تجاوز المشّهد كونه مجرّد أرجوحة بريئة تلهو بها طفلة سعيدة الحظ؛ ففي قلب العوز، تحوّل كيس الخيش المثقوب إلى أرجوحة قاسية، يعلّقها نبّاشو القمامة من حاوية إلى أخرى، ليعتصروا منها لحظة فرح مسلوبة.
ووسط هذا المشهد القاسي، كانت الطفلة تتأرجح بين السّماء والقمامة في ذلك الكيس البالي، ريثما يُتمّ مرافقها عناء نبش القمامة، وما إن ينتهي من غربلتها، حتى يكدّس ما جمعه من زجاجٍ وبلاستيك ونايلون وكرتون على درّاجته الهوائيّة.
وللناظر من بعيد، يرى أن صاحب الـ 13 عاماً تقريباً يمتهن حرفةً فريدة تتطلّب مهارة، فهو يسحب أكياس القمامة السوداء المرميّة في الحاوية، ويفرّغها في المحيط، وكأنّه يبحث عن شيء أضاعه يوماً من الأيام، مُخفياً وراءه وجع الحاجة.
"إياكِ أن تصوّريني!"
"إياكِ أن تصوّريني"، جملة قاطعة استقبلني بها "باسم" حين اقتربتُ، ثم أطفأتُ الكاميرا، وسألته عن عمله في نبش القمامة، فردّ بثقة باردة دون أن يرفع بصره: "بهذا العمل نؤمّن قوت يومنا أنا وعائلتي، طعامنا وشرابنا، ولا نحتاج أحداً".
ولم يكن "باسم" الوحيد، بل يكفي أن تتجوّل يومياً في أحياء دمشق أو ريفها لترى جيشاً من النبّاشين غير المباليين، يحمل كل منهم كيس خيش كبير، يبحث عن مواد من النفايات قابلة للبيع أو إعادة التدوير، ثم يترك الأكياس ملقاة، فضلاً عن الروائح الكريهة المنبعثة منها.
وتعكس ظاهرة "نبش القمامة" في سوريا واقعاً مؤلماً يعيشه الكثير من المواطنين، حيث يجد البعض أنفسهم مضّطرين للبحث عن لقمة العيش في أكوام النفايات، أو عن أيّ وسيلة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، نتيجة الأوضاع الاقتصاديّة الصعبة، مُعرِّضين أنفسهم لمخاطر صحيّة ونفسيّة، مع غياب الرقابة من قبل الجهات المعنيّة.
الرزق عـ الأحياء "المريشة"
تبادلتُ الابتسامة مع باسم وأخته، بينما قدّمتُ لهما فطائر الجبن، ثم سألتهم عن طبيعة عملهم، فأجابني "باسم": "لا توجد ساعات عمل ثابتة، لكنّنا نُفضّل العمل باكراً لاستغلال اليوم بأكمله في جمع أكبر قدر ممكن من المواد، متنقلّين بين الحاويات".
وأكّد "باسم" قدرته على تمييز الأحياء السكنية "المريشة" التي تدرّ الرزق، كما وصفها، قائلاً لـ "المدن": "محتويات القمامة هي التي تعكس مستوى عيش الأسر، ونحن نقسّم مناطق العمل بين النبّاشين بالتناوب".
وقاطعت أخته قائلة: "نحن نجمع المواد ونعطيها لأبي ليبيعها للورشات!"، الأمر الذي يكشف عن شبكة واسعة غير شرعية تُدير عملية تدوير هذه المواد، يقف في قمتها تجار كبار محصّنون من الفضيحة، فمهما اتسع نطاق التحقيق في الخوض بعالم النبّاشين، فإنّه لن يتجاوز في أفضل أحواله الورشات الصغيرة.
مُكرَهٌ أخاك لا بطل!
تتنوّع دوافع النبش في القمامة بين الأفراد، ولا تقتصر على الفقر المدقع، أو ندرة فرص العمل، بل قد تكون نابعةً من ضغط الأهل أو الأقارب، خاصة وأن الأطفال هم أوّل ضحايا هذه المهنة القاسية، ولم يكن لهم دور في اختيار هذا المصير على مبدأ "مُكرَهٌ أخاك لا بطل!".
ويقول "مازن" (53 عاماً)، والذي يعمل في التجارة العامة بمنطقة دويلعة في دمشق لـ "المدن": "بعض الأفراد الذين فقدوا منازلهم بسبب النزاعات يلجؤون إلى نبش القمامة كوسيلة للبقاء على قيد الحياة، لأنهم غالباً يواجهون ظروفاً اقتصادية صعبة، ويبحثون عن أيّ مصدر دخل أو غذاء".
وأكمل: "قبل الحد من هذه الظاهرة، علينا دعم هذه الفئة المتضرّرة، بالإضافة إلى فئات أخرى مثل الذين كانوا يعملون في وظائف وخسروها، قد يجدون أنفسهم بلا عمل، ويمكن أن يصبح نبش القمامة خيارهم الوحيد".
وبينما يُظهر البعض تعاطفاً مع معاناة النبّاشين، يرى آخرون أن تفاقم هذه الظاهرة يسبّب مشكلة كبيرة تتطلّب حلاً شاملاً من قبل الجهات المعنيّة، عبر اتخاذ خطوات عاجلة في توفير فرص عمل بديلة للمحتاجين، وتحسين خدمات جمع النفايات.
النفايات المتحلّلة وجبة دسمة!
يعاني أهالي المناطق السّكنية باختلافها في دمشق وريفها من انتشار النباشين في أحيائهم، بحسب ما قال المخبري "فراس" (35 عاماً) لـِ "المدن"، واصفاً: "النفايات المتحلّلة وجبة دسمة للذباب، والبعوض، والفئران، والجرذان التي تُعد نواقل رئيسية للجراثيم، والأمراض المعدية".
وأضاف "فراس" الذي يقطن بمنطقة الزبلطاني في دمشق: "إذا تم فرز القمامة، وتركها من قبل النبّاشين عشوائياً، يمكن أن ترشح منها مركّبات سامة، ومواد مسرطنة تضرّهم بشكل مباشر، وتضر السّكان القاطنين في المنطقة نفسها".
وأكدت دراسات متخصّصة أن "العمل في النفايات يُعرِّض العاملين لمخاطر صحية جَسيمة، تشمل الجروح القطعية، والتسمّم الكيميائي، والأمراض التنفسيّة، والجلديّة من الغازات والمواد المتحلّلة، كما يرفع الاحتكاك المباشر خطر الإصابة بالأمراض المعدية مثل الكوليرا والتهاب الكبد".
وأثبتت الدراسات أن "العمل بين النفايات يترك آثاراً نفسيّة عميقة على النباشين، حيث يتصارعون يوميّاً مع مشاعر الإهانة والدونيّة، ومن الممكن أن تدفعهم طبيعة عملهم القاسية إلى العدوانيّة أو ربما العزلة والاكتئاب".
حلول بديلة تزيد الطين "بلّة"
ولجأت بعض الأحياء السكنيّة في دمشق وريفها إلى الحرق العشوائي للنفايات، الأمر الذي يزيد الطين "بلّة" ويطلق غازات سامة تفتك بالسكان، فيما اختارت أحياء أخرى إزالة القمامة على نفقتها الخاصة مرّة واثنين وثلاثة إلى أن "طفح الكيل".
ويتكرّر مشهد تراكم القمامة في ظل غياب متواصل لآليات جمع النفايات الرسمية، وذلك يعود إلى عدّة أسباب، منها نقص المازوت واللوازم الأساسية، فضلاً عن نقص الأيدي العاملة، بحسب ما تستند إليه البلديات والجهات المعنية.
وكما قال صاحب إحدى البقالات في دمشق لـ "المدن": "كل حين ومين ليجوا يشيلوها مرّة.. اختنقنا من الريحة وكل هالشي بيعمل أمراض، وهنن غارقين بالحجج والتبريرات".
وفي خضم هذه العشوائية، أبصرت النور شركات خاصّة تتقاضى اشتراكاً شهرياً قدره 20 ألف ليرة سورية تقريباً من كل منزل لترحيل القمامة، من أمام أبواب المنازل في مناطق مختلفة في دمشق وريفها، كنوع من الخصخصة وسد الحاجة.
شبكات مخفيّة ورقابة مختفية!
عامل النظافة "أبو جمال" (43 عاماً) تحدّث لـ "المدن"، متذمّراً: "لم يعد الأمر نشاطاً فردياً، بل تحوّل إلى شبكات مخفيّة تدير عمل النبّاشين، في جمع المعادن والنحاس والألمنيوم، ومن ثم فرزها، وبيعها لجهات غير معروفة بالكيلوغرام".
وأضاف: "يجب منع بيع وشراء هذه المواد لمحاصرة المهنة، إضافة إلى فرض غرامات وعقوبات على كل من يعمل بها، ولكن للأسف الرقابة غائبة ومختفية".
وبالرغم من محاولات "المدن" المتكرّرة لأيّام عديدة التواصل مع محافظة دمشق للحصول على إحصائيات أو معرفة الإجراءات الحالية الرادعة، ومدى إمكانية تطبيق إعادة التدوير بطريقة رسمية ومنظّمة ومحميّة، إلا أن الأمر انتهى دون أي استجابة من الجهات المعنيّة.
آلية العمل و"بورصة" الحاويات
يجمع النبّاشون المواد القيّمة من الشارع أو حاويات القمامة، ويبيعوها بأسعار زهيدة لورشات التجميع، التي تفرزها باختلاف أنواعها (بلاستيك، كرتون، نايلون، معادن)، وتنظّفها، تقطّعها، ثم تخزّنها لتبيعها للوسطاء، ومن ثم للمصانع كبديل رخيص للمواد الخام.
ويختلف الربح بشكل كبير حسب المنطقة، وأسعار الخردة المحليّة، وكثافة النفايات، وكفاءة النبّاش نفسه، إلا أن عملية حسابية بسيطة بناءً على أسعار السوق تكشف حجم المأساة، فبالرغم من صعوبة تحديد رقم دقيق، يمكننا تقدير متوسط دخل النبّاش اليومي خلال نهار عمل طويل وشاق.
وللوصول إلى حقيقة هذه الأرقام، خاضت "المدن" مغامرة استقصائية، حيث تظاهر أحد أفرادها بدور "نبّاش" ليدخل ورشة صغيرة في ريف دمشق، ومعه كميّة من البلاستيك، وهناك، كشف صاحب الورشة "أبو جعفر" عن "بورصة" القمامة، وغالباً ما يشكّل النحاس الأصفر والأحمر الجزء الأكبر من القيمة.
"ويتراوح كيلو النحاس الأحمر المستخرج من الحاويات بين 60 و70 ألفاً، أما النحاس الأصفر، فيتراوح سعره بين 35 و40ألف ليرة سورية"، بحسب "أبو جعفر".
"ويبلغ سعر كيلو الألمنيوم بين 8 و10 آلاف، أما الكرتون، فيتراوح سعر الكيلو غرام بين 1500 وما فوق حسب النوع، وبالنسبة إلى البلاستيك، فيبلغ سعر الكيلو الواحد 1000 ليرة سورية، أما الحديد فيبلغ سعر الكيلو غرام 500 ليرة سورية".
عرقٌ رخيص لثرواتٍ طائلة
بعملية حسابية بسيطة، يتبيّن أن النبّاش الذي يقضي أكثر من 10 ساعات غارقاً في القمامة، لا يتجاوز متوسط دخله اليومي 50 ألف ليرة سورية، في حال استطاع جمع ما يقارب 20 كيلوغراماً من المواد المتنوعة، أي ما يقارب الـ 5 دولارات أمريكية إذا كان سعر الدولار مقابل الليرة السورية 10 آلاف فقط، وهو مبلغ لا يغطي ثمن وجبة طعام متواضعة.
يبدو أن الجهد والمخاطر التي يتحمّلها النبّاش، والطفولة التي تضيع في أكياس الخيش، هي وقود لثروات تجنيها جهات غير معروفة تكدّس الأموال أكياساً تليها أكياس بحجم أكياس القمامة المتبعثرة، وربما أكثر بكثير، وما على المواطن السوري الذي يراقب أرجوحة الطفلة البائسة سوى القول: "الناس بالناس، والقطّة بالنفاس".
