بعد نحو عام على تحرير مدينة حلب، تتواصل الجهود المحلية والأهلية والحكومية لإعادة ترميم الجوامع الأثرية التي تعرضت لأضرار جسيمة خلال السنوات الماضية بفعل القصف والمعارك.
وتشارك في هذه الأعمال شخصيات وطنية وجهات رسمية وأهلية، ضمن مسار يهدف إلى صون الهوية الدينية والتاريخية للمدينة، لا سيما الجوامع التي تحيط بقلعة حلب الأثرية.
وبين هذه الجوامع يبرز جامع السلطانية، لما يحمله من أهمية دينية وتاريخية ومعمارية خاصة، حيث يشرف على الأعمال الهندسية المهندس ياسر الجابي، والجهة المنفذة هي شركة الظاهر الهندسية.
المدير الإداري لإعادة بناء وترميم الجامع الباحث علاء السيد، قال: "إن جامع السلطانية يعد من أقدم الجوامع في مدينة حلب، ويعود تاريخ بنائه إلى الفترة ذاتها التي بنيت فيها قلعة حلب بشكلها الحالي"، موضحاً "أن القلعة، رغم تعرضها لتغييرات متعددة عبر أكثر من خمسة آلاف عام، فإن شكلها المعروف اليوم يعود إلى نحو 800 عام، في عهد حاكم حلب الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي".
وأضاف السيد في حديث لـ"المدن"، أن الظاهر غازي أعاد بناء القلعة، وفي الوقت ذاته تم بناء جامع السلطانية باستخدام الأحجار نفسها وعلى أيدي البنائيين الحلبيين أنفسهم، ما يمنح الجامع قيمة أثرية تضاهي أهمية قلعة حلب، إلى جانب مكانته كمعلم ديني بارز كونه من أقدم الجوامع التي استمرت بالوجود رغم تعرضها للدمار عدة مرات عبر التاريخ.
أهمية تاريخية ودينية
وأوضح السيد أن هذه الأهمية التاريخية والدينية كانت سبباً في اختيار جامع السلطانية ليكون موضع التبرع من قبل رجل الأعمال والصناعي الحلبي عبد العزيز رشيد السخني، العامل في مجال تصنيع الحديد.
وأشار إلى أن السخني سبق أن قام عام 2005 بترميم مدرسة المأمون التاريخية في حي الجميلية، وانطلاقاً من اهتمامه بتراث وآثار حلب، قرر التبرع لإعادة بناء وترميم جامع السلطانية المقابل لقلعة حلب.
وأكد السيد أن هناك حرصاً شديداً من جميع الجهات المعنية على اعتماد أهم المواثيق الدولية المعتمدة في أعمال الترميم، وفي مقدمتها ميثاق فيينا الدولي وغيره من المواثيق ذات الصلة، بما يضمن إعادة جامع السلطانية معلماً دينياً وتاريخياً وأثرياً لمدينة حلب، وفقاً لشكله التاريخي الأيوبي.
وأضاف أن أعمال الترميم تنفذ بما يليق بمكانة مدينة حلب ومعالمها الأثرية والدينية، وتخضع لرقابة يومية صارمة من مديرية الأوقاف، ومديرية الآثار، ومديرية حلب القديمة، ومديرية التعاون الدولي.
مرحلة متقدمة
بدوره، أوضح المهندس المعماري عبد القادر ذهبي، أن مشاركته في مشروع إعادة الإعمار تتركز كمهندس موقع على الإشراف الفني المباشر على جميع مراحل العمل.
وأضاف ذهبي في حديث لـ"المدن"، أن مهمته تقوم على ضمان تنفيذ الأعمال بدقة وفق الاشتراطات الفنية الخاصة بالمدينة القديمة ومعايير الحفاظ على التراث، مع احترام الطابع الأيوبي للمبنى، إضافة إلى متابعة تطبيق شروط السلامة العامة للعاملين والموقع".
وأشار ذهبي إلى أن "الجهود وصلت اليوم إلى مرحلة متقدمة"، موضحاً أن "الفريق انتهى من أهم خطوة وهي تجهيز الموقع، حيث تم ترحيل الأنقاض بالكامل وفرز الأحجار الأصلية وتصنيفها حسب مواقعها المتوقعة بعد الأضرار الكبيرة التي تعرض لها المبنى بفعل الاستهداف الصاروخي".
ووفق ذهبي، فإن "العمل جار حالياً على توثيق الوضع الراهن بدقة عالية تمهيداً للبدء بالدراسات المعمارية والإنشائية اللازمة"، معرباً عن تطلعه لإنجاز هذا المشروع النوعي ليعود الجامع ويستقبل زواره في هذه المنطقة العريقة من مدينة حلب.
