عائد إلى فلسطين(6): سلطة وطنية بين عدوين

محمد أبي سمراالثلاثاء 2025/12/23
Image-1766440398
العدوان المتكاملان، اليمين الإسرائيلي و"حماس"، التقيا على تقويض السلطة الفلسطينية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قد يكون لكلّ من الأجيال الفلسطينية، وربما لكل من أفرادها، ذاكرته وروايته عن مأساة فلسطين والفلسطينيين المتعاظمة جيلًا بعد جيل، كأنها قدرٌ تتعاقب فصوله الفاجعة منذ "نكبة" 1948. فمنذ تلك النكبة ولدت وعاشت في فلسطين وفي بلاد اللجوء والشتات أجيال فلسطينية، يراود كل منها حلم تحرير وعودة، سرعان ما يتكشف عن فجيعة تتلوها فجيعة، منذ مطلع خمسينات القرن العشرين حتى اليوم.

نروي هنا قصةً من قصص عودة فلسطينيين من الشتات والكفاح إلى بلادهم، بدءًا من صيف 1994، بعد "اتفاق أوسلو" للسلام بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993. 

أمضى راوي هذه القصة - الشهادة 24 سنة من عمره متنقلًا، مترحلًا ومناضلًا في سبيل تلك العودة التي روى -إلى وقائعها- فصولًا من حياته وإقامته في قريته بالضفة الغربية وفي رام الله. وننشر هنا شهادته على حلقات في صيغة المتكلم.

وبعد حلقات خمس (راجع "المدن"...) من هذه الشهادة، هنا حلقة سادسة عن مأزق السلطة الوطنية الفلسطينية بين عدوين متكافئين ومتكاملين: منظمة "حماس" واليمين الإسرائيلي المتطرف 

 

سنة الصبر والصمت

بعد نحو شهر من أعراس الأهل والأقارب والجيران وولائمهم البيتية في بلدات الضفة الغربية وقراها، احتفالًا بعودتنا إليها من الشتات الفلسطيني، وبشعورنا وأهلها باحتمال الخلاص من الاحتلال الإسرائيلي عقب "اتفاق أوسلو" للسلام.. بعد هذا وذاك، كان من الصعب ألّا يشعرني بالضيق والاختناق ركود الحياة في قريتي، إلا من حيوية العلاقات الأهلية والقرابية ودبيب طقوسها وشعائرها في نسيج اجتماعها اليومي. 

لذا، وعلى الرغم من فرحي وغبطتي بالعودة وبالتحرر الوطني الفلسطيني الموعود، بدأتْ تعود إلى ذاكرتي، فجأةً وتلقائيًا وبلا إرادة مني، صور من حياتي وإقامتي طوال 24 سنة في مجتمعات مدينية بأربع عواصم عربية: القاهرة، بيروت، دمشق، وعمان، التي كنت ناشطًا سياسيًا فلسطينيًا فيها، وحاضرًا فاعلًا في دوائر من حياتها الثقافية، الصحافية والفنية.

كانت تلك الصور تبزغ في ذاكرتي كلحظات من أحلام يقظة سعيدة مفاجئة، من دون أن يكون الحنين محفزًا لبزوغها، الذي قد يكون رد فعل ومقاومة لا إرادية لركود حياتي التي اجتاحتها، رغمًا عني، العلاقات والانشغالات والزيارات الاجتماعية، العائلية والقرابية في قريتي، لكن من دون أن أقوى على الإفصاح عن ضيقي بها وعدم رضاي عنها. 

فكيف يمكن لفلسطيني حلم دهرًا بالعودة إلى "فلسطين السليبة"، وكافح دهرًا لتحريرها من الاحتلال، أن يتجرأ، بعد شهر من عودته إليها، ألا تعجبه الحياة فيها وبين أهله في قريته التي غاب وانقطع عنها وعنهم 24 سنة، وأن يفصح عن تذمره منها ومنهم وضيقه بها وبهم؟! وقد تكون هذه الاستحالة هي التي حملتني على الصبر والصمت عن تلك الحياة طوال سنة، قبل إقدامي وأسرتي على إيجاد مخرج يحررنا من ضيق حياتنا واختناقنا في قرية العودة: الانتقال للإقامة في رام الله المتهيئة لتصير مقرًا لمؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية الوليدة، والموطن السكني لمقدمي أو نخبة منظمة التحرير العائدين إلى البلاد. وذلك بعدما كانت السلطات الإسرائيلية قد منعت، بالتضييق والخنق والحصار والقوة، أن تكون مدينة القدس مقر تلك المؤسسات وعاصمة دولة فلسطين الموعودة، وفق نصوص "اتفاق أوسلو" للسلام.

 

الاحتلال والتدين الجديد

لكنني سرعان ما اكتشفت بعد أشهر من إقامتنا في رام الله أنها ليست مدينة، بل بلدة كبيرة. وكان علينا -أنا وأمثالي العائدين من الشتات الفلسطيني المديد في مدن وعواصم عربية إلى فلسطين- أن نكتشف بالملموس وبالتجربة الحية البطيئة والمباشرة، على أية حال هي فلسطين التي حلمنا وكافحنا سنين طويلة لتحريرها والعودة إليها، وما الذي فعله بها وتركه منها الاحتلال الإسرائيلي، فيما كنا في الشتات نصنع لها في مخيلاتنا صورًا من كلمات مشحونه بمشاعر وانفعلات قصوى، هيهات نجد لها ما يعادلها في الواقع الحي بعد العودة. 

فمجتمع العودة سمّم الاحتلالُ حياته والعلاقات فيه، وزرع فيها شتى أنواع معوقات نموه وتفاعله الطبيعي، أو العادي الحر، منذ "نكبة" 1948 الفلسطينية، فانكفأ على نفسه وصار مجتمعًا مكتومًا وموقوفًا، ولا يعيش إلا في هاجس الخوف من الحصار والتهديد بالاقتلاع. 

وهذه كانت حال رام الله سواها من بلدات ومدن الضفة الغربية كلها التي تضافر حدثان كبيران على جعل الحياة والاجتماع فيها في حال من الارتجاج الدائم والتهديد العميق، هزّا المشرق العربي كله: احتلال الضفة وقطاع غزة منذ حزيران 1967. وقبله "نكبة" العام 1948 التي هجّرت إليهما من فلسطين المحتلة عشرات ألوفٍ من أهلها وسكانها، فأقيمت لإيوائهم فيهما مخيمات لجوء وحياة بؤس ومهانة. 

وإلى هذين الحدثين الكبيرين، هناك عامل ثالثٍ ساهم الاحتلال نفسه في ظهوره: التدين الإسلامي الجديد الذي هيمنت موجاته على فضاءات الحياة العامة في الضفة والقطاع. 

من فتوتي في قريتي -قبل أن يرغمني احتلالها في حزيران 1967 على مغادرتها بعد سنة- أتذكر أنني كنت أذهب وأقراني إلى رام الله غير البعيدة من قريتنا، لحضور أفلام في صالاتها السينمائية الثلاث التي اختفت بعدما انفجرت قنبلة في واحدة منها في العام 1970. وفي مدينة نابلس أدى الانغلاق الاجتماعي والثقافي الذي فرضه التدين نفسه في الفضاء العام، إلى إغلاق دور السينما فيها. وتنسحب هذه الحال على القدس الشرقية أيضًا. وكانت موجة من التدين الإسلامي الجديد تتصاعد في الضفة الغربية كلها، تحت أنظار سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي لم تحرك ساكنًا، بل تركت تلك الموجة تنمو وتنتشر. ذلك لأن سلطاته لم ترَ في ذاك التدين عاملًا يهدد ترويضها المجتمع الفلسطيني سيطرتها عليه، مادام انتشاره وتوسعه في نسيجه يغذيان الانكفاء والانغلاق الاجتماعي، من دون أي نشاط يتصدى للاستيطان اليهودي على الأراضي الفلسطينية وطرد ملاكها وسكانها منها.

 

اليمين الإسرائيلي و"حماس"

لكن ظروفًا وعوامل عدة مستجدة في الضفة، أدت إلى تنشيط الانفتاح والحيوية في الحياة العامة برام الله، بعد "اتفاق أوسلو": موجة التفاؤل والغبطة بالتحرير والعودة والسلام. تكاثر مؤسسات السلطة في البلدة. تزايد أعداد سكانها من العائدين. عملهم في تلك المؤسسات واختلاطهم بالمقيمين. وتوافد مجموعات من فلسطينيي 1948 إليها في زيارات تعارف واستطلاع واستكشاف وتسوّق. ثم بدأت تنشأ في رام الله مؤسسات ثقافية: معهد إدوارد سعيد للموسيقى. مركز الفنون الشعبية الفلسطينية. مسرح رام الله. مركز خليل السكاكيني الثقافي. وعزّزت إقامة محمود درويش في عاصمة السلطة النشاطات الثقافية في البلدة - المدينة.

وكانت الغبطة بالتحرر من الاحتلال، وبعودة العائدين من الشتات، هي المهيمنة على الغالبية العظمى من الفلسطينيين آنذاك (1994- 1996)، عندما كانت عملية بناء مؤسسات السلطة التي اضطلعت بها منظمة التحرير، في بداياتها وبعثت على التفاؤل والإقبال الكثيف على انتخابات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ومجلسها التشريعي في العام 1996. 

وفي ذاك الجو الفلسطيني بادرت منظمة "حماس" ولفيفها من تنظيمات "الإسلام السياسي"، إلى إعلان موقفها، معتبرةً الانتخابات "خيانة للقضية"، بناءً على "عقيدتها الإسلامية" المتحدرة من "فقه الإخوان المسلمين"، ذاك الذي لا يقيم أي وزن للانتخابات والديموقراطية والانتماءات الوطنية والقومية، ومنها الوطنية الفلسطينية، التي يمقتها وينكرها ويعاديها ويعمل على تقويضها.

وهكذا دعت "حماس" الفلسطينيين إلى مقاطعة الانتخابات والامتناع عن التصويت. لكن نتائج الانتخابات جاءت على خلاف دعوتها: أدلى 87 في المئة من فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة بأصواتهم لرئيس السلطة ومنظمة التحرير، ياسر عرفات، وللمجلس التشريعي الذي رشحت أعضاءَه المنظمة إياها. 

لكن "حماس" كانت قد بدأت نشاطها لإفشال "أوسلو" ومشروع السلطة الوطنية في العام 1994: قامت بعمليات عسكرية "استشهادية" مدوّية في الداخل الإسرائيلي. وبعد فشلها المدوي في منع انتخابات 1996، ضاعفت تلك العمليات بسلسلة أشد دويًا في مطاعم وباصات مدنية في تل أبيب والقدس وسواهما من المدن الإسرائيلية. وهذا ما صدم الرأي العام الإسرائيلي وحمله على التشكيك بجدوى "اتفاق" السلام مع منظمة التحرير والسلطة، وعلى إسقاط حكومة شمعون بيريز العمالية "اليسارية". ثم وفتح الباب لصعود اليمين الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتانياهو، الذي حالف أقصى اليمين الاستعماري الاستيطاني اليهودي المتطرف، والعنصري شبه الفاشي، وغذاه، بعد اغتيال عرّاب السلام الإسرائيلي وموقّع "أسلو"، اسحق رابين في العام 1995.

 

العدوان المتكاملان

بعدما كان المجتمع الإسرائيلي منقسمًا إلى نصفين متعادلين في الموقف من "أوسلو"، رجحتْ بقوة كفة رافضيه عقب عمليات "حماس" وتباهيها بها قائلةً إن السلطة وفّرت لها شروط قيامها بعملياتها تلك من المناطق التي انسحبت منها إسرائيل وسلّمتها للسلطة وفق "اتفاق أوسلو" للسلام. أما إقدام السلطة ومنظمة "فتح" على تنفيذ اعتقالات واسعة لناشطي "حماس" والهجوم على مقارها والاشتباك العسكري معها، فأدت إلى تأجيل تنفيذ إسرائيل تهديدها باجتياح مدن الضفة الغربية، وإلى عزوف جيشها عن الانسحاب من 18 في المئة من الضفة ومدنها، تنفيذًا لبنود "أوسلو" المقررة.

وهذا ما يجعل الاحتلال والاستيطان واليمين الاسرائيلي العنصري من جهة، والتدين الإسلامي الجديد الذي صنعته ونظمته "حماس"، عدوين متكافئين ومتكاملين، يخدم واحدهما الآخر على نحو موضوعي تلقائي، بصرف النظر عن إرادته ورغبته وممارساته، فيما يعيش كل منهما على عداوة الآخر ويتغذى منها. 

وهذان العدوان المتكافئان والمتكاملان -اليمين الإسرائيلي الاستيطاني العنصري، و"حماس" ومن ورائها ما سُمي معسكر أو محور "الممانعة"- التقيا موضوعيًا على السير في طريق تقويض "أوسلو" والسلطة الوطنية الفلسطينية الوليدة، إفشالها وتهالكها.

 

أخطاء السلطة المميتة

لكن السلطة الفلسطينية -أي أجهزة منظمة التحرير وعماده "فتح"- ساهمت بدورها في رسم معالم ذاك الفشل وملامحه من بداياته الأولى إلى نهايته. فبدل أن تبادر تلك منظمة التحرير وسلطتها وأجهزتها إلى صوغ منظومة قوانين وممارسات سياسية واجتماعية ديموقراطية فاعلة بعد الانتخابات الفلسطينية الأولى، راحت ممارساتها تعمق الهوّة بين المجتمع الفلسطيني المحلي وأهله وبين العائدين إليه من الشتات، أولئك الذين كانت لهم مع ملحقاتهم في الضفة والقطاع، الغلبة في أجهزة السلطة ووزاراتها ومؤسساتها ومغانمها. 

وهذا ما صوّر للمجتمع المحلي الفلسطيني، العائدين إليه من الخارج مع ملحقاتهم الداخلية، في صورة سيئة متسلطة وفاسدة: فئة شبه مغلقة، حصلت من العودة والسلطة الوليدة على مناصب ومواقع ومنافع، كمكافأة لها في نهاية الخدمة، بعد تقاعدها عن الكفاح والنضال وخروجها من السجون.

لم تكذّب السلطة تلك الصورة، بل أكدتها بممارساتها ونهجها: أنشأت أجهزتها ومؤسساتها الأمنية والإدارية والسياسية على مثال بيروقراطي فاسد، عِماده الولاءات والعصبية والمحسوبية والاستزلام. واستفادت "حماس" من ذلك، فبدت دعايتها عن فساد السلطة حقيقية وصحيحة. وهكذا تصاعد نفوذ "حماس" بين فئات واسعة من الناس المتذمرين من نهج السلطة التي لم تقدم حلولًا لمشكلاتهم الحياتية.

(يتبع حلقة سابعة)

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث