بعد تأجيل تلو الآخر، وتسويف ومماطلة، عقد يوم أمس الاثنين اجتماع بين اللجنة المتابعة لملف التمليك في الديمان (تمثل الأهالي) واللجنة الرعوية الاقتصادية في الكرسي البطريركي في الديمان لبحث حلول ترضي الأطراف كافة بما يخصً قضية التمليك في الديمان.
بيان ملغوم
بلغة بسيطة بعيدة عن التعقيد، أصدر المجتمعون بياناً مشتركاً لم ينشر للعلن، اطلعت "المدن" على نصه. يؤكد العلاقة البنيوية التي تربط أهالي الديمان بالكرسي البطريركي، وعلى استمرار البطريركية المارونية بمشروع التمليك لمن يرغب من الأهالي، وفرز بيوت السكن إلى عقارات مستقلة وبيعها بسعر رمزي. ويشدد على حقّ الشراكة القائم بين الأهالي والبطريركية على أن يصار إلى تفعيل الشراكة وإعادة استثمار الأراضي المتروكة من قبل الشركاء بمهلة سنة واحدة لمن يرغب بإعادة زراعة أرضه، ومع انتهاء السنة دون زراعتها يعود للبطريركية حقّ التصرف بها.
لكن قراءة بعض الديمانيين المتأنّية لما كتب بين سطور البيان تلمّح إلى أنه أتى ملغوماً في بعض بنوده. فهو يفتح باب تكريس مبدأ خطير مفاده أن الأراضي التي تعود ملكيتها بالكامل للبطريركية المارونية يمكن التصرف بها كيفما شاءت، بمعزل عن أثر ذلك على هوية الديمان ووجهها التاريخي والاجتماعي.
صمت الكنيسة
خفف الاجتماع أجواءَ التشنّج بين الكنيسة والأهالي، لكنّه لم يطفئ نار المشكلة. كان يأمل الكثيرون أن تكون المسألة الديمانية منّصة لانطلاق المساءلة عن الفساد في الكنيسة المارونية، وأصيبوا بخيبة. فمعطيات زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان أثارت التفاؤل في ظلّ ما رشح من معلومات تؤكّد رغبة البابا الجديد في محاربة الفساد في الكنيسة المارونية. لكن البيان المشترك قلّل من حماس العديد من الديمانيين في المحاسبة. وقد وضعهم البيان أمام خيارات لم في الحسبان، فيما كان رّجاءهم بالوصول إلى حلّ جذريّ كامل.
تستمرّ البطريركية باعتماد سياسة الصمت. وحاولت "المدن" التواصل مع المعنيين لاستيضاح بعض النقاط العالقة، لكن النائب البطريركي على منطقتَي الجبّة واهدن المطران جوزيف نفاع والمحامي ميلاد جبراييل عضو اللجنة الاقتصادية الرعوية، لم يردا على الاتصالات المتكررة. لكن مقابل هذا الصمت المطبق الكواليس تغلي، وثمة أصوات تعلو هنا وهناك من "شركاء الدير". فلم تعد المسألة الديمانية قضية أفراد، بل قضية وجود جماعي لسكان البلدة الرافضين لأن تمسّ الديمان بأي شكلٍ من أشكال العبث أو التشويه، ويدخل إلى نسيجها الاجتماعي والثقافي طارؤون لا يمتّون إلى تاريخها بصلة.
التفاوض تحت الضغط
أجواء إيجابية خرجت بها اللجنة المتابعة لملف الديمان، ووعود باستكمال الاجتماعات في العام الجديد. لكن لم يأتَ التفاوض من فراغ، بل حُدّد الاجتماع بعد ضغوط واستنهاض للرأي العام واتصالات ومعلومات عن تصعيد على الأرض قد يصل إلى حدّ المواجهة المباشرة. ناهيك عن دور الرسالة المفتوحة، المرسلة من مثقفي وأهالي الديمان إلى البابا الجديد، كانوا عرضوا فيها وجهة نظرهم وأحقّية مطالبهم. وشرحوا كيف قام الوكيل البطريركي في الديمان بالتوقيع على عقد ايجار لمصلحة فرد من خارج النسيج الديماني، يسمح بموجبه بتشييد منزل على أرض تعتبر داخلة في أرض الشراكة وهو ما دفع أهالي الديمان للمطالبة بإلغاء العقد المذكور وإيجاد حلّ نهائي للمسألة الديمانية تجنّباً لتكرار التعدي على أرض الشراكة. وطالبوا بإقرار مبدأ الرفض المطلق لتأجير أراضي الشراكة، على الّا تضع البطريركية يدها على أي عقار ضمن أراضي الشراكة ولو كان متروكاً الا بموجب انذار مسبق يوجّه إلى الشريك. هذا فضلاً عن تنظيم خريطة إجمالية للديمان تبيّن أرض الشراكة من جهة وتلك التي بعهدة البطريركية من جهة أخرى حفاظاً على الحقوق كافة.
استثمار مقنّع
ووفق مصادر "المدن" كان هذا الاجتماع فرصة أخيرة بعد أكثر من تأجيل له بحجج غالباً ما كانت غير منطقية. وكان التأجيل المستمر للاجتماعات أجّج التوتّر بين الطرفين وأظهر عدم نية أو إرادة للتوصّل لاتفاق.
وتشير المصادر إلى أن البيان الذي صدر غير كاف، بل نقطة انطلاق. وتوافق المجتمعون على إرسال كتاب من أهالي الديمان إلى الكرسي الرسولي لطلب "توسيع عملية التملّك لمن يرغب من الأصول والفروع للأراضي التي هي باستلامهم بجوار المنازل مع التزام الكرسي البطريركي بتنفيذ ما يقرره الكرسي الرسولي بالكامل لهذه الناحية".
لكن تلفت المصادر إلى أن ما يحصل ليس استثماراً بريئاً كما يصوّره البعض، إنّما محاولة تسلّل مدبّرة من خلال تأجير أرض الديمان لوافدين من خارجها. فالبند الخامس من البيان المشترك يجيز للبطريركية تلقي أي طلب من أهالي الديمان لاستثمار أراضٍ غير مشمولة بالشراكة مع ابداء استعدادها بدراسته والاستجابة ضمن القوانين المرعية الإجراء. وهذا يفسره اليدمانيون أنه دليل إضافي على أن الديمانيّ لن تكون له الأولوية.
تدوير زوايا
من جهة أخرى، يصف البعض ما يحصل في الديمان بالبروفا، وإذا نجحت "رح يفلت الملق" وسيكون هناك استثمارات بالملايين. ويتخوّف هؤلاء من أن ما اتفق عليه سيتيح خلال سنوات قليلة، تحويل الديمان إلى سلسلة مشاريع استثمارية، من شأنها تغيير وجه المكان جذرياً، ونقله إلى مساحة استثمارية بحتة، تُدار بمنطق الربح لا بمنطق الرسالة والإرث.
لم تنته المسالة الديمانية بعد. ما يجري محاولة لتدوير الزوايا وكسب الوقت على أمل انطفاء رغبة الديمانيين في متابعة الملف. في وقت يعتبر الديمانيون أن الدفاع عن الأرض، والهوية، والحقوق التاريخية لأبناء الديمان، حقّ مشروع لا يرقى بأي حال إلى مستوى المخالفة الكنسية، ولا يجوز وضعه في خانة العصيان أو التمرّد، أو التهديد بالحرم الكنسي. ويطالبون كنيستهم باحتضانهم لا بحرمانهم من حقوقهم، وبالتواصل معهم لا بتجاهلهم، وبالإصغاء إليهم لا بتهديدهم.
