أمنياتٌ مُعلَّقة وتحديات.. كيف يضيء السوريون شعلة الميلاد

دمشق - كلير عكاويالثلاثاء 2025/12/23
Image-1766406061
الميلاد ليس في شجرة أو في مظاهر خارجية، بل في السلام الداخلي (كلير عكاوي)
حجم الخط
مشاركة عبر

ربما قصدت السّيدة "فيروز" عندما رنّمت "روح زورهن ببيتهن، بيتن فقير ما عندن شي.. روح زورهن ببيتهن قلّن خلق يسوع"، الكثير من العائلات السّوريّة لا تزال تعلّق أمنياتها حول تحسين ظروفها المعيشيّة في واقع اقتصادي متدهور، أكثر من تركيزها على المظاهر الأساسيّة في عيد الميلاد المجيد. 

Image-1766406118

كما هو حال مريم (33 عاماً)، التي تنتظر كل عام ميلاداً جديداً، وتأمل في أن يغيّر واقع حياتها وحياة عائلتها، ليتمكّنوا من الاحتفال بالفرح والبهجة، بدلاً من الركض وراء تأمين حاجاتهم الأساسية. فقد أنهكتهم السنوات الماضية، وأثقلت كاهلهم بالأعباء. 

وعبّرت مريم في حديثها إلى "المدن" عن "قلقها بشأن أطفالها"، سائلة: "ماذا سأفعل عندما يضعون الرسائل على الشّجرة، ويتمنّون أن يجلب لهم بابا نويل الهدايا؟ هل سأقدّم لهم أعذاراً أم بدائل، كما أفعل في كل عام؟ 

بدوره، أوضح الأب الروحي رأفت أبو النّصر لـ"المدن" أن "الظروف الاقتصادية الصّعبة التي نمر بها اليوم، قد تبدو وكأنها تعيدنا إلى جوهر الميلاد الذي يمثّل قوة الإيمان في أصعب الأوقات. فقد تكون الأعياد فرصة للمجتمع للعودة إلى قيم التضامن والمحبّة، بعيداً عن المظاهر السطحيّة، وهو ما يعيد إحياء الروح، ويجمع القلوب حول معاني الحب والرجاء".

 

البدائل ودور الكنيسة

عند الحديث عن "البدائل"، نرى أن الكثير من السّوريين اعتادوا عليها بمختلف مفاصل حياتهم لإرضاء أنفسهم وعائلاتهم، في ما يتعلّق بأحوالهم اليوميّة أو مناسباتهم السنويّة. فبدلاً من شراء الثياب الجديدة، باتوا يتوارثونها من بعضهم البعض في العائلة الواحدة. وبدلاً من شراء الهدايا، باتوا يصنعون أشياء يدويّة لينشروا الفرح في ما بينهم.

وشملت البدائل أيضاً الحلويات، حيث اتجهت بعض العائلات إلى تصنيعها في المنزل، بدلاً من شرائها جاهزة بأسعار مرتفعة، بينما اكتفى آخرون بإعداد قالب من الحلوى، ووجبة مميّزة تلبّي حاجات الاحتفال، بدلاً من "لف اليبرق، وتقريص الكبّة، وحشي الفرّوج بالأرز". وهناك من يحتفلون من دون أن يتأثّروا بالأوضاع، وهناك من لا يملك سوى أن يقول: "أعطنا خبزنا كفافَ يومنا".

"وتلعب الكنيسة دوراً مهمّاً في تعزيز التضامن الاجتماعي من خلال تشجيع المجتمع على التبرّع ودعم الأسر الفقيرة، حيث نظّمت كنيسة سيدة دمشق مبادرات عدّة هذا العام، تشمل حملات لتوزيع المواد الغذائية والملابس والأدوية على المحتاجين، ما يساعد العائلات على الاحتفال بعيد الميلاد بشكل بسيط، ويعزّز شعور الانتماء والفرح رغم التحديات"، بحسب أبو النصر.

Image-1766406206

تضحيات يقابلها حرمان!

أصرّت وداد (37 عاماً) على مفهوم التضحيّة. فبسبب ضيق أحوالها "ربما أستطيع شراء الفستان الكارو لابنتي، والحذاء الأسود لأخيها، عندما اختصر شيئاً ما حتّى لو كان من الأمور الأساسية"، كما تقول لـ "المدن".

ويشمل مفهوم التضحية هنا، استبدال تكاليف "طبخة" ما مثلاً بشراء هديّة مناسبة، أو اختصار موضوع التدفئة، وما يتطلّب من مصاريف لشراء قطعة ثياب جديدة من أجل إسعاد الأطفال في هذا اليوم المجيد.

من جهته، أكد الأب الروحي أن "التصرّفات التي يقوم بها الوالدان من أجل إسعاد أبنائهم تعكس تضحية كبيرة، ما يبرز المشاعر الإنسانية العميقة التي تحملها قلوبهم، وتعكس أيضاً رغبتهم في إحياء تقاليد العيد". 

وأضاف: "الأهم في زمن الميلاد هو فهم التضحية الحقيقية، التي تتمثّل في تعزيز القيم الإنسانية والإيمانيّة التي تعلّمنا إيّاها رسالة الميلاد، مثل الرحمة والعطاء والمشاركة. ففي هذه المناسبة، نجد أنفسنا مدعوّين للتواضع والتضحية، حيث وُلد المسيح في مذود متواضع، ما  يعني أن الفقر والمحنة ليسا عائقاً أمام النعمة".

 

الاختصارات تطال شجرة الميلاد

طالت الاختصارات شجرة عيد الميلاد المنطفئة نسبياً نتيجة التقنين وشح الكهرباء، والخوف من فواتيرها. فمنهم من لم يعد يشتري شجرة من الأساس لأنّ تكلفتها قاربت "بقرة جحا"، لدرجة أنّها تعدّت راتب الموظّف الشهري بضعف أو ربما بضعفين أو خمسة أضعاف.

وفي المقابل، حافظ كثيرون على أشجارهم المعتّقة بزينتها، وفرحوا بدلالتها، بغض النظر عن أي شيء يذكر، حيث علّقوا عليها كراتهم الخمريّة مع الأجراس والنجوم الذهبيّة، وجسّدوا أيضاً مغارة متواضعة للسيد "يسوع المسيح"، عليه السلام، بمحبة ورضا وامتنان.

من جانبه، أكد الأب رأفت أن "رسالة عيد الميلاد الحقيقيّة تتجاوز الزينة والاحتفالات الماديّة، حيث يُعتبر الميلاد تجسيداً للحب الإلهي الذي تجلّى في البشرية، كما يُعبّر عن قوّة البساطة والتواضع التي تجسّدها هذه المناسبة".

وأضاف: "في هذا الزمن الصعب، يجب أن نتذكّر أن العيد لا يتعلّق بالمظاهر، بل بالتضامن مع الفقراء والمحتاجين.. لنحتفل بالمحبة والأمل والتضامن الذي يجمعنا في مواجهة التحديات".

Image-1766406266

الزينة أغلى من الراتب!

تفاوتت أسعار أشجار عيد الميلاد هذا العام بعد جولة قامت بها "المدن" في عدد من الأسواق السورية في دمشق، حيث بلغت أسعار الشجرة بارتفاع متر و50 سم في بعض الأسواق 125 دولاراً تقريباً، و200 دولار لشجرة بارتفاع متر و80 سم، كما توفّرت هذه الشجرة بنفس الارتفاع في أسواق أخرى بسعر يتراوح بين مليون و700 ألف، ومليون و900 ألف ليرة سورية.

كما وصلت أسعار الأشجار بارتفاع مترين و10 سم إلى مليونين ونصف ليرة، أما الأشجار بارتفاع مترين و25 سم، فتُعرض بسعر 3.5 مليون ليرة، في حين أن الأشجار بارتفاع مترين و60 سم تقارب الـ 5 ملايين ليرة سورية. 

وتبدأ الأسعار بالنسبة لزينة الشجرة، من دولار واحد، وتزداد حسب النوع والجودة. كما تتوفّر بيوت مغارات بأسعار تتراوح بين 300 و500 ألف ليرة، بينما تصل أسعار المغارات الكاملة مع الأشخاص إلى مليون و200 ألف ليرة، أما أشخاص المغارة فقط فتُباع بأسعار تتراوح بين 550 ألف و900 ألف ليرة سورية، فيما يتوفّر ورق المغارة بسعر 4 آلاف ليرة سورية للطبق الواحد.

Image-1766406316

وعند النظر إلى الراتب الشهري للموظف السوري، والذي لا يتجاوز 100 دولار، أي ما يعادل مليون ليرة سورية تقريباً بسعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية (10 آلاف)، يتّضح أن الموظّف يحتاج إلى أكثر من راتب شهرين لتغطية تكلفة شجرة متواضعة مع زينتها ومغارة، ما يعكس الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي يعاني منها الكثيرون في البلاد.

وفي زمن يتفوّق فيه ثمن شجرة الميلاد على الراتب الشّهري، وجّه الأب الروحي رأفت رسالة أمل إلى الشباب والعائلات، قائلاً: "الميلاد ليس في شجرة أو في مظاهر خارجية، بل في السلام الداخلي والتجدّد الروحي". 

وأكد أبو النصر أن "الفرح الحقيقي يأتي من الإيمان والعلاقات الإنسانية"، مشدّداً على "أنه لا ينبغي ربط سعادة العيد بالمال، بل بحجم الحب الذي نتبادل، وبأن يكون الميلاد فرصة للتأمل في نعم الحياة الصغيرة التي قد تفوق قيمة الأشياء المادية".

 

عادات ميلادية تعود "مهلّلة"

"بالرغم من أن سوريا شهدت تراجعاً في بعض العادات المرتبطة بعيد الميلاد بسبب الظروف الاقتصادية والتحديات الاجتماعية، مثل الزينة وتبادل الهدايا المكلفة، إلا أن هناك عودة للاحتفالات البسيطة الجماعية والعائلية"، كما أكد أبو النصر.

وأكمل: "تركّز العائلات على تناول وجبة ميلاد مشتركة بعد المشاركة في القداس الإلهي، بالإضافة إلى تعزيز قيم العطاء، والتبرّعات بدلاً من المظاهر".

ويبدو أن هناك مفارقة كبيرة. فرغم كل الظروف الصّعبة التي مرّت ومازالت تمر بها البلاد، إلا أن هذا العام يبدو مختلفاً عمّا سبقه من أعوام، عبر إعادة إحياء الطقوس الميلادية في مختلف المحافظات السوريّة، من خلال الاحتفال، وإنارة الأشجار المزيّنة في الكنائس والشوارع مع عزف الكشّافات، وخروج الكرنفالات، وكأن الميلاد هو أيضاً ميلاد لسوريا التي تتباين ملامحها من بعد المخاض.

Image-1766406366

الهجرة.. تتلاشى في العيد!

في خضم كل هذه الاحتفالات، يتلاشى الحديث عن الهجرة في العيد، وكأن الفرح يفرض نفسه بطريقة أو بأخرى، حتّى لو كانت الظروف التي يعاني منها الفرد صعبة، حيث تباينت آراء السوريين حول هذا الموضوع ومستقبلهم. فرأى البعض أن الهجرة هي الخيار الوحيد للبحث عن الفرح والأمان الذي يطمحون إليه مع عائلاتهم، بينما تمسّك آخرون بوطنهم واصفين حياتهم بالآمنة والمستقرّة. 

بدوره، وجّه الأب الروحي رسالة في عيد الميلاد المجيد إلى الذين يفكّرون في الهجرة من وطنهم، قائلاً: "رغم كل التحدّيات، تبقى سوريا هي وطننا الذي نحبّه.. يذكّرنا الميلاد بقوّة الإيمان والأمل حتى في أوقات الألم.. قد تكون الهجرة خياراً لبعض الأشخاص في هذه الظروف الصعبة، لكنّني أدعوهم للتأمل بعمق في معنى البقاء".

وأكمل: إن "قوة البقاء تكمن في تضامننا مع بعضنا البعض، وقدرتنا على بناء مستقبل أفضل رغم الصعوبات. فبلدنا سوريا يحتاج إلى قلوب أبنائه وإيمانهم للمساهمة في صياغة الغد، بانتظار فجر جديد يجلب الأمل إلى نفوس الجميع".

ولطالما كانت سوريا كالشّجرة الشّامخة التي "تموت وهي واقفة على قدميها"، واليوم، أصبحت تشبه شجرة السرو الميلادية، لأنها تتوافق مع رمزيّتها بالحياة والقوّة، وتحمل فوقها نجمة مضيئة، كما النجمة التي قادت المجوس إلى نور الطفل يسوع عند ولادته، تبشّر بأمل وفرح، ولعلّها تشير أيضاً إلى مستقبل مشرق ينتظر سوريا، حيث تزهر الحياة من جديد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث