أطلقت وزارات الصحة العامة، والتربية والتعليم العالي، والشباب والرياضة، وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، الحملة الوطنية حول صحة المراهقين تحت عنوان "ترند صحي"، في السراي الحكومي. والحملة نتاج عمل مشترك بين الوزرات، وبرعاية السفيرة سحر بعاصيري. ويستشف منها أنّ صحة المراهقين لم تعد شأنًا هامشيًا، بل قضية دولة، ولو نظرياً على الأقل.
التفكير بالانتحار
للوهلة الأولى، قد يبدو اسم الحملة خفيفًا، ابنَ عصره، قريبًا من لغة المنصّات. لكن ما إن تُفتح الملفات، حتى يتبيّن أنّ "الترند" هنا ليس زينة لغوية، بل محاولة جادّة للاقتراب من جيل يعيش على إيقاع الأزمات، ويُطوّق يومياً بمخاطر أكبر من عمره. وما تقوله الأرقام التي تستند إليها الحملة لا تقرأ بسرعة. فقد تبيّن من نتائج المسح العام للصحة المدرسية للعام 2024، في عيّنة مؤلفة من 3750 طالباً (من عمر 13 إلى 17 عاماً) من 51 مدرسة خاصة وحكومية، أن 19 في المئة من المراهقين يشعرون بالوحدة معظم الوقت. ربعهم تقريبًا يعانون قلقًا يؤثّر على نومهم و27 في المئة يعيشون توتراً متكرراً. أما الأفكار الانتحارية، فهي صادمة بوضوحها: 18 بالمئة فكّروا بالانتحار بجدية، و22 بالمئة منهم وضعوا خطة لذلك، و14 بالمئة من هؤلاء حاولوا الانتحار فعلياً.
أجساد ساكنة… وأنماط حياة مختلّة
ليلٌ قصير، وجلوس خلف الشاشات لفترات طويلة، وعقول لا تعرف متى تهدأ. هذا ما يكشفه الاستطلاع الذي أظهر أن 63 بالمئة من المستطلعين ينامون أقل من 8 ساعات، و71 بالمئة يقضون أكثر من 3 ساعات يوميًا أمام الشاشات.
أجساد تُدار من خلف الشاشات، ومساحات لعب ورياضة تتقلّص، ونمط حياة يُنتج أمراض الغد بهدوء. ففي الغذاء والنشاط البدني، الصورة لا تقلّ قلقًا. فقد تبين أن 36 بالمئة يعانون من زيادة الوزن أو السمنة. ونصف المراهقين تقريبًا لا يتناولون الفواكه أو الخضار يوميًا، و80 بالمئة لا يمارسون نشاطًا بدنيًا يوميًا، و 63 بالمئة يقضون أكثر من 3 ساعات جالسين.
التدخين، الكحول، والمخدرات: الهروب المبكر
أما المواد الضارة، فهي قصة هروب مبكر. فقد ظهر أن 29 بالمئة من المراهقين يدخنون حاليًا، جزء كبير منهم بدأ قبل سن 14. السجائر الإلكترونية تحجز مكانها، والكحول حاضر، حيث أفاد 11 بالمئة باستخدامه حاليًا، وغالبيتهم بدأوا في سن مبكرة جدًا.
الأدوية النفسية من دون وصفة، المهدئات، وحتى المخدرات، كلها تدخل المشهد. وتبين أن 79 بالمئة ممن جرّبوا المخدرات فعلوا ذلك قبل سن 14 عاماً، كأن الطفولة تُستبدل باكرًا بمحاولات تخدير، في بلدٍ لا يقدّم بدائل كافية.
وأخيراً تبين أن 73 بالمئة من الطلاب لا يرتدون حزام الأمان، وقد تعرّض 8 بالمئة منهم لإصابات مرتبطة بحوادث الطرق. وكأن السلامة مسألة مؤجّلة، أو غير مطروحة أصلًا، في يوميات المراهقين.
هذه ليست أرقامًا تقنية؛ بل مؤشرات على جيل يتآكل من الداخل. جيل نشأ بين انهيار اقتصادي، وخوف أمني، ومدارس منهكة، وأفق ضبابي. هنا، يصبح السؤال أبعد من الصحة: أي مستقبل يُبنى فوق هذا الكم من القلق؟
خطاب مباشر إلى جيل مُتعب
في كلمتها، لم تتحدث السفيرة سحر بعاصيري بلغة مثالية. قالت إن الحملة تعني أكثر من 900 ألف مراهق في لبنان. ووجّهت رسالة واضحة:
أن تكونوا "مِناح" لا يعني أن تكونوا كاملين، بل أن تمتلكوا القوة لاتخاذ قرارات تحمي سلامتكم. اعتراف صريح بأن هذا الجيل يعيش نتائج أزمات لم يصنعها، وبأن صحته النفسية والجسدية والاجتماعية أولوية وطنية، لا شعارًا موسميًا.
المدرسة: من صفّ إلى بيئة حياة
وزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي ربطت الحملة برؤية الوزارة حتى عام 2030. المدرسة، وفق هذا التصوّر، ليست مكانًا لتلقين المعرفة فقط، بل هي فضاء آمن يفترض أن يحتضن الصحة النفسية والاجتماعية للمتعلمين.
تحدثت عن إدماج مفاهيم الوقاية والصحة النفسية ضمن الكفايات الحياتية في المناهج، وعن استثمار واعٍ في الفضاء الرقمي، لتحويل "الترند الصحي" إلى مساحة يشارك فيها الشباب بأصواتهم وخياراتهم، لا مجرد جمهور يُلقّن.
الشباب والرياضة: الجسد كجزء من الحل
من جهتها، شددت وزيرة الشباب والرياضة الدكتورة نورا بيرقداريان على التزام الوزارة بتمكين الشباب، وتعزيز الأنشطة التي تروّج لثقافة الرياضة، معتبرة أن الشراكة مع منظمة الصحة العالمية تفتح الباب أمام خطط توعوية مشتركة تتجاوز المناسبات.
من حملة إلى مسار وطني
ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان الدكتور عبد الناصر أبوبكر وصف إطلاق "ترند صحي" بأنه ليس مجرد حملة، بل حركة من أجل صحة المراهقين، مؤكّدًا أن كل شاب وشابة في لبنان يستحقون فرصة للنمو والمساهمة في مستقبل أقوى.
أما وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين، فاعتبر أن ما أُطلق اليوم هو بداية مسار إصلاحي متكامل. مسار يقوم على مخاطبة المراهقين بلغتهم، وعبر أدواتهم، وعلى إنشاء لجنة وطنية متعددة القطاعات تعمل على إعداد الاستراتيجية الوطنية لصحة المراهقين، بالاستناد إلى الدليل العالمي AA-HA، مع مواءمته لخصوصية الواقع اللبناني.
ما بعد "الترند"
في بلدٍ اعتاد تأجيل الأزمات حتى تنفجر، تبدو هذه الحملة محاولة لالتقاط الخطر قبل أن يتحوّل إلى قدر. لكن النجاح لن يُقاس بعدد المنشورات أو الفيديوهات، بل بقدرة الدولة والمجتمع على تحويل الوعي إلى سياسات، والخطاب إلى حماية فعلية.
صحة المراهقين ليست تفصيلًا. هي الامتحان الحقيقي لما تبقّى من فكرة الدولة. فإما أن يُترك هذا الجيل وحيدًا في مواجهة قلقه، أو يُعطى أخيرًا ما يستحقه: فرصة أن يكبر بصحة نفسية وجسدية جيدة.
