عائدٌ إلى فلسطين(3): لو أن الفتى حجر

محمد أبي سمراالأحد 2025/12/14
Image-1765664202
الروابط الأقوى هي العائلات والعشائر وعلاقات القرابة (ساحة رام الله- Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قد يكون لكلّ من الأجيال الفلسطينية، وربما لكل من أفرادها، ذاكرته وروايته عن مأساة فلسطين والفلسطينيين المتعاظمة جيلًا بعد جيل، كأنها قدرٌ تتعاقب فصوله الفاجعة منذ "نكبة" 1948. فمنذ تلك النكبة ولدت وعاشت في فلسطين وفي بلاد اللجوء والشتات أجيال فلسطينية، يراود كل منها حلم تحرير وعودة، سرعان ما يتكشف عن فجيعة تتلوها فجيعة، منذ مطلع خمسينات القرن العشرين حتى اليوم.

نروي هنا قصةً من قصص عودة فلسطينيين من الشتات والكفاح إلى بلادهم، بدءًا من صيف 1994، بعد "اتفاق أوسلو" للسلام بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993. أمضى راوي هذه القصة- الشهادة 24 سنة من عمره متنقلًا، مترحلًا ومناضلًا في سبيل تلك العودة التي روى -إلى وقائعها- فصولًا من حياته وإقامته في قريته بالضفة الغربية وفي رام الله. وننشر هنا شهادته على حلقات في صيغة المتكلم.

 

الانفعالات أقوى دومًا من موضوعاتها 

كان عمري 19 سنة عندما أرغمني احتلال إسرائيل الضفة الغربية الفلسطينية في حزيران 1967، على مغادرة قريتي فيها إلى القاهرة، نهاية العام 1969. وبعد غيبتي وانقطاعي التام عنها طوال 24 سنة -أمضيتها في القاهرة وبيروت ودمشق وعمان، مناضلًا لتحرير فلسطين- أعادني إليها "اتفاق أوسلو" للسلام في الـ43 من عمري سنة 1994.

في طريق العودة إلى الضفة وقريتي، كانت تضطرم في صدري مشاعر وانفعالات، وتهوّم في مخيلتي صور، أقوى أضعافًا مضاعفة من أن تجد وأجد معادلًا وترجمةً وتحققًا لها في الواقع: لا في مشاهد طريق العودة ولحظاته المتتالية العابرة. ولا في لحظات وصولي إلى قريتي. ولا في الأيام التي تلت تلك اللحظات. 

والأرجح أن ما تراكمه مديدًا آمالُ وأماني البشر من مشاعر وانفعالات في صدورهم، ومن صور مهوّمة في مخيلاتهم، أقوى دائمًا بكثير من موضوعاتها، ويستحيل أن تلقى معادلها وترجمتها وتحققها في الواقع الحي المعيش، إلا في لحظات نادرة. وقد يكون الشعر والفن وليدا تلك الاستحالة والندرة.

 

غريب في الشتات وفي العودة 

ثم أليس من المستحيل أن تبقيني على حالي سنوات ترحالي، منقطعًا 24 سنة عن بلادٍ من المستحيل أن تبقى بدورها ويبقى أهلها على حالهم في تلك السنوات؟ وهي البلاد التي صارت سليبة قبل ولادتي، وصارت العودة إليها حلمًا جمعيًا عامًا، موعودًا ومقدسًا، لملايين العرب. حلم حُمِّل في طياته آمالَ ووعودَ وأماني تاريخ قرني من هوان وتمزّق وهزائم شعوب وجماعات تريد استعادة قوتها في أمة واحدة متخيلة، لتكون حاضرة في التاريخ، بعدما ضاع مجدها التليد الغابر.

نعم من الطبيعي والعادي والقدري أنني تغيّرت، وتغيرتْ تلك البلاد أثناء غيبتي عنها، لتصير... ماذا؟ هل أقول: غريبةً غني، ولأصير، بعد عودتي إليها، غريبًا عنها؟!

وأنا من طُردت من بلادي، أصرّت البلاد التي طُردت إليها إصرارًا مستميتًا على أن تبقيني غريبًا فيها، لئلا أستمرئ فيها الإقامة والعيش، فأنسى أو أتنازل عن حلم العودة إلى بلادي. لذا أصرّت البلاد التي نزحتُ ولجأتُ إليها على أن أظل منتسبًا إلى بلاد سليبة ومغتصبة، فتضاعف انتسابي إليها، فيما راحت تتضاعف في الغربة غربتي عنها، وتتفاقم إرادتي ورغبتي في العودة إليها.

أليس هذا قدر فلسطين والفلسطينيين؟

وكيف يمكنني اليوم أن أقارب اقتلاعي من بلادي، والحلم المديد بعودتي إليها، ثم عودتي إليها وغربتي عنها بعد العودة؟ هل أقول كم هي مستحيلة وسديدة أمنيةُ الشاعر العربي القديم، البدوي المترحل في الصحراء، في قوله: "لو أن الفتى حجر"؟ ليعيش البشر حياتهم بلا تغيرات؛ أي خارج الأعمار والزمن.

 

سياسة النسب والقرابة

لكن بصرف النظر عن هذا كله، وعن تلك المشاعر والانفعالات التي لابست عودتي إلى فلسطين، وإقامتي طوال سنة في قريتي، فإن ما صدمني هو أنواع وأشكال التغيّرات التي أصابتها أثناء غيبتي عنها. وهي تغيّرات قد لا تختلف كثيرًا عن تلك التي أعلم أنها أصابت بلدانًا ومجتمعات عربية كثيرة، وعايشتها أثناء إقامتي فيها وتنقلي بينها طوال 24 سنة.

في البداية، بداية عودتي إلى قريتي، كنت متفائلًا ومندفعًا في رغبتي وإرادتي للمساهمة في تغيير وتحسين أوضاعها، قدر استطاعتي. لكن، كما وجدتني مشدودًا رغمًا عني بوثاقٍ متين إلى آلة اجتماعية ابتلعتني، واستحال عليَّ التفلُّت منها، طوال شهر عرس الاحتفالات بالعودة وبالعهد الفلسطيني الجديد، وجدت أيضًا أن منظومة متماسكة ومتينة من العادات والتقاليد والولاءات والعلاقات العائلية والعشائرية العصبية، تتحكم بحياة أهل قريتي. وذلك على نحو لا يسعهم من دونها تدبير أو تنظيم حياتهم. كما يستحيل عليَّ وعلى أمثالي الوقوف في وجهها، لأنها أقوى بأشواط من رغبتي وإرادتي في العمل على تغييرها. 

وكانت حادثة إقدام قريبٍ لي على قتلِ شخص من عائلة أخرى في القرية، وتناسل طلب الثأر بين العائلتين، ما حملني على اليقين باستحالة التغيير، وعلى مغادرة قريتي إلى رام الله، بعد نحو سنة من عودتي إليها وإقامتي فيها.

كنت قد بدأتُ وبعض من أمثالي العائدين وسواهم من أهل القرية، بعمل تطوعي تعاوني لتحسين الخدمات العامة في القرية. أنشأنا ناديًا شبابيًا لذلك، إلى جانب سواه من نشاطات اجتماعية وثقافية وفنية. 

وكان تمثيل الناشطين في الأطر الناظمة لهذه الأعمال، يتوزع على قوىً ومجموعات لديها انتماءات سياسية وأهواء إيديولوجية وعقائدية عدة، إضافة إلى أشخاص مستقلين. لكن سرعان ما تكشّف أن هذه الانتماءات تنطوي على ولاءات أخرى، أهلية وعائلية وعشائرية، أقوى من الأولى العلنية، وتتحكم بميول العاملين في تلك الأطر، بأهوائهم وخياراتهم وانقساماتهم أثناء العمل واتخاذ القرارات. وسرعان ما تبيّن أن من يقولون إنهم يمثلون تيارات ومنظمات وأحزابًا سياسية، مشدودون بروابط أقوى إلى العائلات والعشائر وعلاقات القرابة، التي تصدر عنها آراؤهم ومواقفهم.

حتى العائدون من الخارج، وهم عادوا بعد تجارب مديدة في منظمات سياسية  وعقائدية نضالية، وكانوا متفتحين ومنفتحين على تقبل الآراء المتباينة، ومن نخب الفئات الوسطى حسب التراتب الطبقي في المجتمع الفلسطيني؛ حتى هؤلاء سرعان ما أخذوا يتكيفون مع الولاءات والانقسامات العائلية والعشائرية وعصبياتها في المجتمع البلدي المحلي الذي عادوا إليه بعد غيباتهم الطويلة عنه.

 

القدر واستحالة التغيير

وهكذا ظهر النسب والقرابة في موضع القلب من السياسة ومن العلاقات بين الناس. ولربما كانت الحال على هذه الصورة بهذا القدر أو ذاك، من دون أن أنتبه وأمثالي لذلك من قبل، عندما كنا، نحن "نخبة" الفلسطينيين في مجتمعات الشتات، منصرفين انصرافًا محمومًا إلى النضال للعودة إلى فلسطين. 

ولربما كان تقدّمي في السن وتراكم الاختبارات والتجارب، ومن ثم عودتي وسواي إلى مجتمعنا الفلسطيني الذي انقطعنا عنه مديدًا، وباشرنا فيه حياة وعلاقات وأعمالًا ونشاطات جديدة ملتبسة ومضطربة... ما حملنا على إدراك أن المذهب والسلوك الإرادويين في طلب التغيير الاجتماعي والسياسي، ينطويان على فيض من الأوهام وتضخيم دور الذات، إلى حدّ حجبها الواقع الفعلي عن أبصارنا وبصائرنا، وتصوره كأنه طوع إرادتنا وذواتنا المتضخمة التي نتخيل أنها هي قاطرة التاريخ التي تدفع عجلة قدمًا.

أما في الحقيقة والواقع، فإن ما يحرّك عجلة التاريخ الفعلي في اتجاهات متأرجحة وملتبسة، يصعب بل يستحيل التكهن بها مسبقًا، هو جملة من العوامل والنزاعات والنزعات والأهواء والمصالح والحوادث والمصادفات والأفعال البطيئة، المتشابكة المتداخلة والمتدافعة. وعلى الأرجح أن هذه كلها لا تُدرَك، ولا تصير قابلة للفهم والتركيب والرواية والتأريخ، إلا بعد حدوثها.

هل يعني هذا أن التاريخ وتحولاته قدرٌ؟ 

قدرٌ مثل "المنايا" التي رأى الشاعر العربي القديم في البوادي الصحراوية أنها "خبط عشواء من تُصبْ/ تُمتْهُ ومن تخطئ يُعمَّرُ فيَهرَمِ"؟. 

هيهات أن ندري.

(يتبع حلقة رابعة)

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث