يدخل النازحون السوريون في لبنان عاماً جديداً من المأساة المتكررة سنة بعد أخرى. وتتكرر مشاهد غرق خيامهم مع كل عاصفة.
لم تمرّ العاصفة الأخيرة، على النازحين السوريين في البقاع الشمالي مثل غيرهم، بل عادت مشاهد الألم والبؤس إلى المخيمات: خيم غارقة في الوحل، أغطية مبلّلة، أطفال يرتجفون من البرد، وليالٍ طويلة بلا تدفئة أو حماية. كأن العاصفة ليست حدثًا مناخيًا، بل إنذارًا قاسيًا، يُظهر الهشاشة التي يعيشها عشرات الآلاف من اللاجئين على هامش الجغرافيا والدولة.
في مخيمات تئن وجعا، وتكتب فصولًا جديدة في حكايات البؤس، من الفاكهة ورأس بعلبك إلى القاع والعين واللبوة وعرسال، تراجعت آمال اللاجئ السوري بالعودة إلى وطنٍ لم يشفَ بعد، الانتظارٌ ثقيل، والخِيَم لم تقوَ على صدّ أول عاصفة.
خيم مهترئة ومساعدات تتبخّر
مع الساعات الأولى لهطول الأمطار الغزيرة، تسربت المياه إلى الخيم. ووفق تقديرات ميدانية لناشطين محليين، طال الضرر مئات الخيم بنسب متفاوتة، بعضها بات غير صالح للسكن كليًا. عائلات اضطرت إلى رفع الفرش على الحجارة، وأخرى تكدّست في خيم أقاربها ريثما تتوقف العاصفة.
يقول عمران الزهوري، نازح من منطقة الضبعة يقيم في مشاريع القاع منذ عام 2015 "كنا نتلقى دعمًا من مفوضية الأمم المتحدة والجمعيات الإغاثية، عوازل، خيم، ومواد تدفئة. اليوم توقّف كل شيء. قالوا لا إمكانات".
ويضيف: "الخيمة لم تتحمّل ساعة مطر. الأرض تحوّلت إلى طين، والمياه دخلت علينا. حالنا يُرثى له. اعتدنا أن نُترك وحدنا.. لنا الله وحده".
أم خليل، من بلدة فليطة في القلمون السوري، تعيش مع زوجها (عامل مياوم) في غرفة متواضعة في عرسال، تقول: "لا أتوسّل ولا أستجدي. لم يأتِ أحد ليسأل عنا. الغرفة فاضت بالمياه، والأولاد مرضوا. قالوا لنا انتظروا التقييم. نحن دائمًا ننتظر، لكن هل ينتظر البرد والمرض؟".
بدوره، يناشد أبو شريف، رئيس مخيم الملعب، "الأمم وضمير العالم النظر إلى حال هؤلاء الناس برحمة وإنسانية، فلا يجوز تركهم عراة أمام ظروف الدهر".
هذه المشاهد تسلط الضوء على التراجع الحاد في التقديمات الإنسانية، بعدما قلّصت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، على مدى العامين الماضيين، المساعدات الإغاثية والبدلات النقدية والطبابة والتعليم. ويؤكد نازحون وناشطون محليون غياب أي تدخل طارئ فعلي خلال العاصفة الأخيرة، باستثناء اتصالات محدودة لم تُترجم مساعدات ملموسة. ويزيد المشهد قتامة إقفال المفوضية مكتبها الوحيد في البقاع أواخر أيلول الماضي، ما حرم آلاف العائلات من أي قناة مباشرة في لحظات الطوارئ.
أرقام ووعود لا تُسمِن
في الأشهر الأخيرة، انشغلت المفوضية ببرنامج "العودة الطوعية"، الذي أسفر، بحسب أرقامها، عن عودة أكثر من 378 ألف لاجئ من لبنان. وفي تعليق على تراجع التقديمات، قال مصدر في المفوضية لـ"المدن" إن "الضغوط المالية العالمية وتراجع التمويل الدولي انعكسا بشكل مباشر على حجم المساعدات المقدّمة للاجئين في لبنان"، مشيرًا إلى أن المفوضية "اضطرت إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على الفئات الأكثر ضعفًا ضمن الإمكانات المتاحة".
من جهته، يلفت المهندس عبدالكريم زعرور في اتحاد الجمعيات الإغاثية Urda إلى ضعف التمويل في السنة الأخيرة، مؤكدًا أن "الاتجاه هو للعمل داخل الأراضي السورية، إيمانًا منّا بأن البناء الفعلي يجب أن يبدأ هناك" ما يعني تقليص الخدمات الإغاثية للاجئ السوري في لبنان.
غير أن هذه التبريرات لا تبدّد قلق من بقي من النازحين، الذين يواجهون هذه المأساة. فقد كشفت العاصفة الأخيرة عن مفارقة قاسية: نازح عالق بين خيمة لا تحميه هنا، وبيت مهدّم هناك، فيما تتحوّل أرقام العودة إلى مادة سياسية وإعلامية أكثر منها مسارًا مستدامًا يراعي شروط الأمان وكرامة الإنسان.
مجتمع مضيف مُنهك
وبعيدًا عن المفوضية والدعم الدولي، لا يمكن تجاهل حقيقة أن المجتمع المضيف نفسه بات منهكًا. فالبقاع الشمالي، المهمّش تاريخيًا، يرزح تحت ضغط سكاني واقتصادي هائل، من دون أي دعم فعلي للبلديات أو للبنى التحتية. هذا الفراغ الرسمي يغذّي التوترات، ولا سيما الطائفية منها، وغالبًا ما تُترجم بخطاب عدائي يحمّل النازحين مسؤولية الانهيار، فيما تغيب الدولة عن إدارة الملف برمّته.
عودة لم تنضج وانتظار بلا أفق
سياسيًا، يُفترض بالتحولات التي شهدتها سوريا أن تفتح باب العودة. لكن حتى الآن، لم تكتمل مقوماتها. فالمنازل المدمّرة، وغياب الخدمات الأساسية، وضعف فرص العمل، والمخاوف الأمنية، تعقّد سبل العودة خصوصًا للعائلات الأكثر فقرًا. ومع ذلك، يصرّ الخطاب الرسمي اللبناني على تسويق العودة كحلّ جاهز، من دون خريطة طريق واضحة أو تنسيق فعلي بين لبنان وسوريا.
بعد العاصفة، سيجفّ الوحل جزئيًا، لكن الأسئلة ستبقى معلّقة. لا خطة واقعية للعودة، ولا اندماج ممكن في بلدٍ ينهار، ولا مظلّة حماية إنسانية كافية. بين وطنٍ لم يصبح آمنًا بعد، وبلدٍ لم يعد قادرًا على الاحتمال، يواصل اللاجئون السوريون في البقاع الشمالي العيش على الهامش.
وإلى حين طرح حلول جدّية، إقليمية ودولية، لن تكون العواصف مجرّد أحداث مناخية، بل اختبارات دورية للفشل السياسي والإنساني، وتأكيدًا جديدًا على أن الخيمة، مهما رُمّمت، لا يمكن أن تكون وطنًا يصنع مستقبلًا للإنسان.
