوابًا إضافية للجدل، ودفعت بالحادثة إلى مساحة أكثر حساسية، حيث اختلط القانوني بالهويّاتي، والسلوكي الفردي بالمجتمعي وبالسياسي، وتحوّلت الواقعة إلى مادة سجالية تتجاوز سياقه المباشر.

 

"ما بيشبهونا"

على مواقع التواصل الاجتماعي، انقسم الرأي العام. فريقٌ واسع اعتبر ما حصل تصرّفاً فاضحاً لا يمكن تبريره تحت أي عنوان، ولا يتوافق مع الأعراف المجتمعية في لبنان، حتى في الأماكن المخصّصة للسهر والترفيه. في المقابل، حاول آخرون قراءة الحادثة من زاوية "الحرّيات الفردية"، أو وضعها في سياق استفزاز مجتمع محافظ، أو حتى الدفاع عنها كخيار شخصي لا يحقّ لأحد مصادرته.

غير أن اللافت، وفق متابعين، هو التحوّل السريع للحادثة إلى مادة سياسية بامتياز. فمجرّد وقوعها في منطقة الأشرفية كان كافيًا لإعادة إنتاج خطاب مألوف حول "هذا لبنان الذي لا يشبهنا" في مقابل "لبنان الذي يريدون فرضه". هكذا، لم يعد النقاش محصوراً بالفعل نفسه، بل بالرمزية التي أُسقطت عليه، وبالصورة التي يُراد تعميمها عن المجتمع اللبناني، في لحظة توتر عام وانهيارات متراكمة.

 

وسط هذا السجال، برز سؤال أساسي غاب عن معظم النقاشات: أين تقف مسؤولية المكان؟ وأين تبدأ حدود التنظيم والأمن داخل فضاءات مفتوحة للجمهور؟ فالقانون اللبناني، بحسب مصدر في نقابة المطاعم، وإن كان يراعي خصوصية المطاعم والنوادي الليلية، لا يُسقط عنها مفهوم النظام العام والحشمة، ولا يمنحها حصانة كاملة لتحويلها إلى فضاءات خارجة عن أي ضوابط.

 

في المقابل، تشير مصادر مطّلعة إلى أن التحقيق مع أصحاب المطعم لا يركّز فقط على الفعل الفردي الذي حصل، بل يتوسّع ليشمل مدى التزام المؤسسات السياحية والترفيهية بضوابط الأمن والسلوك، خصوصًا في مناسبات مكتظة كليلة رأس السنة. ويُستعاد في هذا السياق نموذج أماكن أخرى، ككازينو لبنان في مراحل سابقة، حيث قُدّمت عروض فنية جريئة، لكنها بقيت ضمن حدود معيّنة، ولم تصل إلى التعري الكامل أمام جمهور عام.

 

في المحصّلة، ما جرى في مطعم "ليزا" لم يكن حادثة معزولة بقدر ما كان مرآة لتصدّعات أعمق في المجتمع اللبناني. حادثة كشفت هشاشة التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الانفتاح والفوضى، وبين الدفاع عن القيم والخوف من القمع. وبين التحقيقات الجارية والإقفال بالشمع الأحمر، يبقى السؤال الأوسع معلّقًا: من يرسم حدود السلوك في الفضاء العام؟ وأي دولة قادرة على فرض هذه الحدود من دون أن تتحوّل إلى طرف في انقسامٍ جديد؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث