أحيت رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا فعالية وطنية وإنسانية لمناسبة مرور سنة على الانتصار على نظام الأسد، وبالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان. وأتت الاحتفالية بعنوان: "لن ننساكم… فأنتم نصرنا الأبدي"، وذلك وسط أجواء يغلب عليها الامتنان والحنين، وتختلط فيها مشاعر النصر مع ألم الفقد.
مطالبة بالعدالة
ازدحم مقر الرابطة منذ ساعات الصباح الأولى بأهالي المفقودين والناجين والمهتمين بالشأن الحقوقي. وتحوّلت الجدران إلى مساحة احتضان للذاكرة، ولصور المفقودين ورسائل خطّها الأهالي بأيديهم، حملت كلمات شوق ووفاء ومطالبة بالعدالة. وتحوّلت الفعالية إلى مساحة صامتة تنطق بالوجع والأمل معاً.
وجالت "المدن" في هذا الحدث الذي خصّصته "الرابطة" لتعليق صور ورسائل شخصية موجهة إلى المفقودين والناجين، في خطوة رمزية تهدف إلى تخليد الذكرى، وإعادة تأكيد الحق في معرفة الحقيقة وإحلال العدالة.
وشكلت كلمات المشاركين لوحة إنسانية موحدة، مؤكدة أن الغياب لا يعني النسيان، وأن التضحية تظل حاضرة مهما طال الزمن.
وتزامنت الفعالية هذا العام مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان، ما أضفى عليها بعداً حقوقياً، يؤكد أن قضية المفقودين ليست شأناً عائلياً فحسب، بل هي مسؤولية إنسانية ووطنية لا يمكن تجاهلها.
حزن الأمهات
كانت نظرات الأمهات تحكي ما لا يمكن للكلمات أن تصفه: حزنٌ هادئ، لكنه عميق… يشبه جرحاً مفتوحاً لا يلتئم. لم تكن عيونهن تبكي، إنما كانت تفيض صمتاً أثقل من الدموع. صمتٌ يحمل سنوات من الانتظار، والبحث، والأمل الذي لم يُطفأ على الرغم من كل شيء. تلك النظرات لم تكن مجرد حزن؛ بل غصّة عالقة في القلب. غصّة أمّ تعرف أن جزءاً منها مفقود… وأنها على رغم التعب ما زالت واقفة، تحمل صورة ابنها بقلبٍ مهزوم من الداخل، قويّ من الخارج، وكأنها تقول للعالم: لا زلت هنا… ولن أتوقف عن المطالبة بحقّي.
رأينا في وجوههن حكاية كاملة: حكاية أمهاتٍ تكسّرت أصواتهن، لكن لم تنكسر عزيمتهن. أمهاتٍ كلّما نطقن بالحق شعرن بأن أبناءهن يسمعونهن في مكانٍ ما.
أم مازن – والدة مفقود منذ 2013- تقول بصوت يرتجف: "جئت اليوم لأعلّق صورة ابني… كل عام أقول لنفسي ربما يعود، وربما يصلنا خبر. لكن وجودنا هنا يذكرني أننا لسنا وحدنا، وأن أبناءنا في القلب، في الذاكرة، وفي المطالبة المستمرة بحقهم في الحياة والعدالة".
أحمد – ناجٍ من الاعتقال- يضيف وهو يضع رسالة على لوحة الذكرى: "أصدقائي الذين فقدتهم جزء من انتصار الروح… نحن هنا لنقول للعالم إن العدالة ليست مطلباً شخصياً، بل واجب جماعي تجاه كل من عانى وغاب. ووجودنا اليوم يُعيد صوت من غابوا… النصر الحقيقي هو ألا نسمح لذكراهم بأن تختفي".
وكان هناك إجماع من أهالي المعتقلين والمفقودين على أنهم بحاجة إلى دعم ومساعدات ليستمروا ويصمدوا ويعيشوا بكرامة. فالإنسان، على حد تعابير معظمهم، هو جوهر القضية، وبقاؤه واقفاً هو ما يحافظ على القضية نفسها حيّة، وليس من خلال تكريس سجن صدنايا كمكان ومعلم للظلم والطغيان ..
المدير المسؤول في الرابطة قال في حديثه إلى "المدن ": "هدفنا من هذا اليوم هو دمج فرحة النصر مع واجب الوفاء للمفقودين. نريد أن تبقى أصواتهم حاضرة، وأن يعرف الجميع أن الطريق نحو الحقيقة والعدالة مستمر، ولن يتوقف".
وأضاف إن ربط الفعالية بين ذكرى النصر واليوم العالمي لحقوق الإنسان هو رسالة واضحة أن العدالة حق، والذاكرة مسؤولية، ومصير المفقودين قضية لا تسقط بالتقادم.
واختُتمت الفعالية برسالة جامعة للحاضرين مفادها أن الحضور هو ضوء في ذاكرة لا تنطفئ، ودليل على أن تضحيات المفقودين والناجين لن تذهب سدى، وأن المطالبة بالعدالة ستستمرّ حتّى كشف المصير وتحقيق الحق. والإخفاء لا يلغي الحق، والذاكرة هي أول الطريق نحو العدالة.
وتأمل الرابطة في أن تتحول هذه المناسبة إلى محطة سنوية، تعيد التأكيد قوة الروابط الإنسانية بين الأهالي والناجين، وأهمية العمل المشترك لإحياء الذاكرة والمطالبة بالإنصاف.
