ثمة بارقة أمل في أن يحدّث لبنان قانون الصيد المائي وتربية الأسماك للحفاظ على الثروة البحرية. فلبنان يعتمد على قانون غير محدّث عمره 100 عام، يعود إلى العام 1929 في زمن الانتداب الفرنسي، ولا يواكب المتطلبات الحديثة، ولا يتماشى مع المعايير الدولية.
جرت في السابق محاولة لتطوير القانون، لكنه نام في أدراج الوزارات المتعاقبة. وبعد مسار تشريعي طويل انطلق منذ العام 2012، خضع خلاله القانون لسلسلة من المناقشات والتعديلات المتتالية، أقرّته اللّجان النيابية المشتركة أخيراً. ورُفع إلى الهيئة العامة، ليبحث ويقرّ في الجلسات التشريعية المقبلة. وهذه ستكون خطوة تشريعية مفصلية تهدف إلى تنظيم هذا القطاع الحيوي وتعزيز مساهمته في القطاعين الزراعي والغذائي ودعم الاقتصاد الوطني بصورة مستدامة. فأهمية هذا القانون تكمن في تنظيم قطاع الصيد، الذي يعدّ مصدر رزق لمئات العائلات، وتحديث أطره القانونية بما يتناسب والتحوّلات البيئية والديموغرافية التي شهدها الساحل اللبناني.
تحسين الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي
يتمتع لبنان بساحل بحري غني وموقع استراتيجي على البحر المتوسط. لكن مخزونه السمكي يضيع نتيجة تفلت هذا قطاع الصيد وغياب التنظيم. ولبنان ما زال من الدول القليلة في المنطقة التي تفتقر إلى تربية الأحياء المائية البحرية عبر الأقفاص العائمة. هذه التقنية معتمدة عالميًا، وتسهم في زيادة الإنتاج السمكي، وتعزيز الأمن الغذائي، وخلق فرص عمل جديدة، وتحقيق مداخيل إضافية للدولة ضمن إطار بيئي مستدام.
في هذا السياق يشرح وزير الزراعة نزار هاني، في حديث إلى "المدن"، أهمية هذا القانون، اذ يُشكّل إقراره نقطة تحوّل أساسية في إدارة الموارد البحرية وتنمية الإقتصاد الأزرق ودعم المجتمعات الساحلية، بما ينسجم مع التزامات لبنان الدولية في مجال حماية البيئة البحرية والاستخدام المستدام للموارد الطبيعية.
ويلفت إلى "أن لبنان ينتج حالياً ما بين 2 و3 آلاف طن من الأسماك البحرية والنهرية سنوياً، ويستورد نحو 13 ألف طن. وهو البلد الأخير على ساحل المتوسط الذي لم يُدخل الاستزراع السمكي".
ويضيف: "من شأن هذا القانون المساهمة في رفع مستوى الإنتاج المحلي، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني، وتقليص فاتورة الاستيراد، بما يدعم الاقتصاد اللبناني ويؤمّن استدامة القطاع على المدى الطويل".
ويأمل في أنّه "مع بداية العام 2026، وبعد دخول القانون حيّز التنفيذ، ستباشر وزارة الزراعة، بالتعاون مع منظمة الفاو والجيش اللبناني، بتنفيذ تجربة نموذجية لإقامة قفص عائم في البحر بكلفة محدودة، بالاستفادة من التجربة التونسية الناجحة في هذا المجال، تمهيداً لتعميم النموذج لاحقاً ".
الفلتان والصيد الطائش
شهد قطاع الصيد البحري على مرّ السنين انفلاتاً واسعاً نتيجة غياب تطبيق القوانين والأنظمة. يستخدم صيادو غالبيّة المدن والبلدات الساحليّة في لبنان الديناميت في الصيد، ما يلحق ضررًا كبيرًا بالبيئة، وبالثروة السمكيّة، وحتّى بحياة الناس والصيّادين. وما يزيد من حجم هذه الجريمة البيئيّة، أنّ عددًا كبيرًا من الأسماك التي يتمّ اصطيادها غير صالحة للأكل. وقد سُطّرت محاضر ضبط كثيرة في حقّ المخالفين وتراكمت المخالفات. لكن سرعان ما يفلت المخالفون من العقاب، ويعودون إلى الصيد بالطريقة المخالفة عينها.
تنظيم قطاع الصيد
القانون الجديد لن يكون متساهلاً، ويمنع الصيد بالمتفجرات والسموم والمخدرات، وسيكون متشدّداً في العقوبات. ولا يقتصر القانون على تنظيم الصيد البحري، بل يمتد إلى ملفات أوسع، مثل تحديد أماكن الصيد، وإمكان إنشاء محميّات بحرية على امتداد الشاطئ. كما يؤمّن إطاراً تنظيمياً واضحاً، يهدف إلى تنظيم تربية الأحياء المائية في الأنهر والبرك والمياه البحرية وتطويرها، وحماية التنوع البيولوجي البحري، وضمان استدامة الموارد الطبيعية، وتحديث أنظمة الصيد المائي وفق توصيات الهيئة العامة لصيد أسماك البحر المتوسط (GFCM) التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).
في هذا الإطار، يشير مدير التنمية الريفية والثروات الطبيعية في وزارة الزراعة الدكتور شادي مهنا إلى تعديلات طرأت على غرامات المخالفات. فقد جرى رفع قيمتها تماشياً مع تدهور العملة. هذا فضلاً عن عقوبة منع الصيّاد من الصيد لمدة سنتين. ويفنّد القانون أنواع المخالفات على أن يقرّر القاضي العقوبات المناسبة.
ويلفت مهنا إلى أن موجبات الصيد تفرض أن تحمل المراكب اسماً واضحاً، وتكون عدّة الصيد موسومة باسم المالك والمركب. ويمنع اقتراب المراكب إلى مسافة 500 متر من الشاطئ للصيد. ويسمح في هذه المنطقة الصيد بالصنّارة حصراً.
ويضيف أن "فتحة الشباك لها مقاسات معينة. وأي شباك تضيق عن المقاسات القانونية تعتبر مخالفة. وفي ما يتعلق بالصيد بالبندقية، فمسموح على النَفَس حصراً، من دون استخدام الأوكسيجين تحت الماء، وهو مقرون بالحصول على رخصة للبندقية. أما الغوص فله رخص خاصة. وبكل الأحوال يمنع استعمال الرخصتين معاً.
كيفية تطبيق القانون
ووفق مهنا، جرى تعديل اسم القانون إلى "قانون الصيد وتربية الأحياء المائية" بما يمهّد لإدخال الاستزراع السمكي aqua culture أي إنشاء مزارع لتربية الأسماك النهرية والبحرية في أقفاص، تكون مقوننة وبحاجة إلى رخصة. وكذلك أضيفت إلى القانون الجديد صلاحيات للوزير وللفرق الفنية في تعديل النصوص، في حال استدعت الحاجة، آخذين بالاعتبار موضوع التغيّر المناخي وتأثيره على نوع معيّن من السمك. وحينها يمنع صيده بقرار من الوزير.
ولكن، هل القانون كافٍ لردع المخالفات؟
يجيب مهنا أنّ القانون الجديد هو قيمة مضافة ودعم زائد لتطبيق حماية الثروة السمكية. لكنّ النص القانوني إذا لم يطبّق على الأرض يبقى حبراً على ورق. لذلك تعوّل الوزارة على عمل الحراس لضبط المخالفات، لا سيما ان الوزارة أدخلت حوالى 90 حارساً جديداً حتّى يساعدوا في تطبيق القانون. لكن الوزارة في حاجة إلى دعم القوى الأمنية لضبط المخالفين، خصوصاً في حالة استعمال المتفجرات وغيرها من الأساليب غير المشروعة.
تخوّف الصيادين
يتخوّف الصيّادون من تأثير هذا القانون على عملهم، لا سيما أنّه وضع شروطاً قاسية للصيد. فحماية الثروة السمكية ضرورية، لكنّ لا يمكن أن تأتي على حساب قطاعهم. في المقابل، يأمل القيّمون على القانون أن يؤثّر إيجاباً على الصيادين، اذ سيكون لهم دور مهمّ وأساسيّ، خصوصاً في موضوع تربية الأحياء البحرية. ويؤكّدون أنّ الأولوية في التشغيل وفي التوظيف ستكون لهؤلاء الصيّادين، لأنّهم ذوو خبرة في البحر، ومعرفتهم مهمّة في المجال، ويمكن الإستفادة منها.
