الموظفون في السويداء باتوا مسكونين بهم الانتصار على طابورٍ حاشدٍ يلجؤون إليه كل صباح. يقفون أمام مكتب شركة الهرم للحوالات المالية بغية استلام رواتبهم المتأخرة منذ أشهر، بواسطة تطبيق شام كاش، أو بواسطة بطاقات الصرّاف الآلي التابعة للمصرف العقاري. ويشكو الموظف المتقاعد سمير بكفاني من الازدحام الشديد عند أبواب شركة الهرم، وهي إحدى المنافذ المعتمدة للتعامل مع تطبيق شام كاش، حيث تحوّل الحكومة السورية جزءاً من الرواتب إليه. وأكد لـ"المدن" أنه لم يتمكن من استلام راتبه بعد، بسبب الازدحام، رغم أنه يواظب على المجيء باكراً، ومنذ ثلاثة أيام.
مشقّة الانتظار
إلى بكفاني، قسمٌ من الموظفين لم يستلم راتبه منذ أشهر، وأكد المحامي حسين كنعان أن رواتب القضاة لم تُصرف منذ ثلاثة أشهر، هذا فيما ذكرت سميرة عزام، موظفة في مديرية التربية، أن رواتب شهر أكتوبر/ تشرين الأول صُرفت لهم منذ أيام قليلة.
أغلب الموظفين والمتقاعدين يتكبدون مشقّة المجيء كل يوم، والانتظار لساعات طويلة على أمل الحصول على تلك الأوراق النقدية القليلة والضرورية لبقائهم أحياءً، في ظل استمرار التمسّك بخطابٍ فئوي مناطقي معادٍ لدمشق وحكومتها.
ويستطيع الشيخ حكمت الهجري أكثرَ من غيره استحضار المزيد من الكلام السام، الاستفزازي للسلطة الانتقالية في سوريا، ولعموم السوريين في آن. فعل هذا مجدداً حين ظهر في كلمةٍ مصوّرة بُثّت بتاريخ 15 ديسمبر/ كانون الأول، وألغى هذه المرّة رمزية لون حجارة البازلت الأسود، مغيّراً إياه إلى اللون الأزرق. وذكرَ حرفياً: "دماؤنا ودماء أهلنا وأجدادنا مجبولة بتراب باشان، ومتجذّرة في صخره الأزرق الراسخ المتين".
التخلص من البعد العربي
يحاول الهجري جاهداً العبث بتاريخ المكان ومدلولاته، بتغيير لون حجاراته، وجعلها تحاكي اللون الأزرق، لون العلم الإسرائيلي، تارةً، وتارةً أخرى بتغيير الاسم من جبل العرب أو جبل حوران، إلى جبل باشان، تلك التسمية التي وردت 60 مرة في التوراة، في مواضع عديدة من سفر التثنية، وسفر يشوع. ويريد الهجري من وراء ذلك التخلّص من البعد العربي والإسلامي للمكان. حتى إنه اعتبر المسيحيين فقط هم جزءٌ إضافي من التركيبة الإثنية الجديدة للمكان المستولد من أسطورة توراتية وفق تصوراته. ذكر هذا حين وجّه تحية للمسيحيين فقط، وقال إنهم صامدون معنا، وتساءل: وكيف لا؟! وهم أبناء باشان!
بدورها، اعتذرت كنيسة الاتحاد المسيحي الإنجيلية (الراعي الصالح) في السويداء، يوم 18 ديسمبر/ كانون الأول عن استقبال المعايدات بمناسبة عيد الميلاد ورأس السنة، احترماً لدماء الشهداء، واقتصرت الفعاليات على إقامة الصلوات.
رؤية الهجري تعيد توصيف واختيار التركيبة السكانية المناسبة للمكان الجديد المتخيّل، بعد استرداده ونزعه من سياقه السوري، إذ تقوم فقط على الدروز والمسيحيين، وتستثني المسلمين. فالباشانيون وفق مخيّلة الهجري هم الدروز والمسيحيين الذين يقطنون محافظة السويداء جنوب سوريا.
السويداء قاتمة وشاحبة
وتتكدس تلك المقولات داخل خطاب الهجري. ويطالب من خلال حديثه بضرورة الإيمان بمن يحمل مسؤولية القيادة، أي الإيمان به كقائد. ووصفَ المناهضين لخطابه بأنهم متخاذلين وحاولوا كسر أهلهم، وبأنهم من ذوي النفوس الضعيفة، وبأنهم غير جديرين بالانتماء لباشان وأهله، ثم شكر كالعادة إسرائيل حكومةً وشعباً.
لا يغادر الهذيان بالباشان واقعياً حدود الفكرة الثأرية الانفعالية من اعتداءات يوليو/ تموز على الدروز، والتي وصفها الهجري بفجائع تموز الأسود، أما وقوعها فقد كان ضرورياً للبحث عن إرث معرفي جديد يعيد تعريف المكان ومكوناته، وربطه وجودياً بإسرائيل، من خلال التنكّر لحقيقة ارتباطه بمحيطه العربي والإسلامي.
ستبدو السويداء في آخر العام الحالي قاتمةً أكثر من أي وقتٍ مضى، شاحبةً ومكتئبة، لن تُضاء فيها أشجار الميلاد، ولن يحتفل ناسها بالسنة الجديدة، كلُّ هذا بات حراماً، وسلوكاً مشيناً، وغير باشانيّ. وعلى الأحياء فيها أن يتشبثوا بصور الأموات، ويبقون إلى جوارها ينتظرون أن تقدّم لهم حكومة دمشق الخدمات الأساسية، وألا تتأخر بصرف رواتب الموظفين الشهرية.
