احتدام حرب السيليكون: لماذا رفضت بكين عرض ترامب؟

نافع سعدالأحد 2025/12/21
Image-1766225435
تعمل الصين على بناء قدرة داخلية مستقلة، حتى لو استلزم الأمر كلفة أعلى وكفاءة أقل (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في مطلع كانون الأول 2025، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مناورة سياسية لافتة على حلبة صراع "السيليكون" المتصاعد. لقد أعلن تخفيفاً جزئياً للقيود على تصدير رقائق "إنفيديا" (Nvidia) إلى الصين، وسمح ببيع شريحة H200، إحدى أقوى معالجات الذكاء الاصطناعي المتاحة تجارياً، إلى زبائن صينيين "مختارين"، لكن مقابل ضريبة تصدير مرتفعة تبلغ 25 في المئة.

 

غير أن هذا الانفتاح جاء مقيداً بسقف صارم. فقد استُبعدت أحدث معالجات "إنفيديا"، وفي مقدمتها جيل "بلاكويل" المتقدم، بما يضمن بقاء الصين متأخرة تقنياً خطوة واحدة على الأقل. بدا القرار محاولة للإمساك بتوازن صعب: تهدئة الشركات الأميركية التي فقدت جزءاً كبيراً من السوق الصينية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على منطق التفوق، أي السماح للصين بما يكفي للبقاء زبوناً، دون منحها ما تحتاجه.

 

شكراً، لكن لا

لكن الرياح لم تسر كما اشتهت سفن ترامب. جاء الرد الصيني سريعاً وبارداً: بكين رفضت استيراد شريحة H200، رغم أن السوق الصينية متعطشة للقوة الحوسبية. الرسالة كانت واضحة: الصين لا تريد نسخة "مخففة" من التكنولوجيا الأميركية، ولا تريد أن تُدار ترقياتها التقنية عبر صمامات سياسية تُفتح وتُغلق وفق مزاج واشنطن.

 

لم يكن هذا الموقف وليد اللحظة. فقبل أشهر من مبادرة ترامب، كانت هيئة تنظيم الفضاء السيبراني في الصين قد قيّدت عملياً قدرة شركات كبرى، مثل "علي بابا" و"بايت دانس"، على شراء رقائق "إنفيديا" المخصصة للسوق الصينية. وهذا يعني أن بكين كانت قد بدأت بالفعل إعادة ترتيب أولوياتها، نحو تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، رغم الكلفة الثقيلة لهكذا توجه.

 

بهذا المعنى، رفض الصين شراء شرائح H200 ليس احتجاجاً سياسياً فحسب، بل خياراً استراتيجياً يقوم على معادلة واحدة: "ألم تقني مؤقت مقابل سيادة تقنية". وفي المقابل، يجد ترامب نفسه هو الآخر أمام معادلة شائكة: كيف يحمي الأمن القومي ويحافظ على التفوق التقني، من دون خنق الشركات الأميركية التي اعتادت تحقيق أرباح كبيرة من السوق الصينية. وقد تعمقت هذه المعضلة منذ إدراجه "هواوي" عام 2019 ضمن القيود الأميركية، وما تلا ذلك من مسار تصاعدي في العقوبات والتدابير التقييدية.

 

السيادة التقنية قبل المنطق التجاري

للوهلة الأولى، يبدو القرار الصيني مفارقاً للمنطق الاقتصادي. فوفق منطق السوق، من يسعى إلى الريادة لا يرفض أقوى الموارد المتاحة، و H200 شريحة فائقة القوة. لكن بكين قرأت العرض على نحو مختلف، على اعتبار أنه "أداة ضبط" وليس مجرد "صفقة" تجارية. إنها شريحة متقدمة، لكنها مصممة لتثبيت فجوة دائمة، فهي تمنح أداءً مرتفعاً ضمن سقف محكم يحدده الخصم. والأخطر، وفق الرؤية الصينية، أن الارتهان لهذا النمط من التكنولوجيا يخلق "نقطة ضعف" جاهزة للتفعيل في أي لحظة؛ اليوم تعرفة جمركية وتراخيص، وغداً منع وتجميد واستثناءات.

 

لهذا دفعت الصين باتجاه مضاعفة رهاناتها المحلية، عبر ضخ استثمارات تُقدَّر بنحو 70 مليار دولار وتقديم دعم واسع لمنظومة أشباه الموصلات وتدريب الكفاءات. فالحديث هنا لا يقتصر على مصنع أو شركة بعينها، بل على سلسلة متكاملة تمتد من تصميم الرقائق إلى تصنيعها وصولاً إلى أدوات الإنتاج. ومن أبرز اللاعبين "هواوي" (Huawei)، وشركات الذكاء الاصطناعي مثل "كامبريكون" (Cambricon) و"إنفليم" (Enflame)، إلى جانب المصانع الوطنية مثل SMIC. والهدف هو الانتقال من الاعتماد على الخارج إلى بناء قدرة داخلية مستقلة، حتى لو استلزمت المراحل الأولى كلفة أعلى وحققت كفاءة أقل.

 

محركات أميركية ووقود صيني

احتدام الصراع من بوابة "H200" ليس تفصيلاً، بل نافذة على سباق عالمي أوسع في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. قوة الحوسبة هي القلب النابض للذكاء الاصطناعي، وتدريب النماذج المتقدمة يتطلب رقائق عالية الأداء بشكل دائم. لذلك تحولت وحدات المعالجة المتطورة، وفي مقدمتها رقائق "إنفيديا"، إلى أصول استراتيجية، لا مجرد سلع سوقية.

 

في موازين القوى الراهنة، تمتلك الولايات المتحدة أفضلية واضحة في "محركات" الذكاء الاصطناعي، من تصميم الرقائق المتقدمة إلى تفوق سلاسل التصنيع مع حلفاء مثل تايوان وكوريا وهولندا، وصولاً إلى منظومة آلات الإنتاج وبرمجياتها. في المقابل، تمتلك الصين وفرة كبيرة في "الوقود"، أي البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي المتخصصة والموارد البشرية. لكن هذا الوقود ظل لسنوات يعتمد على محركات مستوردة لكي يعمل بكفاءة.

 

من هنا تحولت القيود الأميركية، ولا سيما منذ 2022، إلى "جدار" هدفه الإبقاء على فجوة الأداء الحوسبي واسعة بين الطرفين. في المقابل، كان رد الصين بضخ استثمارات ضخمة لتوطين صناعة أشباه الموصلات وصقل المواهب، وهي تدرك أن طريق اللحاق بالركب طويل ومعقد. ومع ذلك، تلوح بوادر اختراقات صينية قد تعيد خلط الأوراق جذرياً، وهو ما يفسّر إصرار بكين على رفض "جزرة" H200 الأميركية، وتفضيلها الرهان على مسارها المحلي مهما كانت الكلفة.

 

بوادر اختراق، من بوابة EUV

ضمن الرهان الصيني الأوسع، تبرز الحلقة الأشد تعقيداً: تقنيات الليثوغرافيا المتقدمة (EUV). فهي المرحلة الأحدث في تصنيع الرقائق، إذ تتيح نقش الدوائر الإلكترونية متناهية الصغر بدقة 5 نانومتر و3 نانومتر، وهي الدقة اللازمة لأقوى المعالجات الحديثة. ومن دون EUV، يغدو تصنيع شرائح الصف الأول شبه مستحيل عملياً، مهما بلغ تطور التصميم أو البرمجيات.

 

وهنا تظهر ASML، الشركة الهولندية التي تُعد الجهة الوحيدة عالمياً القادرة على تصنيع آلات EUV وتشغيلها تجارياً. هذه الآلات ليست معدات عادية، بل أنظمة هندسية فائقة التعقيد تضم أكثر من مئة ألف مكوّن، وتعتمد على شبكة موردين عالمية، في مقدمتها "Zeiss" الألمانية للمرايا فائقة الدقة، إلى جانب شركات أميركية لأنظمة التحكم والبرمجيات. لذلك تحولت ASML إلى "عنق زجاجة" استراتيجي، ومن هنا جاء قرار واشنطن وحلفائها بمنع بيع آلات EUV للصين بوصفه أداة فعالة لكبح تقدمها.

 

المهم هنا أن الصين لا تتعامل مع تكنولوجيا EUV بوصفها شعاراً. فتقارير من "رويترز" تشير إلى برنامج صيني حقيقي، يتضمن آلة ضخمة قيد التشغيل داخل منشآت SMIC وقادرة على توليد ضوء EUV. لكن توليد الضوء شيء، وإنتاج شرائح بمردود صناعي وتجاري (Yield) مستقر شيء آخر. لذلك، حتى مع وجود هدف سياسي معلن لعام 2028، يبدو التقدير الواقعي أقرب إلى 2030 لمسار أكثر نضجاً. وما يرجح حدوثه في 2028 هو EUV صيني وظيفي، لكن ضمن نطاق محدود، يصلح للاستخدامات البحثية، لا لمنافسة ASML تجارياً.

 

وهذا الفرق الجوهري يرسم الملامح الأكثر وضوحاً للاستراتيجية الصينية بعيدة المدى. فالصين قد تقبل بمنظومة EUV أكبر حجماً، وأكثر استهلاكاً للطاقة، وأقل استقراراً، بل ومن دون مردود صناعي وتجاري مباشر، طالما أنها تخدم تطبيقات سيادية محددة، مثل مراكز البيانات الحكومية، والأنظمة العسكرية، والبنى التحتية الحساسة. ففي هذه الميادين، لا تُعد الكفاءة الاقتصادية هي الأولوية القصوى، إذ تتقدم غاية واحدة: ألا تتحول القدرة التقنية الوطنية إلى رهينة لقرار خارجي.

 

هل نحن بصدد عالم تقني منقسم؟

إن ما نشهده اليوم في صراع "السيليكون" ليس سوى نموذج مصغر لاحتمال أكبر، وهو أن تتشعب منظومات أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي إلى مسارين متوازيين، أحدهما تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها، والآخر يتمحور حول الصين. وإذا قُدّر لهذا "الانفصال التقني" أن يترسخ، فقد نشهد سلاسل إمداد مكررة ومعايير تقنية متباينة، بما يعني فعلياً عالماً تقنياً منقسماً.

 

على المدى القريب، يظل المعسكر الأميركي مرشحاً بقوة للبقاء في الصدارة، بفضل وصوله غير المقيد إلى أحدث الأدوات وشبكات البحث والتطوير العالمية. وفي المقابل، قد يضطر المعسكر الصيني إلى دفع كلفة انتقالية باهظة في مجالات الابتكار وصقل الكفاءات. غير أن تبعات قيام "نظامين تقنيين" لن تقع على عاتق الصين منفردة، إذ إن تكرار خطوط الإنتاج ومضاعفة جهود البحث والتطوير سيؤديان إلى رفع التكاليف على الجميع. وقد تجد الشركات الكبرى نفسها مضطرة إلى إنتاج نسخ متعددة من منتجاتها أو الامتثال لمعايير مزدوجة، ما يرفع الكلفة الإجمالية ويقوض كفاءة السوق العالمية.

 

وفي المقابل، تبرز هنا مفارقة قد تفضي إلى ما يمكن تسميته "ابتكاراً قسرياً". فبينما تسرّع الولايات المتحدة تطوير أجيال جديدة وهياكل حوسبة أكثر تقدماً، تركز الصين على مسارات بديلة لتعويض فجوات التصنيع بفعالية. ويشمل ذلك الاعتماد على تقنيات "التغليف المتقدم للشرائح" وتصاميم "الشرائح المكدسة" (Chiplets)، إلى جانب استكشاف مواد وتقنيات إنتاج مختلفة. وقد يدفع هذا التنافس المحموم، في نهاية المطاف، نحو تنوع تقني أكبر ومنافسة أوسع، وربما إلى ابتكارات تخفض الأسعار على المستهلك عالمياً، على نحو يشبه ما حدث في سوق السيارات الكهربائية.

 

في النهاية، تتبدى مسألة رفض الصين شراء شرائح H200، بكل أبعادها، حدثاً يتجاوز كونه قراراً تجارياً. فهي تكثيفٌ للحظة تحول تاريخية، تضع التكنولوجيا في قلب المعادلة الجيوسياسية. وبموقفها هذا، تعلن بكين أنها مستعدة للتضحية بمكاسب آنية كي لا تُبنى قدراتها المستقبلية على "رخصة" قابلة للإلغاء، فيما تسعى واشنطن إلى صياغة نموذج لـ"بيع محسوب" يضمن الربح مع قيود تعيق التمكين التقني الحقيقي. وبين هذين الموقفين، تتشكل ملامح عالم جديد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث