تبدو أحاديث مليارديرات التكنولوجيا عن المستقبل وكأنها مستوحاة مباشرة من أفلام الخيال العلمي. فهم يصورون الحاضر كمسار طبيعي نحو "حتمية تقنية"، سواء أكان عالم المستقبل يوتوبياً أم ديستوبياً. والمفارقة أنهم يروّجون لكلا العالمين معاً. فتارة يرفعون راية "الذكاء الاصطناعي العام" (AGI) بوصفه حلاً لكل مشاكل الأرض، وتارة أخرى يلوّحون بشبح فقدان السيطرة وسلاسل استعباد الآلة للبشر. ثم يكمّلون اللوحة بوعد "تكنولوجيا الخلاص" التي ستحملنا إلى المريخ، حين تنهار قدرتنا على تدبير شؤون كوكبنا.
نحن أمام محاولة لـ"أسطرة" المستقبل عبر تبنّي سردية الحتمية التقنية، بوصفها مساراً يتقدم تلقائياً وبشكل طبيعي، وكأن المطلوب منا ضخ مزيد من الأموال في جيوب "حراس التكنولوجيا" كي يعبروا بنا إلى الغد، من دون أن نشكّك في أهليتهم، أو أن نُخضع خياراتهم للمساءلة أو الفحص العلمي.
أوهام ما بعد "قانون مور"
هل المطلوب اليوم أن ندير ظهرنا للعلماء والمراكز البحثية ووكالات الفضاء الدولية، ونكتفي بترهات إيلون ماسك وسام ألتمان؟ إن الحديث عن الذكاء الاصطناعي العام، بوصفه عقلاً واحداً يختزل العقول البشرية مجتمعة، وعن مستعمرات بشرية على المريخ، ليست أكثر من طموحات تخص أصحابها. وهي، في أحسن الأحوال، رهانات افتراضية تصطدم بعقبات تقنية وعملية هائلة.
فالمريخ، خلافاً للصورة الرومانسية التي يشيعها ماسك، بيئة شديدة العداء. تشير أبحاث ناسا إلى أن التربة هناك قد تكون ملوثة بمواد بيركلورات سامة، ما يعني أن "زراعة البطاطا" على طريقة فيلم The Martian تتطلب عمليات معالجة معقدة، وربما شبه مستحيلة، قبل التفكير في إنتاج الغذاء أو بناء دورة حياة مستقرة. كما تحذر وكالة الفضاء الأوروبية من أن الإشعاع في الرحلة إلى المريخ وعلى سطحه يصل إلى مستويات أعلى بمئات المرات من الأرض، وتصفه بأنه "عائق حاسم" أمام الاستكشاف المأهول. وهذه عينة من مشكلات لا تملك التكنولوجيا الحالية حلاً لها.
وبالمثل، فإن الطريق إلى ذكاء اصطناعي "شبه إلهي" ليس مساراً طبيعياً كما يروّج ألتمان. فالقفزات التكنولوجية السابقة لم تكن قدراً يتدحرج وحده، بقدر ما كانت مدفوعة بحسابات اقتصادية ومعايير الفعالية. أما اليوم، فهي تصطدم بحدود هندسية وبأعباء الطاقة والتبريد. ففي هندسة الشرائح، لم تعد وتيرة "قانون مور" صالحةً كما كانت. يشير البروفيسور تشارلز لايزرسون من MIT إلى أن القانون انكسر فعلياً، مستشهداً بفجوات زمنية طويلة بين أجيال التصنيع اليوم، مقارنة بإيقاع "التضاعف" التقليدي لقوة الشرائح الذي كان يحصل كل سنتين. وتذهب تحليلات أخرى إلى أن الصناعة نفسها بدأت تتهيأ لمرحلة ما بعد "قانون مور"، مع اقتراب تصغير الشرائح من حدود يصعب تجاوزها فيزيائياً.
مستقبل لم يطلبه أحد
بمعزل عن صحة رهانات هذه النخبة من عدمها، لم يُعقد استفتاء عالمي يسأل الممرضين والمعلمين والمزارعين والصحافيين، أو أياً منا، عما إذا كان هذا هو المستقبل الذي نريده. وكأن الموافقة ضمنية، وما على بقية البشرية إلا أن تُصلّي أو تثق بهذا المسار. متى صوّتنا على أي من هذا؟ لقد تقدّمت هذه المخططات عبر المال وحملات التهويل، وعبر إبقاء أبحاث الشركات سرية بحجة حماية الملكية الفكرية. وبذلك، فهي لا تتفادى المساءلة والامتثال للتشريعات فحسب، بل الأهم أنها تتفادى أن يعرف المستثمرون أي نوع من "صيد الساحرات" يمارسونه.
غالباً ما يتحدثون في وادي السيليكون وكأن التكنولوجيا تتطور وفق قوانين طبيعية خاصة بها، خارج نطاق الفاعلية البشرية. ويُختزل هذا الخطاب في عبارات مثل: "القدرة الحوسبية ستتضاعف حتماً، والذكاء الاصطناعي العام سيظهر سواء أحببنا ذلك أم لا، ولا يمكنك إيقاف التقدم". هكذا يُقدّم الابتكار كقوة جاذبية، يستحيل مقاومتها.
لكن الواقع أن ما يُبنى يتشكل بعمق عبر قرارات سياسية واقتصادية. ويمكننا جماعياً أن نقرر إبطاءه أو إعادة توجيه بعض برامج البحث لتفادي التطبيقات الخطرة، وأن نُموّل مسارات بديلة تتوافق أكثر مع احتياجات الحضارة. فالتنمية التكنولوجية تبتعد عن كونها قدراً، بقدر ما تخضع للحوكمة.
الديمقراطية مقابل الأسطورة
سباق الذكاء الاصطناعي العام واستعمار المريخ ليسا قدراً، وعلينا التصرف على هذا الأساس، بأن هناك خيارات مختلفة ستُنتِج مستقبلاً مختلفاً. وبمعنىً آخر، حين يُصرّ قادة التكنولوجيا على عبارة "لا يمكنكم إيقافنا"، فهم يقصدون عملياً أنهم لا يريدون للديمقراطية أن تتدخّل لإبطاء أجندتهم لجمع المليارات عبر بيع الوهم.
فكرة أن لا خيار لدينا سوى الاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي العام أو الحياة بين الكواكب هي أسطورة قوية تفيد من يملك السيطرة. تصف مجلة "نويما" (Noema Magazine) هذا الأمر بأنه "تصنيع الحتمية"، حيث إن التكرار المستمر لتوقعات تخمينية، مثل الذكاء الاصطناعي العام خلال 2-5 أعوام، أو التبشير بـ"حضارة متعددة الكواكب" بدلاً من تدمير الذات، يمنحها هالة، ويجعل الاستثمارات الضخمة أمراً عاجلاً، ويصوّر الاعتراض وكأنه عبثاً.
ومن خلال التطبيع مع رؤيتهم للتقدم، يلتف "صبيان التكنولوجيا" على أي نقاش حول ما إذا كان مستقبلهم مرغوباً أصلاً. وكما لاحظت "نويما"، عندما نستدخل فكرة أن الذكاء الاصطناعي العام قادم لا محالة، نتوقف عن السؤال إن كان ينبغي بناؤه، ونعترف عملياً بأن "مجموعة صغيرة من التقنيين ينبغي أن تحدد مستقبلنا".
هذا ما يحدث اليوم: قرارات ذات تأثير حضاريّ تُتخذ في غرف مجالس الإدارة والمختبرات السرية، لا في البرلمانات أو ساحات النقاش العام. وما على المجتمعات إلا أن تتلقّف سرديات الخيال العلمي، المتناقضة أصلاً، بالترحاب، وأن تقبل بسلطة مطلقة لرجال أعمال مثل ماسك وألتمان وبيزوس وائتمانها على رسم مستقبل البشرية دون نقاش حقيقيّ.
إقصاء العلم باسم التقدم
قد يظن المرء أن مثل هذه المساعي التي يُفترض أن تغيّر العالم تستند إلى أفضل العلوم المتاحة، وإلى مساهمة واسعة من العلماء والخبراء. لكننا نشهد، بدلاً من ذلك، تهميشاً للأصوات العلمية المستقلة لصالح "علم" داخلي للشركات يخدم خطاب الحتمية. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، أثار العديد من العلماء وخبراء الأخلاقيات البارزين ناقوس الخطر بشأن المبالغة في ادعاءات الذكاء الاصطناعي العام، والمنهجيات المعيبة، ووتيرة النشر المتسرعة للنماذج. وكانت مكافأة هؤلاء إما تجاهلهم، أو تشويه سمعتهم بوصفهم "معادين للتقدم" (Luddites)، أو دفعهم إلى ترك مناصبهم المؤثرة.
ومن الأمثلة الشهيرة طرد الدكتورة تمنيت جبرو (Dr. Timnit Gebru) من فريق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في غوغل، بعد أن شاركت في تأليف ورقة بحثية تسلط الضوء على مخاطر نماذج اللغة الكبيرة. شعر المسؤولون التنفيذيون بالانزعاج من الأسئلة غير المريحة التي أثارها بحثها حول التحيز والتكاليف البيئية، فأنهوا خدمتها فجأة. وهو تصرف استنكره أكثر من 1200 موظف في غوغل بوصفه ضربة لنزاهة البحث. وكانت الرسالة الموجهة إلى الآخرين واضحة: الانتقادات التي تهدّد أجندة الشركة لن يتم التسامح معها. ولم يقتصر الأمر على غوغل وحدها. ففي شركات أخرى، هناك "هجرة جماعية" تحدث طوعاً أو قسراً لباحثي أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وخبراء السلامة الذين تجرأوا على دقّ ناقوس الخطر إزاء الادعاءات الجامحة، أو طالبوا بحد أدنى من الشفافية والمساءلة.
نحن اليوم أمام مفترق طرق. مسار يبشّر بـ"إله" الذكاء الاصطناعي العام وسلطة أوليغارشية تمتد إلى المريخ، ومسار آخر بدأ يتبلور نحو تقدم أكثر تواضعاً، يكون محوره الحضارة الإنسانية. قد لا يحمل هذا المسار الأخير الوعود الصاخبة نفسها، ولا يدفع المراهقين لإنتاج محتوى "تيك توك" باهر، لكنه يترك زمام القرار في يد الناس. وهذا هو الترياق للحتمية المُصنّعة: أن نتذكر أن المستقبل، في جوهره، مسألة اختيار وحكمة.
