النساء في لبنان يواجهن العنف في كل مكان، في الشارع، في البيت، وحتى على شاشات هواتفهن حيث يلاحقهن التحرش والمطاردة الإلكترونية ويصبح الفضاء الرقمي امتداداً للتهديدات نفسها التي يعرفنها في الواقع لكنه أكثر خفاء وانتشارًا وأكثر قدرة على تخويفهن في لحظة. كل رسالة تهديد، كل حساب مزور، كل صورة مزيفة، يترك أثره على أمانهن النفسي ويزيد الشعور بالعجز والخوف. الحياة اليومية للنساء باتت سجالًا ضد العنف، تحديًا للبقاء في أمان، داخل وخارج الشاشات، والعنف الرقمي صار واقعا ملموسا يلحَقُهن كل يوم، ويتركهن أكثر هشاشة أمام تهديدات متزايدة لا تعرف حدودا.
القانون والمجتمع: فجوة كبيرة
تتعرّض واحدة من كل ثلاث نساء حول العالم للعنف في حياتها، واليوم بات هذا العنف يلاحقها إلى الفضاء الرقمي. ومع احتفال العالم بالذكرى الثلاثين لـ"إعلان ومنهاج عمل بيجين"، إحدى أكثر الاتفاقيات الدولية تقدمًا في حقوق المرأة، تسلّط الحملات المناصرة للنساء هذا العام الضوء على التحرش عبر الإنترنت، والمطاردة الإلكترونية، والصور المزيفة، ونشر محتوى من دون موافقة صاحبه، وكل أشكال الانتهاكات التي تُيسّرها التكنولوجيا وتتصاعد بسرعة مقلقة.
العنف لا يقتصر على الشاشة فقط، فالواقع الاجتماعي والقانوني يكرّسه أيضا. اللبنانيون يعرفون أن العقوبات الحالية غير كافية، وأن التبليغ عن العنف الجنسي لا يزال يحمل وصمة عار للعائلة، والمصطلحات القانونية القديمة مثل "الاعتداء على العرض" تجعل الضحية مسؤولة وتغذي ثقافة الخوف واللوم، بينما المجتمع اليوم يطالب بتغييرها إلى "الاعتداء الجنسي" وتشديد العقوبات وضمان حماية النساء والفتيات، ما يكشف فجوة عميقة بين القانون والممارسة، بين الحقوق والواقع، بين الأمن المفترض والخطر اليومي.
سموها صح: حملة وطنية لإصلاح القانون
في مواجهة هذا الواقع أطلقت منظمة أبعاد حملتها الوطنية لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي تحت شعار #سموها_صح، مطالبة بإصلاحات قانونية عاجلة تحمي الناجين والناجيات من العنف الجنسي.
يأتي هذا التحرك على ضوء نتائج المسح الوطني حول مواقف اللبنانيين من الجرائم الجنسية والإصلاح القانوني الذي أجراه معهد الاستشارات والأبحاث لصالح أبعاد في تشرين الأول 2025 وشمل نحو 1500 شخص من مختلف المناطق اللبنانية نساء ورجالًا.
أظهر المسح أن غالبية اللبنانيين ترى أن العقوبات الحالية غير كافية، وأن فعل إكراه الزوجة على الجماع بغير رضاها يُعتبر جريمة، بينما يرى نصف المشاركين أن التبليغ عن العنف الجنسي يسبب العار للعائلة.
ويؤيد أكثر من 70 بالمئة من المستطلعين ضرورة تغيير المصطلح القانوني من "الاعتداء على العرض" ليصبح "الاعتداء الجنسي". ويدعم 99 بالمئة منهم تشديد العقوبات على مرتكبي الجرائم الجنسية، لما في هذا الفعل من أكره الغير على الجماع بالعنف أو التهديد، مطالبين بتعديل العقوبة من الأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات إلى عشرين سنة. ويؤيد 95 بالمئة تشديد عقوبة مجامعة القاصر المدة الزمنية ذاتها. كما يعتقد نحو 78 بالمئة أن السلطات اللبنانية لا تقوم بما يكفي لحماية النساء والفتيات من العنف الجنسي. هذا فضلاً عن أن 95 بالمئة من المستطلعين يؤكدون أهمية إصلاح قانون العقوبات بغية توفير حماية أكبر للناجين والناجيات.
غيدا عناني، مديرة منظمة أبعاد، تقول إن "الاعتداء الجنسي ليس مسألة شرف، بل جريمة عنف تحتاج إلى رادع وعدالة". أما دانيال الحايك، محامية في أبعاد، فأكدت أن "تغيير المصطلحات القانونية خطوة لكسر ثقافة الخوف ولوم الضحايا، وتحويل الانتهاك من قضية 'عار' إلى جريمة واضحة تستوجب العقاب".
حملة أممية ورسالة للأمل
بالتزامن مع احتفال العالم بالذكرى الثلاثين للإعلان العالمي، أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان، بالتعاون مع الهيئة الوطنية لشؤون المرأة، حملة وطنية تحت شعار "اتحدوا لإنهاء العنف الرقمي ضد جميع النساء والفتيات"، هدفها مواجهة العنف الرقمي وتأمين فضاء آمن ورفض الاعتداءات التي تسهّلها التكنولوجيا. وقالت اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون، رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية: "مع التوسع السريع للفضاء الرقمي أصبح العنف الرقمي ضد النساء والفتيات تحديًا ملحًا ومتزايدًا، علينا أن نعمل معًا لاعتماد قوانين تجرم هذه الأفعال وتطبيق تدابير للوقاية منها وضمان المساءلة وتوفير الخدمات القانونية والاجتماعية والصحية والنفسية للناجيات. كما أن رفع مستوى الوعي العام أمر بالغ الأهمية لضمان رفض المجتمع للعنف الرقمي والإبلاغ عنه، عندها فقط يمكننا تأمين فضاء رقمي آمن ومُمكّن لكل النساء والفتيات".
هذه الحملات المناصرة للنساء ليست شعارات بلا مضمون، بل محاولة لإعادة الحقوق والكرامة وإعلان أن الفضاء الرقمي لن يكون بعد اليوم ساحة لإذلال النساء، بل مكانًا للمساءلة وللسلام وللأمان.
