لم يشف من جراح انفجار المرفأ.. متروك يتكفّل علاجه بنفسه

نغم ربيعالجمعة 2025/12/26
Image-1766662010
تعرض لإصابات بالغة ما زالت آثارها مطبوعة في مختلف انحاء جسده (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد ستّ سنوات على انفجار الرابع من آب، لا يعود الحدث مجرّد ذكرى سنويّة تُستعاد بالشموع والصور. يتحوّل إلى ما يشبه المرض المزمن: ألم طويل الأمد، أجساد لم تشف جروحها بعد، وحياة عالقة بين عمليّة وأخرى، وبين أمل مؤجّل وخوف دائم.

 

ندخل السنة السادسة على واحدة من أكبر الكوارث غير النوويّة في التاريخ الحديث، فيما أرقامها لا تزال شاهدة: 218 قتيلًا، وأكثر من 7000 جريحاً. لكن ما لا يُحصى هو عدد الذين ما زالوا يعيشون داخل الانفجار، لا خارجه.

 

حين تهدأ الضوضاء… تبدأ القصص الثقيلة

في السنوات الأولى، كان الجرح طازجًا، والقصص صادمة، والكاميرات حاضرة. اليوم، بعدما خفّ الضوء، تبدأ المعاناة "الطويلة الأمد" بالظهور: مضاعفات صحيّة متأخّرة، زراعات ترفضها الأجساد، عمليات تُستأنف بعد سنوات، وكلفة لا يستطيع كثيرون على تحمّلها.

هنا، لا يعود السؤال عن لحظة الانفجار نفسها، بل عمّا فعله بالجسد بعد ذلك، وعن الزمن الذي تسرّب من بين أصابع المصابين، وهم ينتظرون شفاءً لا يأتي كاملًا.


جسد معلّق بين المشي والبتر

سالم بكري واحد من هؤلاء الذين لم يشفوا من الرابع من آب. يوم الانفجار، كان على دراجته الناريّة قرب المرفأ. في لحظة واحدة، انتقل من حياته العاديّة إلى غيبوبة طويلة. حين استيقظ، بقي فاقداً ذاكرته لأشهر. خضع لسلسلة عمليات، ولم ينتهِ مشوار علاجه بعد. 

اليوم، يحاول بكري جمع كلفة عمليّة جديدة، على أمل أن يتمكّن من المشي ولا يضطر إلى بتر رجله اليسرى. فقد تعرّض لإصابات بالغة ما زالت آثارها مطبوعة في مختلف أنحاء جسده. وكانت نتيجتها اضطرار الأطباء إلى تقصير رجله بنحو تسعة سنتمترات. وما زال بحاجة إلى عمليات إضافية. ويناشد الخيّرين عبر "المدن": "أطلب من الناس مساعدتي. ما زال لدي عمليّتان. هذه رجل وليست إصبعاً". (للتبرّع له انقر هنا على رابط جمع التبرعات

جملة قصيرة، لكنها تختصر مأساة كاملة: جسد معلّق بين احتمالين، ونظام صحي يترك المصاب وحيدًا في مواجهة الكلفة والوجع والانتظار.

 

حين يعيد الجسد نكأ الجرح

في مكان آخر، وبظروف مختلفة، تعيش بشرى صعب الوجه الآخر للمعاناة نفسها. تقول إنّها "محظوظة" ماديًا لأنها تعيش في ألمانيا، حيث تتكفّل الدولة بتغطية تكاليف العلاج. لكن هذا الامتياز لا يلغي الألم، ولا يمنع الجسد من إعادة فتح الجرح بعد سنوات.

"فجأةً طلع لي خرّاج في نيرتي. وعند الطبيب تبيّن أنّ المشكلة في الغرزة الموجودة داخل النيرة، تلك التي وُضعت بعد إصابتي في الانفجار"، تقول بشرى صعب.

تُحال بعدها إلى طبيب مختص، ليأتي القرار قاسياً وواضحاً: إزالة كل الغرزات. قرار يعني، عمليًا، العودة إلى نقطة الصفر. تشرح صعب: "عدت إلى الدوّامة عينها من جديد. عمليات إضافيّة. وكل جلسات علاج بالليزر التي أجريتها ذهبت هباءً. وعدت إلى حال الانتظار الطويل مرّة أخرى".

لم يكن الجسد قد أنهى معركته مع الجراح بعد منذ خمس سنوات، وأتت عمليات إزالة الغرزات صعبة جداً، كأنّ الانفجار قرّر أن يترك أثره، وبقسوة أكبر.

 

جرح بلا عدالة… وذاكرة تتعب

تقول بشرى "أنا ممتنّة أنني لا أتحمل أي تكاليف مادية، الدولة تغطي كل شيء. هذا الفرق بين الناس في لبنان وهنا". الجملة تكشف الفجوة الفاضحة بين من أُصيبوا في المكان نفسه، لكنهم وُضعوا في مسارات مختلفة تمامًا.في لبنان، كثيرون أجّلوا عملياتهم لعدم توفّر المال. آخرون خضعوا لعمليات جزئيّة، أو يعيشون اليوم بأعضاء اصطناعية عادت لتسبب بعد سنوات التهابات ومضاعفات جديدة. الانفجار لم ينتهِ في الرابع من آب، بل تمدّد داخل الأجساد.

 

في بلدٍ بلا محاسبة، تتحوّل المعاناة إلى عبء صحيّ واجتماعيّ في آن معاً. الجريح لا يواجه الألم وحده، بل يواجه ما هو أقسى: النسيان. دعمٌ يظهر في المواسم ثم يختفي، تضامنٌ يتآكل مع مرور الوقت، وعدالة معلّقة منذ ستّ سنوات، كأنّها وعدٌ مؤجَّل إلى أجلٍ غير مسمّى. بعد أن انطفأت الكاميرات وخفَتَ الضجيج، بقيت الأجساد وحدها في المشهد، تحاول أن تُكمل حياتها بما تبقّى منها.

خمس سنوات لم تكن كافية ليهدأ الجسد أو تُقفل جراحه، لكنّها كانت كافية ليُغلق الملف، ويُطوى الألم إداريًا، في بلدٍ مثل لبنان.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث