في متابعة لما كشفته "المدن" من فساد في مالية النبطية، أدّت إلى صدور قرار بنقل تأديبي للموظف ع.ع. إلى صيدا بقرار من وزير المالية ياسين جابر، تواصلت تحقيقات "المدن" الاستقصائية التي بدأت منذ مدة طويلة، لكشف خبايا تشكّل فضيحة كبرى حول كيفية استخدام مسؤولين النفوذ والسلطة لتكديس أموال على حساب الإدارة العامة.
شكاوى المواطنين
توسّعت تحقيقات "المدن" بعد إبلاغ أحد المواطنين الموثوقين (نتحفظ عن ذكر اسمه وصفته منعًا لأي ردّ انتقامي) عن حادثة حصلت معه شخصياً منذ نحو ثلاثة أشهر. حضر إلى سراي النبطية لدفع إيصال مالي في المحتسبية المالية فأبلغته الموظفة أن الدفع متوقّف في المحتسبية، وأنّ عليه التوجّه للدفع في شركة تحويل الأموال. وعندما حارجها بعدم قانونية الأمر مستفسراً عن الجهة التي عمّمت هكذا أمر، قالت الموظفة إن أحد المسؤولين عمّم عليهم الأمر. وأعرب العديد من المواطنين الذين تواصلت معهم "المدن" عن رأيهم بأنّ المصلحة المالية الإقليمية في محافظة النبطية هي بمثابة بؤرة فساد، مشيرين إلى أنّ رائحة "السّمسرات" تعبق في أرجاء المحافظة جرّاء احتجاز معاملات المواطنين بغية تلقي رشاوى مالية منهم.
لكن بعيداً عن هذا الأمر الذي بدأ جهاز أمن الدولة التحقيق بشأنه منذ نحو أسبوع، تكشف "المدن" بهذا التقرير جانبًا من الفساد المنظّم والموثّق. وهذا معطوف على معلومات خاصة تُفيد بأنّ التفتيش المركزي بدأ باستدعاء موظفين كبار للتحقيق معهم.
شركة لزوجات مسؤولين
حصلت "المدن" على وثائق رسمية، ليس من شأنها الإطاحة بمسؤولين في النبطية، بل تطال مسؤولين في بيروت. وفي هذا الإطار ما على النيابة العامة إلا سحب "الداتا" الخاصة بشركة "خدمات ش.م.م." رقم السجل التجاري ١٠٢٩٣٣٧، تأسّست عام 2023، في بيروت، ومعرفة كيف تأسّست، ومن هم الشركاء، وما هي وظيفتهم في المالية، وصلات القربى بين الشركاء وموظفين كبار آخرين يحتلّون مناصب حسّاسة في المالية أيضاً.
بعيداً عن بيروت التي تحتاج إلى مجلّدات، تركّزت استقصاءات "المدن" على كشف خيوط شبكة الفساد في النبطية، حيث كان رأي أكثر من مصدر أن البعض يجني أموالاً طائلة على حساب الموقع الوظيفي، ويستغل حاجة المواطنين لتخليص معاملاتهم. وقد حصلت "المدن" على وثائق رسمية تدين أحد المسؤولين أ. ر.، الذي سجّل مكتب شركة تحصيل أموال خاصة (Cash Plus) باسم زوجته ش. ش. ب.، ومكتب الشركة موجود في الطبقة الأرضية من مبنى المالية، الكائن في شارع السراي، حي الميدان. وبالمناسبة، يظهر اسم الزوجة من ضمن الشركاء في شركة "خدمات" الآنفة الذكر، إلى جانب زوجة أحد المسؤولين العموميين.
ووفق مصادر "المدن" منذ افتتاح مكتب الشركة في الطبقة الأرضية للمالية بالنبطية، بات الموظفون يرشدون المواطنين لتسديد فواتيرهم هناك. عندما يحضر المواطن وينجز المعاملة (لا سيما المعاملات الدسمة، أي رسومها مرتفعة) ويسأل الموظف عن الخطوة التالية لدفع الرسوم، لا يُرشده إلى المحتسبية المالية في مبنى السراي حيث تجبى الأموال العمومية، بل يقول له: "ادفع في أسفل البناية". ويستسهل المواطن الأمر وينجز الدفع بسرعة ويصعد لتسليم الإيصال المالي. ولا يعرف أنّ خلف هذا المخطط يقف مسؤول كبير استغلّ منصبه ونفوذه وسلطته لجني الأموال على حساب المصلحة العامة.
لم ينتبه أحد بداية، إلى التفاصيل المكتوبة على الإيصال المالي الذي يسدّد في الشركة الآنفة الذكر، خصوصاً أنّ المواطن يكون على عجلة من أمره ولا يمنح نسخة ثانية عن الإيصال. بل يذهب سريعاً لتسليم الإيصال للموظف المعني في المبنى عينه.
سها عن تبديل اسم المكتب
وتبيّن لـ"المدن" أنّ الإيصالات المالية التي يُصدرها فرع Cash Plus، تتضمّن اسم العميل مع الشركة، إلى جانب اسم الشخص المكلّف بتسديد الرسم، كما يظهر اسم زوجة هذا المسؤول على الإيصالات. وعندما بدأ البعض يهمس بأنّه افتتح مكتب الشركة باسم زوجته وأنه يستغلّ منصبه، أدرك الهفوة القاتلة. وعمل على تغيير اسم العميل على النظام. وباتت الفواتير تتضمن اسم الموظفة في المكتب هـ. د. وقد حصلت "المدن" على نماذج تُثبت هذا الأمر.
غيّر المسؤول اسم العميل على الفاتورة لإخفاء اسم زوجته وإبعاد أي شبهة عنه، لكنّه سها عن تغيير اسم المكتب على الموقع الإلكتروني لشركة .CASH PLUS لم ينتبه أن الشركة تضع اسم الشخص المعني في كل فرع لها في لبنان على الخريطة التابعة لها، وعليه ما برح اسم زوجته مدوّنًا حتى هذه اللحظة على الموقع. وما على النيابة العامة المالية إلا اعتبار هذا التحقيق بمثابة إخبار، والتحرّك الفوري للاقتصاص من الفاعلين.
