قد يكون لكلّ من الأجيال الفلسطينية، وربما لكل من أفرادها، ذاكرته وروايته عن مأساة فلسطين والفلسطينيين المتعاظمة جيلًا بعد جيل، كأنها قدرٌ تتعاقب فصوله الفاجعة منذ "نكبة" 1948. فمنذ تلك النكبة ولدت وعاشت في فلسطين وفي بلاد اللجوء والشتات أجيال فلسطينية، يراود كل منها حلم تحرير وعودة، سرعان ما يتكشف عن فجيعة تتلوها فجيعة، منذ مطلع خمسينات القرن العشرين حتى اليوم.
نروي هنا قصةً من قصص عودة فلسطينيين من الشتات والكفاح إلى بلادهم، بدءًا من صيف 1994، بعد "اتفاق أوسلو" للسلام بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993.
أمضى راوي هذه القصة- الشهادة 24 سنة من عمره متنقلًا، مترحلًا ومناضلًا في سبيل تلك العودة التي روى -إلى وقائعها- فصولًا من حياته وإقامته في قريته بالضفة الغربية وفي رام الله. وننشر هنا شهادته على حلقات في صيغة المتكلم.
وبعد حلقات أربع (راجع "المدن"...) من هذه الشهادة، هنا حلقة خامسة عن خبث السلطات الإسرائيلية في معاملتها الفلسطينيين العائدين كأنهم مهاجرون أو غرباء مهددون بالطرد.
تاريخ من كلمات؟
كلما أفكر في تعريف فلسطين وشعبها، تحضر فورًا وتلقائيًا في وعيي وذهني وذاكرتي سلسلة من كلمات: النكبة، الصهيونية، الاحتلال، إسرائيل، المستعمرات، الاستيطان، الاقتلاع، الطرد، النزوح، التشريد، الشتات، اللجوء، المخيمات، القضية، الكفاح، الصمود، المقاومة، التحرير... والعودة. لكن قليلًا ما تحضر كلمة الانتفاضة: الأولى السلمية منهما (1987)، رغم أنها هي التي مهدت لعودتنا، نحن بعض من "نخبة" فلسطينيي الشتات في منظمة التحرير. ثم الثانية (2000) العنيفة المسلحة، التي أدت إلى تكريس الاحتلال، فجعلته علنيًا ومكشوفًا، بعدما كان مقنعًا.
وإذا كانت كلمتا السلام والعودة، مع عبارة حل الدولتين، قد تصدرت المشهد الفلسطيني لسنوات قليلة أعقبت "اتفاق أوسلو" في العام 1993، فإنها سرعان ما تبددت، وخلا المشهد مجددًا لكلمات: الاستيطان والمستوطنون والاحتلال والاقتلاع والطرد وهدم البيوت والاعتقال والسجون. ثم أضيفت إليها عبارة: جدار الفصل العنصري.
أما بعد 6 أكتوبر 2023 فبرزت بقوة وتصدرت المشهد الفلسطيني والدولي كلمة واحدة: الإبادة التي التصقت وعصفت بأهل قطاع غزة، محقتهم وتركتهم كعمرانهم أطلال بشر في أرض الرماد، التي يريدها يهود إسرائيل أرض ميعادهم التوراتي.
نعم هي كلمات... لكن ماذا يبقى من فلسطين والفلسطينيين إذا نُسِيت أو اختفت؟ لا شيء على الأرجح. فمن دون تلك الكلمات يختفون تمامًا وتختفي فلسطين. هذا، على الرغم من أنهم يريدون، بل يكافحون لإزالتها والخلاص من تشبثهم بها أكثر من تشبثهم بأسمائهم، ليعيشوا من دونها على هذه الأرض حياة عادية كسائر البشر.
لكن ما أن يقول أحدٌ ما فلسطين وفلسطيني، أو يسمع هاتين الكلمتين، حتى تتسابق للتعريف والالتصاق بهما تلك السلسة من الكلمات وأمثالها، كأنها أسماءُ علم أو هويةٌ شاملة، تاريخية واجتماعية ووجودية لهم ولفلسطين. هوية كينونية لهم أو بطاقة تعريف بهم، شاملة وفوق أو ما بعد وطنية، وتبتلع سائر الهويات والتعريفات الأخرى، الجزئية والمهنية والشخصية.
محطات من تاريخ الكلمات
مشحونة هي تلك الكلمات بقوة مضاعفة من الانفعالات والمشاعر العاصفة، الفيّاضة والحارقة. وهي تؤرخ لشتى أنواع العذابات والمآسي. والأرجح أنه يستحيل من دونها التعرّف إلى تاريخ الشعب والمجتمع الفلسطينيين، الممزقين والمشتتين منذ العام 1948.
وهو العام الذي تأسست فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي على شطر كبير من فلسطين: الشطر الذي اقتلعت وطردت منه العصابات الصهيونية اليهودية المسلحة، أكثر من نصف الشعب الفلسطيني: 750 ألف نسمة في 400 قرية وبلدة ومدينة دُمّرت كليًا أو جزئيًا. وقد تشرّد هؤلاء ولجأوا إلى الدول والبلدان المجاورة.
لكن جموعًا كبرى منهم لجأت إلى الشطرين غير المحتلين من فلسطين التاريخية: قطاع غزة الذي ضمته وحكمته السلطات المصرية، والضفة الغربية التي ضمتها المملكة الأردنية الهاشمية في العام 1950. وكما أُنشئت للفلسطينيين المقتلعين والمطرودين، مخيماتُ لجوءٍ لإيوائهم في دول وبلدان الجوار، أُنشئت للاجئين إلى غزة والضفة الغربية مخيمات لإيوائهم وإسكانهم.
هذه الموجة الأولى الضخمة من اللاجئين الفلسطينيين، سُمّيت فلسطينيّي الشتات واللجوء، الذين عاشوا في بؤس المخيمات ومهاناتها، حالمين بالعودة الموعودة وربما المستحيلة إلى أرضهم وبلادهم. أما فلسطينيو الأرض المحتلة، فسموا فلسطينيّي 48 الذين ظلوا مقيمين في أرضهم وبلادهم. لكن ما عاشوه ويعيشونه فيها من كتمان وقطيعة ويتم تحت الاحتلال، جعل ويجعل حياتهم وإقامتهم في بلادهم أقرب إلى حياةٍ وإقامة في المنفى والغربة.
وزعمت دولة الاحتلال الإسرائيلي أنها نشأت وقامت على أرض بلا شعب. وكان زعمها هذا، أو إنكارها وجود شعب فلسطيني، قد بدأ قبل نشوئها. أي عندما كانت العصابات الصهيونية اليهودية المسلحة تنفِّذ مجازر عدة متفرقة بالفلسطينيين، متّبعة ضدهم أسلوب تطهير عرقي ممنهج، تراوح بين قتلهم وتدمير ممتلكاتهم وترويعهم. وهذا ما حمل من صاروا لاجئين على الفرار من أرضهم وبلادهم.
حدث هذا كله، فيما كانت الدعاية الصهيونية تشيع وتروّج أن الأراضي التي أنشأت عليها دولتها، هي أرض خالية وموقوفة لوعد توراتي منذ ألفي سنة ونيف، لشعب بلا أرض، هو "شعب" الشتات اليهودي في العالم، والموعود وعدًا خرافيًا بالعودة إلى أرض أهله وأجداده.
وفي 5 حزيران 1967 احتلت إسرائيل -إلى هضبة الجولان السورية وسيناء المصرية- قطاعَ غزة والضفة الغربية الفلسطينيين، فنزح منهما ما بين 250- 300 ألف فلسطيني. ومن بين هؤلاء النازحين نحو 120 -140 ألفًا كانوا من لاجئي العام 1948، فسموا النازحين أو اللاجئين المضاعفين.
سياسات إسرائيل التخريبية
أنا وأمثالي الذين عدنا إلى الضفة الغربية صيف 1994، أعادتنا الانتفاضة الفلسطينية الأولى، السلمية في الضفة وقطاع غزة، والتي سُمّيت "انتفاضة الحجارة". وهي بدأت في العام 1987، وأدت إلى "اتفاق أوسلو" للسلام والعودة، الموقع في العام 1993، بين دولة الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية.
احتفالات أهلنا بعودتنا إلى بلدات الضفة وقراها، أنستنا مهانات ومذلات التفتيش العدواني الذي استقبلنا به الجيش الإسرائيلي على حواجز "جسر العودة"، كأننا مجرمون. لكن بعدما انتهت تلك الاحتفالات، بدأنا نكتشف بالاختبار والتجربة الحية المباشرة الأثر التخريبي الكبير والحاسم للاحتلال الإسرائيلي المديد في تغيرات المجتمع الفلسطيني وتحولاته.
لم أجرّب معنى الاحتلال ولم أعشه إلا في السنوات الثلاث من فتوتي في قريتي بالضفة (1967- 1969). لكن تلك التجربة سرعان ما تحولت كلمة مجردة، رغم أنها كانت سببًا لحياتي طوال 24 سنة في بلاد الشتات، وباعثًا لأحلام العودة والتحرير بالكفاح المسلح الفلسطيني.
وقد انتهت تلك السنوات، سنوات الشتات والكفاح، بعودتي البريئة إلى قريتي، بناءً على اتفاق سلام، لأكتشف بالتجربة اليومية الحيّة خبث السلطات الإسرائيلية، وعنصرية مستوطنيها وأحقادهم في رعاية الجيش الإسرائيلي. إنها سلطات دولة أنشأها مستوطنون على أنقاض الشعب والمجتمع الفلسطينيين. مستوطنون وجيش احتلال استعماري عنصري فاحش، جاؤوا من شتى أصقاع الأرض. والأرجح أن دولة هذه حالها، يستحيل أن تسعى لسلام مع شعب نشأت على طرده من بلاده وإنكار وجوده أصلًا وفصلًا.
.. لتختفي فلسطين من القواميس واللغات
عندما سلّمتنا السلطات الإسرائيلية بطاقات تعريف بنا ومن نكون، وجدنا أن صفتنا في تلك البطاقات، هي: فلسطينيون مقيمون إقامة دائمة في إسرائيل. وهذا يعني أننا قادمون من فلسطين ولسنا عائدين إليها. وليست فلسطين إلا بلادنا الوهمية التي كنا نسميها الأرض المحتلة أو السليبة. وهي ستبقى كذلك وسنبقى نحلم سدىً باستعادتها. أما عودتنا إليها فليست سوى وهم خالص، أو هي موقتة، ويمكن طردنا منها في كل لحظة، ما دمنا لسنا مواطنين فيها، بل وافدون أو مهاجرون من فلسطين إليها، أي إلى إسرائيل التي تبقى إقامتنا فيها إقامة غرباء وأيتام، أشد غربة ويتمًا من فلسطينيي 48 .
وسرعان ما اكتشفنا أن كلمة فلسطين تُرعِب إسرائيل، فتتمنى لو تختفي من التاريخ والقواميس واللغات. والدليل أن من اعترض من العائدين الفلسطينيين على صفته مقيمًا، هددته السلطات الإسرائيلية بالطرد. ومن رفض تسلُّم بطاقته بصفته هذه، طُرد فعلًا. ومدينة القدس التي ضمتها سلطات الاحتلال إلى إسرائيل، دُوّن على بطاقات التعريف بفلسطينييها العرب المقدسيين المقيمين فيها منذ أجيال وأجيال، أنهم مثلنا نحن العائدون: مقيمون إقامة دائمة، ويمكن تهديدهم بالطرد، وطردهم فعلًا. ونحن والمقدسيون نتساوى في احتمال طردنا من بيوتنا وتدميرها، وإسكاننا في السجون الإسرائيلية.
وفي الثقافة الإسرائيلية العامة السائدة، الفلسطينيون هم المحتلون، وهم من مخلفات الغزو العربي الإسلامي لأرض الميعاد التوراتية. وحتى فلسطينيو 1948 المقيمين في بلادهم تحت الاحتلال، يندم الإسرائيليون على منحهم الجنسية الإسرائيلية. ويترجمون ندمهم باتباع سلطاتهم سياسة تخريبية لمجتمعهم الفلسطيني: تأجيج الشقاقات والثارات، بل زرعها في نسيج اجتماعهم وبين جماعاتهم وفئاتهم. وهذا فوق حرمانهم من كثرة من الخدمات العامة والحقوق المدنية. وترك مجتمعهم نهبًا لعصابات الجريمة المنظمة التي تتبادل فيه القتل والثأر، اللذين تعمل السلطات الإسرائيلية على تأجيجهما واستمرارهما، ليظل مجتمع 1948 الفلسطيني غارقًا في الفوضى والتخلف.
فإسرائيل تخاف، بل يرعبها نشوء مجتمع فلسطيني سليم ومعافى، ويبتكر أساليب ديموقراطية في تنظيم شؤون حياته والعلاقات بين جماعاته وفئاته. وقد تزايد رعبها من ذلك، عندما ظهرت كتابات باحثين اجتماعيين فلسطينيين وإسرائيليين رأوا أن المجتمع الفلسطيني يمتلك قابليات تحوّل ديموقراطي، في حال توقف السلطات الإسرائيلية عن اعتماد سياسات خبيثة لتخريبه. لذا ضاعفت تلك السلطات من اتباعها سياسات غايتها اجتثاث أي بادرة أو مبادرة أو تجربة قد تَعِدُ بتحول ديموقراطي في أوساط الفلسطينيين، الذين يجب إما أن يظلوا موقوفين في حال استنقاع اجتماعي، ليسهل تبدديدهم، وإما أن يختفوا تمامًا من الوجود.
إرث منظمة التحرير والتدين الجديد
وكان على السلطة الفلسطينية -الوليدة والناشئة مكبلةً بإرثها الثقيل المتحدر من دبيب الفوضى في منظمة التحرير، ومن تضارب ولاءات فصائلها، شقاقها ومنازعاتها في بلاد الشتات- أن تبرأ من هذا كله، بدل أن تكرسه وتضاعفه في المجتمع الفلسطيني الذي عاش موقوفًا وفي جمود وركود مزمنين تحت احتلال يريد تمزيقه وتبديده، بل يحلم بأن يتبخر ويختفي.
ومنذ توقيعها "اتفاق أوسلو" للسلام، رسمت إسرائيل سياساتها على أن تمنع منهجيًا نشوء نواةِ حكم فلسطيني، مدني ديموقراطي، قابل للعيش والتطور. لذا شجعت في سائر المجتمعات الفلسطينية الموقوفة والراكدة تحت الاحتلال، الولاء للعصبيات العائلية والعشائرية. وهي شجعت أيضًا تفشّي التدين الإسلامي الجديد القائم على التعصب والمحافظة والكبت الاجتماعيين.
وطوال 20 سنة (1967- 1987)، وحتى أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى السلمية وبعدها، طاردت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة والقدس وغزة، قمعت واعتقلت وقتلت وسجنت، كل ناشط في القوى والمنظمات السياسية والاجتماعية الفلسطينية، ما عدا ناشطي التديّن الإسلامي الجديد.
أما السلطة الفلسطينية الناشئة والوليدة، فقد راعت، بل تبنّت الخوف الإسرائيلي من نشوء نواة حكم مدني ديموقراطي في الضفة والقطاع. وذلك خشية أن يزعج ذلك سلطات الاحتلال، فتعمد إلى تقويضه بالعنف وبالهجمات العسكرية التي تدمّر سلطة فلسطينية لم تنشأ أصلًا إلا كطيف يعشش فيه الفساد، وإرث منظمة التحرير في شتات ما قبل العودة إلى ... الاحتلال.
(يتبع حلقة سادسة)
