قد يكون لكلّ من الأجيال الفلسطينية، وربما لكل من أفرادها، ذاكرته وروايته عن مأساة فلسطين والفلسطينيين المتعاظمة جيلًا بعد جيل، كأنها قدرٌ تتعاقب فصوله الفاجعة منذ "نكبة" 1948. فمنذ تلك النكبة ولدت وعاشت في فلسطين وفي بلاد اللجوء والشتات أجيال فلسطينية، يراود كل منها حلم تحرير وعودة، سرعان ما يتكشف عن فجيعة تتلوها فجيعة، منذ مطلع خمسينات القرن العشرين حتى اليوم.
نروي هنا قصةً من قصص عودة فلسطينيين من الشتات والكفاح إلى بلادهم، بدءًا من صيف 1994، بعد "اتفاق أوسلو" للسلام بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993. أمصى راوي هذه القصة - الشهادة 24 سنة من عمره متنقلًا، مترحلًا ومناضلًا في سبيل تلك العودة التي روى - إلى وقائعها - فصولًا من حياته وإقامته في قريته بالضفة الغربية وفي رام الله. وننشر هنا شهادته على حلقات في صيغة المتكلم.
وبعد حلقة أولى (راجع "المدن") من هذه الشهادة هنا حلقة ثانية عن احتفالات العودة في الضفة الغربية، وفصولًا من حياة الراوي وإقامته في قريته شرق رام الله.
احتفالات الخلاص من الاحتلال
عمَّت الضفة الغربية الفلسطينية، طوال أيام شهر تموز من العام 1994، فرحة غير مسبوقة ولا مثيل لها، حينما هبَّ أهالي مئات البلدات والقرى من ذوي العائدين إلى الاحتفال بعودة 25- 30 ألف شخص من منظمة التحرير الفلسطينية إلى الضفة، عابرين جسر الملك حسين (أللمبي) فوق نهر الأردن، ومنظمين في عشرات من قوافل العودة المتتالية، ومثبتة أسماؤهم في قوائم وافقت عليها السلطات الإسرائيلية بالاتفاق مع منظمة التحرير.
وبلغت أعداد المستقبلين المحتفلين حوالى ربع مليون نسمة، ضموا العائدين إلى امتداداتهم من العائلات المقيمة في بلدات الضفة وقراها. وكانت أعداد المحتفلين قابلة للتزايد كثيرًا، لولا حملة إسلاميي "حماس" الدعائية ضد الاحتفلات بالعائدين. فهؤلاء من منظمة التحرير، ومستقبلوهم المحتفون بهم من أهل وجمهور المنظمة التي وقعت "اتفاق أوسلو" للسلام، وهي من تتولى في الضفة الغربية وقطاع غزة إنشاءَ السلطةَ الفلسطينية الجديدة التي لن تشارك فيها "حماس".
وشارك أهالي قريتي كلهم (نحو 3500 نسمة) في استقبال عشرات العائدين إليها، والاحتفاء بهم في عرسٍ جماعي استمر أيامًا كثيرة من شهر تموز ذاك. كان العرسُ عرسَ خلاص من الاحتلال، وبدءِ حياة وعهد فلسطينيين جديدين، للسلام والتحرير وبناء حكم ذاتي وطني فلسطيني، مستقل وموعود. وأنا كنت واحدًا من أولئك العشرات المحتفى بهم، ورمزهم في عرس قريتي في غياب الرفيقة المناضلة القديمة، مثالي في بدايات التحاقي بالنشاط السري لمقاومة الاحتلال.
على مدار أيام، لم يخلُ بيت أهلي - كان يقيم فيه أخي وورثه عن والديَّ المتوفَّين - من المهنّئين المحتفين بعودتي. حتى أنني لم أستطع التقاط أنفاسي، ولا الاختلاء لحظات بنفسي في تلك الأيام الطويلة، التي ما كنتُ أُترك لأنام في لياليها أكثر من ساعتين اثنتين. كانوا يتركونني مرهقًا ومبنّجًا في نحو الثالثة فجرًا، فأنام ليدخل إلى غرفة نومي، في نحو الخامسة، هذا القريب أو ذاك من أقاربي، فأصحو على صوت يقول: بعدك نايم، جاي تنام؟! قوم بدنا نشرب قهوة معك ونحتفل فيك.
أما الداخلين إلى بيتنا بعد ذلك في نهارات تلك الأيام مهنئين، فكانوا يتنافسون في الصباحات المتتالية على القول: شرب القهوة عنا اليوم، قاصدين أن ولائم الغداء ستكون على التوالي في هذا البيت أو ذاك. وما من بيت في قريتي إلا مُدّت فيه للعائدين إليها ولائم غداء وعشاء عدة في تلك الأيام التي عمّت فيها الولائم بيوت الضفة الغربية، متنقلة من دار إلى دار في ذاك العرس الكبير. وهذا ما ذكرني بأغنية لفيروز تقول فيها عن انتقال العروس إلى بيت عريسها: "يا مشوار من دار لدار... تتبارك حجار البيت تتبارك العتبة/والخوابي نبيذ وزيت وتفيض المحبة".
شخص يختنق خارج ذاته
زوجتي وولداي الصغيران كانوا مسجلين في قوائم العودة. لكنني تركتهم في عمان وعدت وحدي، لأعدّ العدّة لالتحاقهم بي بعد مدة.
الإحساس أو الشعور الأول الذي راودني وسط جموع الزوار والمرحبين والمحتفلين والجالسين إلى طاولات الولائم، هو هذا: أنا شخص انتُزِع من نفسه، وشُدَّ بوثاقٍ متين إلى آلة اجتماعية ابتلعته حركتُها الآلية التلقائية التي يستحيل التفلّت منها.
لم يكن يسعني إلا مراعاة تلك الآلة والاستلام لها، فراحت تسيّرني تلقائيًا، وتتحكم بشؤوني وشجوني وكلماتي وحركاتي، من دون أن تترك لحياتي ومشاعري وأحاسيسي وكلماتي الخاصة والشخصية لحظة واحدة. لقد شعرت بأنني صرت غريبًا عن ذاتي، أو خارج ذاتي، ولم أعد أتعرّف على نفسي.
وقد يصح في حالتي هذه عنوان قصة قرأتها لاحقًا: "الموت بين الأهل نعاس"، وهي للروائي اللبناني جبور الدويهي.
ولائم وزغاريد
بعد غيبتي طوال 24 سنة عن قريتي، سرعان ما انتبهت إلى أن كل شيء فيها تغيّر: عمرانها واجتماعها والعلاقات الاجتماعية بين أهلها. في البداية لفتني أن أعداد أهلها وسكانها كثيفة ومضاعفة، ويطغى فيهم العنصر الشبابي ويهيمن الطابع الذكوري على مشهد حياتهم العامة. فالنساء اللواتي استقبلن أفواج العائدين الثلاثين بالزغاريد، سرعان ما اختفين من المشاهد اللاحقة. والمهنّئات اللواتي توافدن إلى بيوت أولئك العائدين، استقبلتهن نساء البيوت وأدخلنهن إلى غرف خاصة بالنساء وجالسنهن فيها.
أختي ونساء عائلتي هن من استقبلن المهنئات بعودتي في بيتنا، بينما جلستُ أنا إلى جانب أخي في صدر الصالون بين وفود المهنئين. وعلى هذا المنوال من الفصل بين الجنسين أقيمت الولائم في البيوت... وهذا ما لم أعرفه قط في قريتي قبل أن أغادرها، حينما كان الاختلاط بين الجنسين عاديًا وتلقائيًا في اللقاءات والزيارات والأعراس وسائر المناسبات.
قبل عودتي كنت مواظباً على كتابة مقالة أسبوعية لإحدى الصحف في عمان. وهذا ما أُرغمت على الانقطاع عنه بعد العودة التي لم أستطع، طوال سنتها الأولى، كتابة أكثر من 4 مقالات. تحت شجرة زيتون بعيدة قليلًا عن البيت كتبتها، حيث كنت أختلي لبعض الوقت بنفسي، فأقرأ وأفكر كيف تستمر حياتي على هذه الصورة. كنت أسرق تلك الأوقات القليلة من ربقة الواجبات والمناسبات الاجتماعية الكثيفة التي عليّ المشاركة فيها، بصفتي أحظى بتقدير اجتماعي ومنظورًا اجتماعيًا بين أهل القرية الذين كانوا يريدون مني أن أتدخل في شؤونهم وشجونهم وأصلح بينهم في خلافاتهم.
قريبي الذي كان مدير مدرسة القرية طوال 45 سنة، ولديه علاقات واسعة مع أهالي القرى المجاورة ومعلمي ومدراء مدارسها، أصر على اصطحابي في زياراته وجولاته ولقاءاته بهم. ابن اختي الذي أقدّره وأحبه، تفرّغ بدوره لمرافقتي. وهذه الانشغالات وسواها من أمثالها أشعرني بالاختناق، وأفقدني كل وقت وحيز خاصين أتنفس فيهما وحدي.
نساء للمطبخ ورجال للثأر
بعدما جاءت زوجتي وولدانا الصغيران من عمان للإقامة معي في قريتي، وجدت من الأفضل أن يتعلم الولدان بمدرسة خاصة في قرية الطيبة المسيحية المجاورة. لكن ابنتي عادت مرة من تلك المدرسة إلى البيت باكية، وروت أن مدرّسًا فيها قال لها: أنتِ من شان إيش عم تتعلمي. شو بدك بالشهادة؟! أول ع آخر أنت في المطبخ، وحتعلقي الشهادة بالمطبخ.
وسرعان ما اضطربت العلاقات بين قرىً مسيحية وأخرى إسلامية. ومن الحوادث التي وتّرت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في القرى المتجاورة، أذكر حادثة موت فتاة مسلمة موتًا مفاجئًا. كانت الفتاة تعمل في قرية مسيحية، فاتهم أهلها وأهل قريتها المسلمون أهل القرية المسيحية بقتلها. ثم سرعان ما اكتُشف أن أهل الفتاة هم من قتلوها، لأنهم استشبهوا بأنها على علاقة عاطفية بشاب مسيحي في القرية المسيحية المجاورة التي كانت تعمل فيها. وكانت قد حصلت صدامات بين القريتين، وأُحرقت بيوت في القرية المسيحية.
وعلى خلفية تلك الحادثة، صوّرت مخرجة سينمائية من القرية المسيحية فيلمًا عن العلاقات بين النساء والرجال في القرى المتجاورة. ولما حضرت الفيلم، تذكرت كم كانت العلاقات بين أهل تلك القرى على إلفة ووئام قبل 24 سنة سبقت مغادرتي قريتي. ثم فكرت أن جدتي عاشت في زمن أكثر تحضرًا من الزمن الذي أعيشه ويعيشه ولداي.
ونشب نزاع بين عائلتين في قريتي، فأدى إلى حادثة قتل يترتب عليها تناسل الثأر بين العائلتين. كان القاتل من أقاربي. وحملني منطق الأمور الأخلاقي على التضامن مع الضحية، فيما طالبني العرف والتقليد العائليان بأن أصطف آليًا وتلقائيًا إلى جانب قريبي وأناصر عائلته/عائلتي. وهكذا وجدتني في دوامة خطرة، فقررت بعد نحو سنة على العودة إلى قريتي مغادرتها مع أسرتي للإقامة في رام الله.
(يتبع حلقة ثالثة)
