قد يكون لكلّ من الأجيال الفلسطينية، وربما لكل من أفرادها، ذاكرته وروايته عن مأساة فلسطين والفلسطينيين المتعاظمة جيلًا بعد جيل، كأنها قدرٌ تتعاقب فصوله الفاجعة منذ "نكبة" 1948. فمنذ تلك النكبة ولدت وعاشت في فلسطين وفي بلاد اللجوء والشتات أجيال فلسطينية، يراود كل منها حلم تحرير وعودة، سرعان ما يتكشف عن فجيعة تتلوها فجيعة، منذ مطلع خمسينيات القرن العشرين حتى اليوم.
نروي هنا قصةً من قصص عودة فلسطينيين من الشتات والكفاح إلى بلادهم، بدءًا من صيف 1994، بعد "اتفاق أوسلو" للسلام بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية في العام 1993. أمضى راوي هذه القصة - الشهادة 24 سنة من عمره متنقلًا، مترحلًا ومناضلًا في سبيل تلك العودة التي روى - إلى وقائعها - فصولًا من حياته وإقامته في قريته بالضفة الغربية وفي رام الله. وننشر هنا شهادته على حلقات في صيغة المتكلم.
الاحتلال والشتات
ولدتُ في العام 1951 بقرية تقع شرق رام الله، وفيها نشأت بين أهلي، وتعلّمت بمدرستها الابتدائية. وفي مدرسة بقرية القبيبة المجاورة لقريتي -كان يسكنها مسيحيون ومسلمون- حصّلت المرحلة الإعدادية (3 سنوات)، قبل أن أنهي المرحلة الثانوية بمدرسة في رام الله. وكان عمري 16 سنة عندما وقعت هزيمة 5 حزيران 1967، واحتلت إسرائيل الضفة الغربية الفلسطينية، سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية. صدمة الهزيمة والاحتلال محقت فجأة وعد النصر العربي المؤكد، وزوال إسرائيل، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم المحررة، المحتلة منذ نكبة فلسطين في العام 1948.
عشت 3 سنوات في قريتي بالضفة الغربية تحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ثم غادرتها في نهاية العام 1969، متوجهًا إلى عمان التي مكثت فيها سنة واحدة، وغادرتها إلى القاهرة، فأقمت فيها ودرست في جامعتها منتميًا إلى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وقبلها إلى "المنظمة الشعبية لتحرير فلسطين" الماوية الهوى الأيديولوجي. وفي العام 1975 انتقلت إلى بيروت التي رُحِّلت منها مع كوادر يسارية قي منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن يحتل الجيش الإسرائيلي العاصمة اللبنانية مدة قصيرة صيف العام 1982. كانت دمشق وُجهة ترحيلي من بيروت، فأقمت فيها 8 سنوات، وغادرتها في العام 1990 إلى عمان التي مكث فيها حتى العام 1994، حينما أعادني منها إلى قريتي ورام الله "اتفاق أوسلو" للسلام.
حلم أقوى من الواقع
لم يبارح خيالي ووجداني وجوارحي حلم العودة إلى بلادي فلسطين طوال
سني الشتات وغيبتي وانقطاعي عنها. كنت أتخيل وأحلم أن العودة سوف يحققها، في نهاية المطاف، نضال الفدائيين الفلسطينيين، أو وسائل وأعمال أخرى مختلفة تحرر فلسطين من الاحتلال. وطوال تلك السنوات الـ 24 من الترحال والتنقل بين عواصم عربية، التقيت والدتي ووالدي مرة واحدة لمدة أسبوعين في بيروت أواخر السبعينات. لم أكن أدرِي أن ذاك اللقاء سيكون وداعيًا، إلا عندما توفي أبي وأمي بعده بمدة، ودُفنا في قريتهما التي كانت عودتي إليها وإلى فلسطين مجرد حلم حققه "اتفاق سلام".
في موجة من موجات الهجرات المشرقية القديمة، كان والدي قد هاجر إلى أميركا في ثلاثينيات القرن العشرين. كان فتىً آنذاك، ومكث هناك 15 سنة يبيع الملابس في الأرياف الأميركية متنقلًا في سيارة. وبعد عودته إلى قريته الفلسطينية عمل سائق شاحنة صغيرة ينقل فيها البرتقال من رام الله إلى القدس.
ولما زارني والداي في بيروت، آتيين من الضفة الغربية المحتلة، ولاحظتْ والدتي انهماكي المحموم في العمل النضالي الفلسطيني، أذكر أنها سألتني مرة قائلة: أنتو (أنتم) أيش عم تعملوا، أيش عم تفكروا، ولوين رايحين في النهاية؟ ببداهة وتلقائية أجبتها: بدنا نرجع عَ فلسطين.
أعلم الآن أن كلماتي تلك صدرت عن خيالي وأحلامي التي كانت أقوى أضعافًا مضاعفة من الواقع، فيما كنت أشرح لوالدتي أننا سوف ننشئ دولة على أرض فلسطين بعد أن نحررها ونعود إليها. ولما قاطعتني متسائلة: وأنت شو رح تشتغل في تلك الدولة؟ وقلت لها إنني سأشتغل أي شيء، ختمت كلامها قائلة: كويس تحلم، منيح تحلم... الله يعطيكم العافية.
على جسر الصمت
ورد اسمي في واحدة من قوائم العائدين إلى البلاد، وفق "اتفاق أوسلو" للسلام، بعد سنوات طويلة من الكفاح في بلاد الشتات. كانت قافلة عودتي تضم 32 شخصًا، وهي واحدة من كثيرات أمثالها. انطلقت قافلتنا من عمان في اتجاه الضفة الغربية. كان يغمرنا فرح شغوف بلقاء بلادنا وأهلنا فيها، بعدما حرّرها وحررهم من الاحتلال نضال المقاومة الفلسطينية، واتفاق سلام كنا نعتقد أن إسرائيل استعدت له وتريده.
في الرحلة نحو الضفة كان يتردد في ذاكرتي رجع أغنية فيروز التي تقول فيها: "يا جسر الأحلام أنا سميتك جسر العودة". لكن سرعان ما صدمتنا على ذلك الجسر فوق نهر الأردن، صلافة الجنود الإسرائيليين وتحقيقاتهم معنا. واحدًا واحدًا، وعلى انفراد، أخضعونا إلى تحقيق أمني طويل وشاق، مضنٍ ومذل، فأشعرنا ذلك بأننا عائدون إلى دولة احتلال، يعاملنا جنودها كمتهمين، والأرجح أنهم يكتمون أو يلجمون عداوة لنا، دائمة ومتجذرة ولا تلين.
وكان علينا أن نبتلع صدماتنا المتتالية وننساها في غمرة سرورنا بالعودة، التي تجرعنا صدمتنا الثانية الأقوى والأمرّ من الأولى، عندما أوقفوا اثنين منا على الجسر ومنعوهما من متابعة رحلة العودة، وقرّروا إعادتهما فورًا إلى عمان. ولما طلبتُ من المسؤول الفلسطيني عن تنظيم رحلة قافلتنا أن نبادر إلى الاحتجاج تضامنًا معهما، ونرفض متابعة رحلتنا من دونهما، كان علينا أن نصمت بعدما قال لنا المنظّم المسؤول إن هذا بالضبط ما يريده الإسرائيليون ويرغبونه، كي يمنعونا من العودة ويعيدونا جميعًا إلى الأردن. وهكذا كظمنا غيظنا وغضبنا، وتابعنا رحلتنا صاغرين.
... يتيمٌ من مثاله
وسرعان ما علمنا أن السلطات الإسرائيلية ترفض رفضًا قاطعًا عودة كل فلسطيني شارك في عملية عسكرية ضدها. وهذا بعدما كانت وافقت على قوائم أسماء العائدين جميعها، حسب نصوص اتفاق مسبق أبرمته مع قيادة منظمة التحرير، لكنها بادرت إلى خرق الاتفاق فور شروعها بتطبيقه العملي.
وكم أحزنني وآلمني أن تكون المناضلة الأشهر في قريتي إحدى اللذين رفضت السلطات الإسرائيلية دخولهما إلى فلسطين من قافلتنا. هي وأنا كنا وحدنا العائدين في تلك القافلة إلى قريتنا التي احتشد أهلها على مدخلها لاستقبالنا والاحتفال بعودتنا إليها، بصفتنا فيها رمزَي النضال الفلسطيني في الشتات.
كانت تلك الرفيقة معلمة مدرسة متحررة، ومناضلة نشيطة وشجاعة في قريتنا، فانضوت مبكرًا في المقاومة، واعتقلتها سلطات الاحتلال في العام 1968. وبعد يومين على اعتقالها نسف جنود إسرائيليون بيت أهلها ودمروه تدميرًا كاملًا. وهذا ما حملني - أنا الأصغر منها سنًا - على الالتحاق مباشرة بالمقاومة السرية للاحتلال.
وهكذا عدت في صيف 1994 إلى قريتي بلا من كانت مثالي النضالي في صباها قبل 24 سنة من عودتي إلى فلسطين، فاستقبلني من دونها أهل قريتنا، وشعرت أن احتفاءهم بي ناقص ومحبِط ومنغّص لي.
سرور يبتلع الصدمات
بعد عبورنا جسر الملك حسين (أللمبي) كانت صدمتنا الثالثة أقسى وأمرّ من الأولين على الجسر: حواجز تفتيش متتالية، كأننا ندخل أرضًا وبلادًا محتلة، على خلاف فكرتنا من أننا عائدون إلى أرض محررة، لنقيم عليها سلطة وطنية فلسطينية حرة ومستقلة.
في أريحا استقبلنا أهلها باحتفال شعبي، فأنستنا كثافته، حرارته وزغردات نسائه، شعورنَا بالمهانة والمذلة أثناء تفتيشنا الأمني على الحواجز الإسرائيلية، التي سرعان ما فاجأتنا مجددًا كثرتها فور خروجنا من أريحا. ثم فاجأنا أيضًا مشهد المستوطنات الإسرائيلية المنغص. وهكذا كان علينا أن نكتم تلك المفاجآت المتتالية واحدة تلو أخرى، وننسى سؤالها الملح: إلى أين نحن عائدون... أإلى الاحتلال؟!
ثم إن سنوات غيبتي عن فلسطين كانت قد جعلت فكرة الاحتلال مجردة، وغائمة في وعيي النضالي في القاهرة وبيروت ودمشق وعمان. وبعد يومين على وصولي إلى قريتي، ذهبت إلى رام الله. على الطريق فوجئت بسيارة مستوطنين تتبع السيارة التي كنت فيها. ثم سرعان ما قطعت الطريق سيارة عسكرية للجيش الإسرائيلي، فأمرنا الجنود بأن نوقف سيارتنا، ونخرج منها، فامتثلنا لأمرهم.
وسارع أحد الجنود في الدخول إلى السيارة، فانتزع منها مفاتيحها، ثم قذفها بعيدًا وقال بغضب: كيف ولماذا أتيتم إلى هنا؟! أنتم يجب ألا تخرجوا من أريحا. وأتبع كلماته هذه بشتمنا بكلمات عربية مكسرة. وعلمنا لاحقًا أن الشتائم التي يطلقها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين، إنما يطلقونها كلها بهذه اللغة المحتقنة بالغضب والحقد والكراهية والاحتقار.
من سيارته العسكرية أجرى جندي إسرائيلي اتصالًا بقيادته، فسمعته يقول بغضب واحتقار: عائدون، عائدون... وعلمت أن هذه هي تسميتنا في الدوائر الإسرائيلية. وأمرنا الجندي بالانصراف ومتابعة طريقنا إلى رام الله. وهكذا دار في رأسي السيناريو التالي: سيارة مستوطنين تلاحقنا، ثم تقطع طريقنا فجأة سيارة عسكرية وتوقفنا. إذًا لا بد أن يكون الجيش والمستوطنون متواطئين ومتعاونين علينا، ويمكن أن أُعتقل في أي لحظة ومكان في الأيام الأولى من العودة.
عائدون إلى وكر ضباع؟!
لقد دخلنا في شرك أو مكيدة، إذن، فكّرتُ وتذكرت ما دار في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني الذي حضرته في الجزائر في العام 1991. وهو الاجتماع الذي اتُخذ فيه قرار مشاركة منظمة التحرير في مفاوضات السلام في مدريد. ثم استعدت ما قاله بروفسور فلسطيني - أميركي: هل تعلمون وتفهمون إلى أين أنتم فعلًا عائدون؟! أنتم لا تفهمون أميركا ولا إسرائيل... أنتم ذاهبون في الحقيقة والواقع إلى وكر ضباع سوف تفترسكم هناك.
لقد أعجبتني كلمة الرجل آنذاك. لكنني نسيتها في غمرة أحلام العودة وخطاب القيادة الفلسطينية الرسمي: هذه ليست سوى بداية تشوبها مشكلات كثيرة يمكن حلّها وتجاوزها.
(يتبع حلقة ثانية)
