مرض"كريسماس" يسرق بهجة الأطفال

خزامى مكارمالاثنين 2025/12/15
Image-1765637579
العلاج الوقائي المنتظم يهدف إلى الحفاظ على وظيفة المفاصل والعضلات ومنع نزيف الدم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

حين نسمع كلمة "كريسماس"، تقفز إلى أذهاننا صور الهدايا، وزينة الميلاد، وأجواء الفرح، وبهجة الإحتفال. لكن لا يخطر في بال أحدنا أن خلف هذا الاسم يختبئ مرضٌ خطيرٌ يلازم المصاب طوال حياته، وهو "مرض كريسماس".

 

أصيبت أمّ بهاء الصدمة لدى سماعها أن وحيدها مصاب بهذا المرض،و هو لا يتجاوز سبعة أيام من عمره. وتقول: "لم أعلم ماذا حلّ بي، ودخلت في حالة من الإنكار". 

 

بدورها لم تكن ليال اسماعيل الجوهري تعلم أي شيء عن هذا المرض، عندما أخبرها عنه الطبيب، بعد ساعات من ختان صغيرها. وتقول: "كنت أشاهد حالات مشابهة على التلفزيون وأقول في سرّي "الله يكون في عون أهلن". لكن "لم أكن أتوقع أن أكون واحدة من هؤلاء الأمهات".

 

أما عبير حريشيّة فكانت أكثر جاهزية من سابقتها عند تبليغها بعد الولادة بشهرواحد أن ابنها عبد الرحمن مصاب بمرض "كريسماس"، لمعرفتها باحتمال نقله وراثيا لطفلها، نظرًا إلى وجود المرض في العائلة. فأخوها الأكبر مصاب أيضاً، وهي حاملة  للمرض وناقلة له. وعلى رغم ذلك تقول: "عشت فترة صعبة جداً. لازم ابني البيت 21 يوماً، وهو ينزف نزفاً داخلياً في معدته".

 

وتضيف: "علاجه تطلّب 63 حقنة بسعر 500 دولار للحقنة الواحدة، فضلاً عن أنه، مع كل عودة إلى المدرسة يجد ولدي نفسه أمام نظرات غريبة من زملائه، وعبارات تنمّر لعجزه عن مشاركتهم أبسط الرياضات كـ "الفوتبول"، ما دفعه إلى ممارسة هذه اللعبة من دون علمي، وكأنه يحاول استعادة جزء من حياته الطبيعية".

 

لم يسرق المرض من المصاب  طارق حسن طفولته فحسب، بل انتزع منه ركبته اليسرى في عمر مبكر. فابن السابعة والأربعين عامًا اليوم يتعايش مع مفصل بلاستيكي وجفاف في معظم مفاصله بسبب النزف المتكرر. وهذا يجعله يتغيّب عن عمله، ويعيش عزلة اجتماعية لفترات طويلة، لعدم قدرته على الخروج، خوفاً من نزيف مفاجئ، فيعيش في وضع نفسيّ صعب غالب الأحيان.

 

"الكريسماس ": الأسباب والأعراض

يلفت اختصاصي أمراض الدم وأورام الأطفال الدكتور بيتر نون أنّ المرض  "Christmas disease"  سمّي بهذا الإسم نسبة  إلى "ستيفن كريسماس"، وهو طفل كندي تم تشخيصه بالمرض في عمر الخمس سنوات في العام 1952". ويشرح في حديثه إلى "المدن"، أنّ "مرض كريسماس هو الإسم الآخر للهيموفيليا باء تحديدًا. وهو نوع من أنواع الهيموفيليا الذي يعرّف بأنه اضطراب نزفي ناتج عن نقص العامل التاسع في الدم، المسؤول عن إتمام عملية التخثر في شكل طبيعي. وهو يصيب الذكور في شكل شبه حصري، لأنه ينتقل عبر الكروموزوم X من الأم إلى ابنها". 

ويضيف: "في معظم الأحيان نكتشف المرض في مرحلة مبكرة جدًا من حياة الطفل، وغالبًا ما يكون الختان هو المحطة الأولى التي تثير الشكوك. إذ يلاحظ الأهل والطبيب أنّ النزيف بعد هذه العملية البسيطة غير طبيعي وغزير مقارنة بما هو متوقّع". عندها تُجرى الفحوص المخبرية اللازمة الخاصة بنقص عامل التخثر التاسع للتثبّت من تشخيص المرض من عدمه.

ويقول نون إنّ شدة النزف تختلف تبعًا لمستوى هذا النقص، "فمن المصابين من يكون لديهم نقص خفيف أو متوسط، ومنهم من يعانون نقصاً شديداً. وهذه الحالات هي الأشد خطورة، حيث يتعرّض المصاب لنزف حادّ من المفاصل أو العضل، يرافقه تورّم وألم حاد".

ويضيف: "مع تكرر النزيف في المفصل الواحد يمكن أن يصل الأمر إلى تلف دائم فيه، ما يعرّض الطفل لاحقًا لخطر الإعاقة أو يصبح في حاجة إلى استبدال المفصل جراحيًا".

أما عن العلاج، فيوضح نون أن الأساس هو تعويض العامل الناقص عبر حقن "فاكتور 9"، وهي حقنة تُعطى في الوريد، مشدداً على أهمية العلاج الوقائي المنتظم، من خلال أخذ هذه الحقن بشكل دوري، لمرتين في الأسبوع، بهدف الحفاظ على وظيفة المفاصل والعضلات، ومنع حدوث النزيف من الأساس قدر الإمكان.

 

العلاج الفيزيائي ضرورة

بما أن المرض مرتبط بنزف العضل والمفاصل، فمن متطلباته أيضاً زيارات دورية لمركز العلاج الفيزيائي. وهنا يوضح المعالج الفيزيائي المتخصص في علاج حالات الهيموفيليا الدكتور سيزار حداد "ضرورة خضوع مرضى الهيموفيليا لتقييم دوري كل ثلاثة أشهر، لمراقبة أي أثر محتمل للمرض على المفاصل. ومن المفضّل أن تبدأ المتابعة حين يبلغ الطفل عامه الأول ويبدأ بالمشي، لأن التشخيص المبكر يساهم في الحد من المضاعفات على المدى البعيد."

ويضيف أن "العلاج الفيزيائي للمرضى يقوم على خطة تأهيل، تتضمن تمارين علاجية خاصة للعضلات والمفاصل، تُصمّم لكل مريض بحسب وضع المفصل المتضرر، بهدف استعادة وظيفته قدر الإمكان، وتحسين قدرة المريض على الحركة."

ويرى المعالج الفيزيائي أن دوره يتجاوز التدخل العلاجي المباشر إلى العمل الوقائي. ويقول: "جزء كبيرمن عملنا يقوم على تحسين نوعية حياة المصابين من خلال جلسات منتظمة لتقوية العضلات. فكلما كانت العضلات أقوى، تمكّنا من حماية المفاصل وخفّضنا من احتمال النزيف."

في المقابل، يحذّر حداد من "بعض أنواع الرياضات المحظورة على مرضى الهيموفيليا، خصوصاً تلك التي تتطلب احتكاكًا جسديًّا، أو التي تؤدي إلى ضغط كبير على المفاصل، لأنها ترفع احتمال حدوث النزيف وتضرر المفصل تباعاً".

 

الجمعية اللبنانية للهيموفيليا الداعم الأكبر

وفق آخر إحصاءات للجمعية اللبنانية للهيموفيليا، الصادر في العام 2025، يوجد في لبنان 58 حالة من مرض "كريسماس"، وهم يشكلون 11 في المئة من مرضى سيلان الدم الوراثي المسجلين في الجمعية. وهي تعنى بمتابعة 577 مريضاً يعانون نقص عوامل التخثر وسيلان الدم.

تؤمّن الجمعية اللبنانية للهيموفيليا رعاية شاملة للمصابين بالمرض، تبدأ من مرحلة التشخيص، وتمتدّ إلى تدريب الأهل والمصابين على أخد الحقن الوريدية بأنفسهم، لأن السرعة في تلقي العلاج عند حدوث النزيف تعدّ عاملاًً حاسما في حماية حياة المريض وتجنّب المضاعفات.

وتشير رئيسة الجمعية اللبنانية للهيموفيليا "سولانج صقر" إلى أن الجمعية "تحرص دائمًا على توعية المرضى حول نوع الإصابة وأسبابها، وطرق الوقاية من النزيف الناتج عنها، بهدف تمكينهم من إدارة حياتهم اليومية بأقل قدرممكن من المخاطر."

وتلفت إلى أن "الجمعية عضو في الإتحاد العالمي للهيموفيليا، ما يتيح لها الحصول على هبات على شكل أدوية تقدّمها الجمعية مجانًا كعلاج للمرض، خصوصًا في الفترات التي يتعذر فيها على وزارة الصحة توفير الدواء."

وعلى الصعيد الإجتماعي والنفسي، تقول رئيسة الجمعية اللبنانية للهيموفيليا: "نحن نقدم دعمًا نفسيًّا للمصابين وعائلاتهم ، كما نعمل على تسهيل اندماجهم في المدارس والجامعات، من خلال حملات توعوية للمجتمع لتعزيز تقبّل هذا المرض، وفهم حاجات المرضى وضمان حقهم في التعليم والعمل".

"الكريسماس" بالنسبة إلى لمصابين وعائلاتهم ليس موسمًا عابرًا، بل هو شريك حياة يعيد ترتيب الأولويات ويحدد المسموح والمحظور، كما يكشف واقعًا قاسيًا يفرض على عشرات العائلات في لبنان التعامل مع النزف كاحتمال يومي، يدفعم قسرًا إلى تعلم لغة الطب وتقنيات الحقن لإنقاذ أنفسهم وفلذات أكبادهم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث