أزيز الطائرات يعكر ميلاد القرى الحدودية..والخوف من المجهول

لارا الهاشمالأربعاء 2025/12/24
Image-1766567506
يصر المسيحيون على الاحتفال ولن يمحو العدوان الاسرائيلي حضارة عمرها مئات السنوات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

وأنت تسير بين قرى الشريط الحدودي، لا يفارقك أزيز طائرات الاستطلاع الإسرائيلية. وعندما تلتقي سكان هذه القرى تلمس أحاسيس مختلطة بين الخوف من المجهول والتأقلم مع واقع مريرٍ تُقرع فيه طبول الحرب بين الحين والآخر.

في تلك القرى يحلّ عيد الميلاد حزيناً، أو أقله ممزوجاً بغصّة، مهما حاول الأهالي وفعاليات البلدات تخطّي الصعاب وزرع البهجة في بيوتها.

الخيام تحيي الميلاد فوق الركام

بين القرى الحدودية تجد نموذجاً عن التعايش بين المسلمين والمسيحيين تجسّده بلدة الخيام، التي كانت بمثابة قلعة لحزب الله، ما كبدها خلال الحرب خسائر ضخمة في الحجر والبشر. في تلك البلدة ذات الأغلبية المسلمة بادر شبان شيعة من "نهضة الخيام" إلى تنظيم سهرة ميلادية ليل الأحد اتسمت بأجواء من الفرح، حيث حضر بابا نويل ووزّعت المأكولات الشتوية على المشاركين في إحدى ساحات البلدة. ما يعرف بساحة البركة، زيّن بشجرة الميلاد بمبادرة من البلدية وكذلك محيط كنيسة مار أنطونيوس للموارنة، فيما تولت الرعية تزيين المغارة. 

بين ركام المنازل ودور العبادة وذكرى الشهداء والمفقودين  يحاول أبناء الخيام التغلّب على الحزن ولوعة التهجير والاستخراج من الضعف قوة. يجتمع هؤلاء بمختلف طوائفهم حول بلدتهم المنكوبة، يتحدّون الدمار والقتل والتشريد ويتمسكون بنموذج التعايش. 

 

يخبرك العم مهيب فرحات، ابن 88 عاماً، أن الخيام لم تشهد يوماً ضربة كف أو تلاسن طائفي. هو إبن البلدة وعضو المجلس البلدي منذ العام 2010 الذي طال منزله، الواقع قرب كنيسة مار انطونيوس، دماراً كبيراً. لكنه في حديثه لـ"المدن" يؤكد أنه لم يغادر الخيام في كل الحروب ولن يغادرها. في المقابل يروي عن عودة خجولة جدّاً للمسيحيين لا تتجاوز الأربع عائلات من أصل 32 تقريباً كانوا يقطنون البلدة قبل الحرب. فغالبية المنازل دمّرت وظروف الحياة في الخيام باتت صعبة نتيجة الدمار الكبير الذي حلّ بالبلدة. 

 

رغم صعوبة الظروف تصر الرعية على زرع الرجاء في قلوب المؤمنين ومن هنا ستحتفل كنيسة مار أنطونيوس بقداس الميلاد يوم الخميس المقبل عند الواحدة من بعد الظهر إفساحاً في المجال أمام المؤمنين القادمين من مناطق بعيدة بالمشاركة في القداس الاحتفالي. هناك سيحتفل المصلّون تحت قبة القرميد المحطّم نتيجة القصف الإسرائيلي وعلى بعد أمتار قليلة منهم سيرون ركام القنطش الذي جرفته الآليات الإسرائيلية. 

Image-1766566978

فأياً يكن، لن يمحو العدوان الإسرائيلي حضارة عمرها مئات السنوات ولن يقوى التهجير على محو بيئة لطالما تميزت بتنوّعها. فالخيام ذات الغابية الشيعية، تختزن تاريخاً مسيحياً يتمثّل في حي الكنائس الواقع شرقي البلدة والذي يضم أربع كنائس هي مار أنطونيوس ومار الياس للروم الأورثوذكس وكنيسة الإنجيليين المشيخيين التي تضررت جميعها نتيجة القصف لكن بشكل متفاوت، إضافة إلى كنيسة سيدة الدخول للروم الملكيين الكاثوليك التي قررت مؤخرا أبرشية قيصرية فيليبوس بانياس وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك جرفها، لأنها لم تعد قابلة للترميم برأي خبراء هندسيين. 

 

الغصة موجودة لكن الأمل أقوى

تقصد بلدة ديرميماس التي كانت محتلّة في كانون الأول الماضي، فتستوقفك تلة العزية التي كان يتمركز فيها جيش الاحتلال الاسرائيلي ليمسك عبرها ببلدة كفركلا المتاخمة. هناك تلتقي بميراي، أم لثلاثة أطفال، فتستقبلك في منزلها الذي تتوسطه شجرة الميلاد المكسوّة بأجمل زينة والمحاطة بمغارة يغلب عليها الخشوع. لكنك وأنت ترمي نظرة على أحد زوايا المنزل تتفاجأ بحقيبة ثياب مجهّزة فتسألها عن السبب وعندها يأتيك الجواب المحزن: "نحنا عمنعيش كل يوم بيومو، مجهزين غراضنا حتى إذا في حال صار في حرب نقدر نفل نحنا والولاد دغري". 

تخبرك ميراي عن حال العيد الذي يحلّ هذا العام بغصّة وعن الطفولة التي خدشت جراء النزوح خلال العام الماضي. حالها كحال كثر من سكان ديرميماس الذين اضطروا إلى تمضية العيد بعيداً عن منازلهم وكنائسهم الأحب بسبب الإحتلال وهم اليوم يعودون بشكل خجول بسبب غياب الاستقرار. 

القلق الذي يرافق ميراي تسمعه أيضا على لسان رانيا، ابنة القليعة التي تعيش مع شقيقيها في البلدة وتعتني بهما. لم تفارق هذه العائلة منزلها في القليعة في كل الحروب التي مرّت على الجنوب حيث أصيب أحد الأخوين بشظايا جعلت منه ضريراً. 

"عايشين بقلق عطول، ال MK  بتضلها فوق راسنا، وما منعرف أي ساعة بترجع الحرب" تقول رانيا التي تخبرك أن العيد حزين على عكس ما كان عليه في السنوات السابقة حيث كان يجتمع الإخوة الخمسة في منزل العائلة في القليعة ليلة العيد. لكن منذ بدء حرب الإسناد، اجبرت العائلة على الافتراق نتيجة الوضع الحساس في الجنوب وعوضا عن أن يكون العيد مناسبة للتلاقي بات مناسبة للاشتياق إلى الأحبة الذي يعيش اثنان منهما في الساحل. 

تخبرك رانيا بحسرة أن لابنة شقيقها طفل عمره ثمانية أشهر ولشقيق آخر أحفاد، لا يجرؤ أحد منهم على زيارة القليعة خوفاً من تعرضهم لأي مكروه في طريقهم إلى البلدة نتيجة الغارات والاستهدافات شبه اليومية التي تطال الجنوب. 

لكن رغم الصعوبات، الكنيسة في القليعة حاضرة والاحتفالات الميلادية عامرة على مدى أيام الأسبوع رفضاً لليأس الذي لم يتمكن من التغلب على هذه البلدة طيلة فترة الحرب. فصحيح أن قسماً من أهل القليعة غادرها خلال الحرب لكن جزءاً آخر بقي متمسكاً بأرضه وبعاداته وتقاليده وظلت البلدة تحيي القداديس الاحتفالية في كل المناسبات تأكيداً على التجذّر في الأرض وبالوجود، وهو ما ترى انعكاساته في كل تفصيل من زينة القليعة واحتفالياتها وترانيمها الميلادية.


من القطاع الشرقي إلى الأوسط "عيد بأي حال عدت يا عيد"

في القطاع الأوسط تجد بلدة صغيرة كانت تضم قبل الحرب 100 منزلاً. تقع هذه البلدة المسيحية على مثلث حساس يضمها إلى رامية ومروحين حيث كان الحضور البارز لحزب الله ما عرضها لقصف عنيف وتدمير للمنازل والبنى التحتية. 

منذ تلك اللحظة غابت مقومات العيش وعلى الرغم من مرور عام تقريبا على وقف إطلاق النار لم تنهض البلدة بعد من كبوتها. 

فصحيح أنه من أصل 47 عائلة كانت تسكن القوزح قبل الحرب، عاد منها 42، لكن ظروف العودة صعبة جداً. يخبرك رئيس البلدية شربل ابراهيم رزق أن البلدة متروكة لولا مبادرات قامت بها إحدى الجمعيات لإعادة تأهيل منازل متضررة وأعمال الترميم لخمسين منزلاً أخذتها على عاتقها الرهبنة اليسوعية. هذا إضافة إلى إصلاح مؤسسة كهرباء لبنان محطات توزيع الكهرباء بمسعى من النائب حسن فضل الله، بعدما دمرها القصف بشكل كامل.

لكن كل ذلك لا يكفي ليعود إلى العيد رونقه. فالبلدية تحاول إيجاد أجواء ميلادية عبر إحياء قداديس وتزيين كنيسة البلدة لكن الفرحة غائبة، والسبب بحسب رئيس البلدية هو آثار الحرب التي لا تزال حاضرة في العمران وفي الوضع الاقتصادي الصعب بعدما خسر أبناء البلدة موارد رزقهم الأساسية باحتراق بساتين الزيتون والدخان التي كانوا يعتمدون عليها كمصدر للعيش. 

بين كل حجر من حجارة الجنوب ألف قصة وقصة تسمعها على لسان من يعيشون القلق منذ عامين تقريبا. في ذاكرة هؤلاء صور تهجير وحرب لم يريدوها وفي قلوبهم رجاء عشية الميلاد وأمل ببلد أفضل يعمّه السلام  مع ولادة ملك السلام.  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث