وصل البابا إلى لبنان، وأثار صفير الحياة في مسرحٍ أنهكته العروض المتكرّرة، وغادر. أتت الزيارة دافعًا لإعادة ترتيب اللبنانيّ لأحداث حياته، حتّى لمواضيع أحاديثه اليوميّة. هكذا تفعل الأحداث الاستثنائيّة ببساطة؛ إذ تصير محوّر الحياة العاديّة. لكنّ هذا البلد بالتحديد، يتمحوّر حول تتالي الاستثناءات فلا يجد الاستثناء متّسعاً كي يستقرّ ويصير تحوّلاً. هنا، أُعيدت هندسة الضوء، رأى الجمهور مشهدًا جميلًا من بعيد، ووقف منتصبًا بالأمل، منتصبًا فوق خشبةٍ تخفي، لا بل تلغي، التشقّقات تحت قدميه. يعيش البلد على الذكرى وتحت الركام، ويُطلب من ناسه ابتسامة احتفال لأنّ رمزًا عالميًّا وضع يده على كتفهم وقال إنّهم ما زالوا مرئيّين. غير أنّ يوم الصورة لا يكفي ليبدّد عتمة السنوات العجاف.
تضخيم الرمز
أتى البابا كرجل دينٍ عند البعض، كرجل دولةٍ عند آخرين. أمّا هنا، فهو رمزٌ. والرموزُ تدّل على ما أبعد منها. ويرتفع شأنها حين تغيب السياسة عن ساحة الفعل. وحين يغيب الفعل الحقيقيّ، يتضخّم الرمز (حنّة أرندت). فيصير الاستثناء وسيلةً لإدامة العاديّ، لأنّ هذا البلد يبقى محتاجًا إلى ختم الوجود من الخارج، بينما تتأخّر الدولة عن لعب دورها في تحقيق العيش الكريم. فيكرّر الزائر الأغنية نفسها، التغني بطبيعة لبنان، وحسن ضيافته، والوقوف على الأوجاع التي لا تعدّ، حاملًا شعارًا يكرّره كل بابا يزورنا منذ 1998. أحيانًا تحمّل الرموز أكثر من طاقتها، لا بل أكثر تصير جزءًا من العادي، واجترارًا له.
صنّاع هذا الاجترار هي مؤسّساتٌ إعلاميّة وكنسيّة، وثقافيّة تعرف جيّدًا كيف تُوجّه المعنى. إذ أتى فانٍ ليشدّد على صلابة المسيحيّين في هذا الشرق، ومرونتهم وكأنّ الوجود يحتاج دائمًا إلى توقيعٍ أعلى كي يتنفّس، وكأنّ القرارات الشخصيّة تأخذ قيمتها من قيمة معياريّة أعلى منها، لم يكن الأمر اعترافًا بقرارات اللبنانيّين بقدر ما كان دخولًا في لعبة البقاء لا الهجرة. هكذا تُدار الجماعات بالقلق لا بالحقّ. بمن يعيد تكرار الكلمات ومن يهيمن على السرديّة ليجعل منها ذاكرة. وتصبح الذاكرة مهرجانًا فالذاكرة التي لا تُترجم فعلاً، تتحوّل إلى احتفالٍ (بول ريكور). لتترسّخ سرديّة الخوف ضمانةً للبقاء.
العودة إلى القلق اليومي
يُلتقط السلام بصورة قبل أن يُبنى في الواقع. وتُرمّم الأخوّة بكاميرا، بينما تتوزّع الشوارع بين سلطات متعدّدة، شارك رموزها احتفالات البابا في الصفوف الأماميّة، هذه الأخيرة هي الشرخ بعينه لا هويّة جماعة أو غيرها. وتختبئ هشاشة الدولة خلف ابتسامة الزيارة، فتزداد هشاشةً، لأنّ كلّ ما يعلو فوق الواقع كثيرًا… يترك الواقع أكثر هشاشة (أمبرتو إيكو). تُمسح الجبهة بنداء طمأنة ليوم واحد، ثمّ تعود الجبهة ذاتُها إلى الحرب والعرق والقلق والبحث عن دواء ورغيفٍ قليل.
بالرغم من كل ما سبق، كان جميلًا عمل الناس في التنظيم والعناق والصلاة. لكن التحوّل لا يقاس بتحقيق أهدافٍ دينيّة، بل بما يتبدّل في بنيّة العلاقات من الحقوق والعدالة. الرمز الأصيل يفتح أفقًا للفعل… والرمز الزائف يغلقه (بول ريكور). وإذا بقي كلّ شيءٍ على حاله بعد الرحيل، تحوّلت الزيارة إلى إنعاش مؤقّت للواقع. وصار الإيمان، الذي هو في عمقه الأصلي، دعوة للحرّيّة وسيلةً للضبط. فتتجمّد الأيادي النيّرة التي عملت بحماسة دون أن تدري. لأنّ الإنسان، وإن كان حيوان رمزيّ… لكنّ الأنظمة قد تستعمل الرموز لتجميده. تُصبح الرمزيّة قفصًا ناعمًا، يزيّن العجز.
لا يمنحنا وصول البابا وثيقة شفاء ولا خطّة طريق. يقدّم فقط مرآةً كي ننظر إلى الشرخ بوضوح أكبر، غير أنّ وضوح الشرخ لا يعني تلقائيًا التئام الجرح. العلاج يجب أن يولد هنا، على هذه الأرض بالذات، على يد مواطنيها لا على يد مَن يلوّحون من فوق الموكب.
