بلديات الشمال على حافة الإفلاس.. تعجز عن جمع النفايات!

جمال محيشالجمعة 2025/12/19
Image-1766062035
البلدية عاجزة عن إطلاق أي مشاريع إنمائية وتأمين أبسط المستلزمات الضرورية (جمال محيش)
حجم الخط
مشاركة عبر

الإهمال والتهميش والحرمان، صفات لطالما استمَدّت حضورها ومعانيها من محافظتيّ الشمال وعكار. ففي مدينة المنية، على سبيل المثال، بقيت النفايات مكدسة في الشوارع والساحات لأربع سنوات خلَت. جاء المجلس البلدي الجديد، فاستبشر الناس خيرًا بحد أدنى من الأمل في رفعها وتصريفها. لكن الفرج جاء على حساب المواطنين، حيث فرضت البلدية خمسمئة ألف ليرة على كل بيت شهريًا لرفع النفايات، والسبب أن الصندوق البلدي خاوٍ وعاجز عن تغطية كلفة رفعها. وهذا المشهد يتكرر في بلديات عديدة بين عكار والشمال. فالبلدية التي كان يفترض بها أن تخفف شيئًا من وطأة الحرمان، وجدت نفسها تواجه مسؤوليات جمّة بإمكانات شحيحة ومتواضعة، وسط أزمة مالية هي الأكبر منذ عقود.

 

إدارات طوارئ

ولأنّ الأزمة لم تكن وليدة اللحظة، بل نتاج تراكم طويل من السياسات الخاطئة، والهدر الممنهج، وغياب المحاسبة، وصولًا إلى العجز المالي الذي أطاح بمداخيل الدولة وضرب أساس النظام النقدي... كان من الطبيعي أن تتراجع تحويلات الصندوق البلدي المستقل إلى حدّها الأدنى. وتوقّفت عمليًا قدرة البلديات على التخطيط والتنفيذ، بعدما تحوّلت معظم مجالسها إلى إدارات طوارئ تسعى فقط إلى تأمين الحدّ الأدنى من الخدمات.

 

البلديات اليوم بمجملها تعيش على حافة الإفلاس بموازناتٍ رمزيّة. ففي محافظتي الشمال وعكّار، تشير الأرقام إلى أنّ إيرادات بعض المجالس كانت تتراوح بين 80 و120 ألف دولار سنويًا قبل الأزمة، ولم تعد اليوم تتجاوز 10 آلاف دولار. وزد على ذلك أنَّ طرح خيار الجباية المحلية، كبديل نظري، غير مجدٍ كما تُظهر كل الوقائع الميدانية، لا سيّما أن أرقام الرسوم المحصّلة في بعض بلديات الشمال وعكّار، لا تتجاوز في أحسن الأحوال عتبة 1000 أو2000 دولار شهرياً. وهي مبالغ لا تكفي لتغطية كلفة شهر واحد من رفع النفايات! ومع ذلك، ثمة أعباء لا يمكن إعفاء البلديات منها: من صيانة الطرق إلى تأمين الإنارة وتأمين رواتب الموظفين.

 

رواتب متأخّرة وشلل في الخدمات

رغم أنّ هذا الواقع ينسحب على معظم البلديات في لبنان، إلا أنّنا نتوقّف هنا عند نموذجين من محافظتي الشمال وعكّار. وفي هذا السياق، يقدّم رئيس بلدية الميناء عبد الله كبّارة في حديثه لـ"المدن" صورة مباشرة عن حجم المأزق، كاشفًا أنّ المجلس البلدي تسلّم مهامه فيما كان الموظفون محرومين من رواتبهم منذ أكثر من ستة أشهر، في مؤشر واضح على عمق الأزمة المتراكمة.

ويؤكد كبّارة أنّ البلدية اليوم عاجزة، ليس فقط عن إطلاق أي مشاريع إنمائية، بل حتى عن تأمين أبسط المستلزمات الضرورية للعمل البلدي. فالطرقات والأرصفة المتضرّرة، وشبكات التصريف المهترئة، باتت تحتاج إلى صيانة عاجلة، إلا أنّ غياب السيولة يحول دون تأمين مواد أساسية كالرمل والزفت. هذا فضلًا عن مستلزمات البنى التحتية الأخرى. 

 

ويشدّد على أنّ هذه الخدمات ليست ترفًا، بل حقوق بديهية للمواطنين. لكن البلدية باتت غير قادرة على تلبيتها في ظلّ واقع مالي خانق، مضيفاً أنّ الاعتماد على الرسوم البلدية وحدها لم يعد خيارًا واقعيًا، في ظلّ تراجع مداخيل شريحة واسعة من الأهالي وعجزهم عن تحمّل أعباء إضافية. لكنّ المجلس يعمل على إعادة تفعيل الجباية حيث أمكن، إلى جانب إجراء مراجعة شاملة للأماكن والأنشطة التي يمكن أن تشكّل موردًا مشروعًا للبلدية، في محاولة محدودة لإعادة ضخّ بعض الإيرادات، رغم الإقرار بأنّ ما يُحوَّل من الصندوق البلدي المستقل يبقى غير كافٍ إطلاقًا لمواجهة حجم الاحتياجات.

 

عجز البلديات في عكار

لا يختلف الوضع كثيرًا في محافظة عكّار. ويقول نائب رئيس بلدية وادي الحور، محمد الأحمد إنّ الموارد المالية التي تصل البلديات اليوم لا تشكّل حتى 5% مما كانت عليه قبل الأزمة. فالمخصصات التي كانت تصل سابقًا لنحوٍ من 100,000 دولار باتت لا تتجاوز حاليًا عتبة  5000 دولار.

ويضيف الأحمد أنّه لا توجد مخصصات لشرطة البلدية، وأن هذه الأموال لا تكفي حتى لتغطية جمع النفايات، ما يدفع المجلس لإعادة فرض بعض الرسوم محليًا لتأمين استمرار رفعها.

 

ويشير إلى أنّ البلدية تحاول تغيير هذا الواقع من خلال تقديم مشاريع للجهات والجمعيات الأجنبية. لكنه يؤكد على ضرورة أن تُعيد الدولة النظر باستحقاقات البلديات وترفعها على الأقل بنسبة 50% لضمان استمرار الخدمات الأساسية وصمود الإدارة المحلية في مواجهة الانهيار المالي.

 

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى يمكن للبلديات ان تصمد وتستمرّ وهي محاصرة بين أثقال الإنهيار وأوزاره وبين عجزها عن تحميل المواطنين أعباء اضافيّة؟ فإما أن يُعاد الاعتبار لدورها عبر تمكينها ماليًا وإداريًا، ضمن رؤية إصلاحية شاملة، وإما أن يستمر هذا النزيف الصامت، حيث تتآكل الإدارة المحلية شيئاً فشيئاً، ومعها ما تبقّى من ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث