بصمت ثقيل، ودموع محبوسة، وصور تحتضنها صدورهم التي يخنقها الشوق… اعتصم أهالي الأسرى اللبنانيين أمام السراي الحكومي. منذ أشهر، يقفون هناك بين الرجاء والانكسار، يرفعون مطلباً واحداً: التحرّك الفوري لكشف مصير أبنائهم المحتجزين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
على لافتة كبيرة، مكتوب بخط عريض "الأسرى اللبنانيون لدى العدو… ليسوا أرقاماً"، مع أسمائهم. كلمات تختصر كل وجع الأهالي، الذين يعيشون على فتات أخبار تصلهم من خلف القضبان. بعضهم عرف معلومة صغيرة من أسير فلسطيني أُفرج عنه حديثًا، وآخرون تلقّوا خبراً باهتاً من لبنانيين سلّمتهم قوات الاحتلال في آذار الماضي.
عشرون أسيرا بين مقاتلين ومدنيين
حسب الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين، هناك 20 أسيراً لبنانياً داخل سجون الاحتلال، بينهم مقاتلون اعتقلوا خلال المواجهات في الحرب الأخيرة، وآخرون مدنيون أُسروا بعد وقف إطلاق النار. كل اسم يمثل قصة، وكل وجه خلف القضبان يترك أثره على أهله هنا، في انتظار خبر يطمئنهم.
الأهالي يؤكدون أن صمت الدولة وإهمالها يجعل أبنائهم أسرى مرتين: أسرى الاحتلال… وأسرى الإهمال. منذ نحو شهر ونصف الشهر، طلبوا لقاء رئيس الجمهورية، لكن مطلبهم لم يُلبَّ بعد.
غضب وعتب على الدولة
في آب الماضي، سلمت الدولة اللبنانية أسيراً إسرائيلياً من السجون، من دون تفاوض أو تبادل للأسرى. في هذا السياق، تقول شهناز غياض، الناشطة الحقوقية "نستنكر تسليم الحكومة أسيراً إسرائيلياً وعدم اهتمامها بقضية الأسرى، هؤلاء يتحملون التعذيب، وليسوا أرقامًا".
قاسم عساف، والد الأسير علي قاسم عساف، يضيف: "نطلب من رئيس الجمهورية وأملنا به، أن يعمل لإعادة أولادنا الذين لا نعرف عنهم شيئًا… إلى متى سنبقى ننتظر؟ نريد أن نعرف مصير أولادنا".
هذه المطالب لا تقتصر على الجانب الإنساني، بل تمتد لتصل إلى البعد الوطني، تقول لولو حمود، شقيقة الأسير حسن حمود: "هؤلاء الأسرى دافعوا عن كل لبنان، ومن الضروري مطالبة الدولة بهم والتحرك بشكل عملي وملموس". وتضيف بصوت مرتجف: "أتيت لأكون أقرب إليهم، لأصرخ باسمهم… هنا لم يشعروا بنا ولا بوجعنا".
قصص شخصية… وآلام يومية
فاطمة كركي، شقيقة الأسير حسين كركي، تحكي مأساة شقيقها: بعد وقف إطلاق النار مباشرة، جُرح أثناء محاولته إنقاذ جرحى من قريته مركبا، وشهد استشهاد والدته أمامه، ثم أُسر بعد إصابته. وتقول فاطمة: "لا أرى أي تحرك من الدولة أو حتى الصليب الأحمر الدولي… المقاومة لا تترك ملفات الأسرى، لكن الدولة قررت استلام القضية، وها هي اليوم تتراجع أمام الإسرائيلي أكثر فأكثر".
السراي… صمت وانتظار
على الرصيف المواجه للسراي الحكومي يختلط الرجاء بالانكسار، الصبر بالغضب، والانتظار بالألم. صمت المعتصمين ودموعهم المحبوسة تقول شيئاً واحداً: لن ينسوا أولادهم، ولن يتوقفوا عن المطالبة بحقهم حتى يعودوا إلى وطنهم أحراراً.
ويبقى السؤال معلّقاً: هل يملك لبنان فعلاً أوراق القوة القادرة على فك قيودهم وإعادتهم إلى بيوتهم، طالما أن التفاوض مع إسرائيل قد بدأ؟
