في كلّ مرّةٍ يموت فيها نزيلٌ آخر في السّجون اللّبنانيّة، وفي كلّ مرّةٍ يقف فيها أهالي السّجناء مُروّعين من هول المصائب الّتي تنهال على رؤوسهم، يتكشّف فصلٌ جديدٌ من انحلال مؤسّسات الدّولة الموغلة بالانهيار.
اليوم توفّي السّجين الفلسطينيّ حمزة بلباسي، وقد سبقه في هذا الشّهر وحده خمسةٌ آخرون (فيما سجل في العام 2025 وفاة 44 سجينًا على أقلّ تقدير)، ومهما تعدّدت المسوّغات والأسباب، يبقى أنّ الدّولة لا تزال عاجزةً، حتّى اللّحظة، عن حماية من في عهدتها، والأسوأ إنقاذ حياتهم من موتٍ مؤكّدٍ وماحقٍ ناجمٍ عن أهزل الأسباب. ولعلّ واقع السّجون في لبنان، وما يكتنفه من شرخٍ حادّ بين أسلوب تعاطي الجهات المولجة بتنظيمه، من قضاءٍ وأمنٍ، وبين مفاهيم العدالة والحقوق الإنسانيّة التي ينصّ عليها الدستور اللّبنانيّ والتشريعات الدّوليّة، هو خير مثالٍ لهذا التخاذل والتقاعس التاريخيّين.
وفاة سجينٍ في رومية.. مجدّدًا
توفّي سجينٌ، اليوم، داخل سجن رومية المركزيّ، وأفادت معلومات "المدن" بأنّ الوفاة حصلت نتيجة مضاعفاتٍ مرضيّة. وبحسب المعطيات نفسها، وقعت الوفاة في النّظّارة عينها التي توفّي فيها قبل أيّام السجين "م. ح."، الذي قضى إثر إصابته بمرض السّلّ، وسط مخاوف من ظهور أعراض المرض على نحو 20 حالة أخرى داخل السجن.
وفي شهادةٍ من داخل رومية، قال أحد السجناء لـ"المدن" إنّ "الوضع خطير، ونتمنّى من وسائل الإعلام الاهتمام بهذا الموضوع بسرعة، نناشد المعنيّين والجمعيّات الحقوقيّة والإنسانيّة التدخّل، وأن تأتي لجنةٌ طبّيةٌ للكشف على السجناء قبل وقوع كارثةٍ طبّية، وقبل أن ينتشر وباء السّلّ في سجن رومية وخارجه، اليوم، في مبنى الأحداث، يوجد أكثر من عشرين حالة، وبعضهم في مرحلةٍ متقدّمة".
ويضيف السجين أنّ وفاة محمود الحكيم قبل أسبوعٍ بمرض السّلّ، ثم وفاة حمزة بلباسي اليوم في النّظّارة نفسها، "مؤشّرٌ على انتشار المرض"، لافتًا إلى أنّ الاختلاط اليوميّ بين السجناء، وكذلك بين العناصر العسكريّة، ثم انتقالهم إلى مبانٍ أخرى أو إلى سجونٍ أخرى، يرفع منسوب القلق من اتّساع دائرة العدوى.
من جهتها، تقول العضو في لجنة أهالي السجناء والناشطة الإعلاميّة رائدة الصلح لـ"المدن" إنّ "واقع السجون اليوم معاناةٌ تتزايد، وعدد الوفيات يتزايد، ولا حلول". وتضيف أنّ "هذا الشهر توفّي خمسة سجناء، ولم يصدر أيّ بيانٍ يوضّح أسباب الوفاة، وهذه السنة تختتم بوفاة سجينٍ ليصل العدد إلى 44 وفاةً خلال عام 2025".
وتعتبر الصلح أنّ وفاة السجين حمزة بلباسي في النّظّارة نفسها التي توفّي فيها السجين محمود الحكيم قبل أيّام، تطرح تساؤلاتٍ جدّيةً حول انتشار عدوى مرضيّة، في ظلّ الحديث عن وجود حالات سلّ في النّظّارة نفسها، وفق ما كانت قد نشرته لجنة أهالي السجناء.
وبحسب الصلح، فإن أزمة السجون "تحتاج حلولًا عمليّةً وتطبيق قانونٍ ينهي معاناة الأهالي والسجناء، ويخفّف العبء عن الدولة وأجهزتها الأمنيّة والقضائيّة"، في ظلّ العجز المادّي، ونقص عدد القضاة، ومشاكل سوق السجناء، وتأخير المحاكمات، ونقص الرعاية الطبيّة، وعدم توفّر الغذاء والدواء، والاكتظاظ الذي تقول إنّه بلغ 300 في المئة في سجن رومية، مع وصول عدد الموقوفين إلى أكثر من 6000، بعضهم من دون محاكمات منذ أكثر من 12 سنةً فعليّة، ما يعادل 16 سنةً سجنيّة، فيما تتجاوز نسبة الموقوفين غير المحكومين 80 في المئة من مجمل سجناء لبنان، وفق تعبيرها.
وتضيف، "تتعدّد أسباب الوفيات في السّجون. وكما هو معلومٌ طبّيًّا، فإنّ البيئة المحيطة بالمريض وظروف العناية الصحيحة وتأمين الاستشفاء اللازم هي أهمّ أسباب تعافي المريض. وكلّ ما سبق غير موجود، بل نقيضه التامّ هو السائد في سجون لبنان. العدوى الجلديّة وغيرها من الأمراض المعدية تنتشر بين السجناء. والسبب واضح، الاكتظاظ وعدم توفّر الرعاية الصحيّة اللازمة. والعنوان العام هو الإهمال الطبّي، قبل المرض وبعده. فلا وجود لظروفٍ صحيّةٍ تؤمّن الوقاية اللازمة من انتشارها، من رعايةٍ واهتمامٍ بالنظافة والفحص الدّوريّ للسجناء وتأمين ما يلزم".
وتستطرد الصلح، "ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الضغط النفسيّ والضيق الشديد تسبّبا لعددٍ من السجناء بأزماتٍ قلبيّةٍ وأمراضٍ نفسيّةٍ حادّة. ومنهم من انتحر نتيجة ذلك، وأنهى هذه المعاناة بنفسه. والسبب الرئيس لذلك الإهمال القانونيّ والتأخّر في المحاكمات لسنوات. فهل يعقل أن يكون عددٌ من السجناء موقوفين في ملفٍّ ما يقارب 10 سنواتٍ كاملةً من دون محاكمةٍ ومن دون لائحة اتهامٍ تحدّد واقعهم الجرمي؟ والحلول العمليّة إمّا وقتيّة، كاقتراح السّنة السّجنيّة وتخفيضها من 9 إلى 6 أشهر، والتحديد المنصف للإعدام والمؤبّد، وألّا يحصل ظلمٌ جديدٌ لهم، وكذلك إنهاء التوقيف الاحتياطيّ بقرارٍ يستند إلى المادة 108. لذلك، الحلّ اليوم ليس عند القضاء، إنما عند مجلس الوزراء وعند مجلس النواب. والتأخّر بالحل يزيد الأزمة يومًا بعد يوم".
الاكتظاظ أصل المشكلة
في المقابل، يربط مصدرٌ أمنيٌّ في سجن رومية، في حديثه إلى "المدن"، أصل المشكلات بصورةٍ مباشرة بواقع الاكتظاظ الحادّ، الذي ألقى أعباءً إضافيّة على كاهل المؤسّسة الأمنيّة، إذ إنّ سجن رومية وحده بات يضمّ اليوم نحو 4200 محكومٍ وموقوف، في حين أنّ قدرته الاستيعابيّة لا تتعدّى 1500 سجين، وذكر أنّ نحو 80 في المئة من الموقوفين اليوم غير محكومين، وبعضهم تجاوزت مدّة توقيفهم قيد التحقيق خمس سنوات، فيما تضمّ السجون كافّةً نحو عشرة آلاف نزيل. ولم يؤكّد المصدر أي معلومات حول تواجد أوبئة داخل السجن.
إن كان هذا الملفّ تحديدًا محطّ جدلٍ اجتماعيٍّ وأخلاقيٍّ وعرضةً للتجاذبات السياسيّة والتحامل الاجتماعيّ، فإنّ غالبيّة الجدالات فيه تنصبّ دائمًا على كواهل الموقوفين وذويهم، الذين يحاصرون بنظرةٍ دونيّةٍ ولومٍ مستمرٍّ وفجّ، من دون التركيز على إيجاد وسائل للحدّ من ارتداداته أو حتّى لاستباقها.
ليصير هاجس موت السجناء يتربّص بذويهم، فبعد وفاة 44 سجينًا خلال العام المنصرم، يتكرّر مسلسل الوفيات ويستفحل في الزنازين مع بدء تسارع وتيرة عددٍ من الأمراض والأوبئة في لبنان، مع تداول معلوماتٍ متضاربة عن سبب هذه الوفيات وملابساتها، والتي رجّحت إصاباتٍ بمرض السّلّ، والتهاباتٍ جلديّة، وبسبب تأخّر المساعدة الطبيّة والعلاجيّة وإهمال استغاثاتهم، حسب الرواية التي نقلها بعض السجناء والعناصر المناوبين "للمدن".
