أعاد اتحاد بلديات منطقة جزين، بالتعاون مع الرهبانية اللبنانية المارونية، إحياء الملف الأكثر حساسية في الوجدان الجزيني: مشروع كفرفالوس الجامعي والاستشفائي والإنمائي. الإعلان الرسمي جاء في احتفال واسع، حضره ممثلون عن المرجعيات الدينية والبلدية والأمنية، كأنّ المنطقة تستعيد أخيرًا ورشة كبرى ظلت معلّقة منذ عقود.
في الكلمة الافتتاحية، قدّم رئيس اتحاد بلديات جزين، الدكتور بسام رومانوس، المشروع بوصفه "خطوة إنسانية وإنمائية ووطنية"، لا مجرّد عقار خرج من مرحلة التعثّر. وشدّد الرجل على أنّ إعادة تأهيل المستشفى والجامعة ليست عملية هندسية باردة، بل "إعادة تكوين ثقة" بين الناس ودولتهم، واستعادة حقّ المنطقة في الطبابة والتعليم، و"رسم مستقبل يليق بشبابها".
الشراكات المحتملة… والمال المفقود
ووفق المعلومات ثمة تصوّر لإطلاق هذا الصرح يقوم على شراكة مع جامعة الروح القدس – الكسليك لإدارة الجانب الأكاديمي، ومع مستشفى سيدة المعونات لتشغيل القسم الاستشفائي. لكن تبقى العقدة الأكبر، التمويل. فالمشروع يحتاج إلى مستثمرين قادرين على ضخّ أموال جدّية تعيد بناء ما تهدّم وتشغيل مجمّع بهذا الحجم.
وتضيف المصادر أنه جرى افتتاح حساب للتبرعات لصالح جامعة الروح القدس ومستشفى المعونات، لإطلاق المشروع في كفرفالوس. غير أنّ التحدّي الأساسي يتمثّل في افتتاح المستشفى، الذي يحتاج إلى نحو 15 مليون دولار. أما افتتاح الجامعة فأقل تعقيدًا من حيث الانطلاق، إذ يمكن البدء باختصاصات أساسية، مثل إدارة الأعمال والحقوق وغيرها.
وفي هذا السياق، يقول الأب البروفيسور جورج حبيقة، النائب العام في الرهبانية المارونية اللبنانية، لـ"المدن": "المقاربة تنطلق من حيث المبدأ بإعداد دراسة جدوى لتحديد الاحتياجات الفعلية وما هو مطلوب لافتًا إلى أنّ كلية الطب ستكون حاضرة كتحصيل حاصل في المشروع". ويستدرك: "من المؤكّد أننا لن نصل إلى ما أنجزه الرئيس رفيق الحريري. لكننا نقول إن الأهم هو أن نبدأ، وهذه الخطوة هي الشرارة الأولى".
في المقابل، تكشف مصادر محلية لـ"المدن" أنّ المشروع يحظى بدعم واضح من القوات اللبنانية. والشخصيات الأكثر نشاطًا في هذا الملف هم رئيس الاتحاد بسام رومانوس، المحسوب سياسياً على القوات، والنائبة غادة أيوب، والنائب سعيد الأسمر. أما بلدية جزين، ورئيسها تحديداً دافيد الحلو، المحسوب على التيار الوطني الحر، فتبقى خارج المشهد المباشر، تاركةً المبادرة بيد الاتحاد والرهبنة.
من عقارات الحريري… إلى أيدي الرهبنة
خلف هذا المشهد، يقف مسار طويل من المفاوضات. فالمؤسسة المارونية للانتشار، والرهبنة المارونية، ومطرانية صيدا المارونية، وعدد من شخصيات المنطقة، خاضوا لسنوات مفاوضات شاقة مع ورثة الرئيس رفيق الحريري لشراء المشروع والعقارات، والتي تتجاوز المليون و600 ألف متر مربع.
بعقد الشراء هذا، أُقفل الباب أمام المخاطر التي كانت تهدد المنطقة بيئياً. إحدى الشركات كانت تروّج لفكرة "استصلاح الأراضي" وتحويلها إلى مساحات زراعية، فيما كانت الخطة الفعلية اقتلاع الصخور ونقل الرمال لصالح الشركة المشغّلة لمشروع سد بسري. شراء العقارات قطع الطريق على هذا السيناريو، وأعاد المشروع إلى سكّته الأصلية: جامعة، مستشفى، ونواة تنموية تحتاجها جزين.
ذاكرة الخراب… وعودة الفكرة
مشروع كفرفالوس ليس ابن اليوم. في مطلع الثمانينات بدأ رفيق الحريري بإنشاء مدينة تعليمية عبارة عن مستشفى حديث وجامعة وغرف إقامة جامعية. ثم جاءت الحروب والاجتياحات وتهجير شرق صيدا، ونهبت المعدات وتهدّم جزء من الأبنية بعد تحول المنطقة إلى خط تماس، ودخلت المنشآت في دورة موت بطيء امتد لعقود.
بعد أزمة بيت الحريري عام 2019 والخلافات بين الورثة. تم بيع المشروع على مرحلتين، قسم اشترته الرهبنة مع مستثمرين من المنطقة، وهو الجزء الذي يضم المستشفى والجامعة، دون العمل عليه. وقسم آخر من الأراضي الزراعية جرى تحويله إلى مشاريع زراعية بينها زراعات الأفوكادو.
منذ ذلك الوقت، تسري في المنطقة حملة مطلبية واسعة بالحفاظ على الشباب من خلال إنشاء مشاريع حيوية، معظمها مطالب للنواب بلا ترجمة عملية.
مشروع معلق بين الحاجة والقدرة
بين الاحتفال الرسمي، والعقبات التمويلية، والرهانات السياسية، يبقى مشروع كفرفالوس في موقعٍ دقيق: حاجة إنمائية وإنسانية ملحّة، لكن نتائجها تتوقف على قدرة اللاعبين الحاليين على جمع التمويل والتحالفات الضرورية لإعادة الحياة إلى هذا المجمّع الجامعي–الاستشفائي الضخم. حتى الآن، عاد الملف إلى الضوء. أمّا عودته إلى الحياة… فتحتاج ما هو أكثر من مراسم احتفال.
