بالفيديو": تطويب يوسف بك كرم: قدّيس وطني أم ألعوبة السفارات؟

رنا البايعالخميس 2025/12/04
Image-1764774673
البعض يعتبره من الذين بلوروا الفكرة الوطنية اللبنانية والاستقلال عن السلطة العثمانية (رنا البايع)
حجم الخط
مشاركة عبر

تطويب يوسف بيك كرم

عاد يوسف بك كرم إلى واجهة الإهتمام المحليّ، ليس من باب التاريخ والبطولة، وإنّما من باب القداسة. فمنذ إعلان الموافقة على طلب التطويب، ومزاره في كنيسة مار جرجس في اهدن، حيث يسجّى جثمانه، مكتظ بالزائرين القادمين من كافة المناطق اللبنانية. وتحوّل كرم، بطل زغرتا التاريخي، إلى مشروع قديس ماروني بمباركة الفاتيكان، وبعد عمل دؤوب من لجنة الرعية المتابعة للملف. 

وتنظّم رعية زغرتا إهدن ومؤسسة يوسف بك كرم قداساً احتفالياً لمناسبة إعلان مجمع دعاوى القديسين في الفاتيكان قبول دعوى تقديس خادم الله يوسف كرم، في كنيسة مار يوحنا المعمدان زغرتا، السبت المقبل. وسبق للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي أن كلّف لجنة تعنى بملف تطويب يوسف كرم، بغية العمل على تجميع الأرشيف الوثائق المتعلقة بحياته اليومية ومواقفه وعلاقاته كافة.

 

تشبه قصة يوسف بك كرم، الذي حارب العثمانيين ومات في العام 1889 في المنفى، قصص كثير من أبطال لبنان الذين حاربوا ودافعوا عن الأرض والهوية. لكن ما يميّزه عن باقي الأبطال الذين يذكرهم التاريخ بحسناتهم وشوائبهم، أنّ الكنيسة ترقّيه من رتبة بطل قومي إلى مرتبة القداسة.

يعيش كرم في وجدان الزغرتاويين وفي قلب صلواتهم. اذ يطلبون شفاعته من إيمانهم الكبير بأنّ حياته كانت مثالاً للقداسة والتّقوى. بالنسبة لهم، على مرّ العقود، هذا البطل قدّيس غير مطوّب. وفي لاوعيهم يقولون "يا يوسف بك كرم" إن أضاعوا شيئاً، فيجدونه على الفور. ولكن هل يكفي إيمان الرّعية بقداسة بطل ما حتى يطوّب؟ 

Image-1764774733

دعوى تقديس طويلة الأمد

تدور في الكواليس، العامة والخاصة، تساؤلات كثيرة عن يوسف بك كرم، بعضها لا يخلو من منطق ما: على أي أساس منح يوسف بك كرم قبولاً للتطويب في غياب عجائب له؟ وكيف يمكن أن يطوّب من حارب وخاض المعارك وكان له أثر كبير، بحسب بعض المؤرخين، في إخماد ثورة الفلاحين بقيادة ماروني آخر هو طانيوس شاهين؟

 

عضو اللجنة المكلفة بالتطويب المونسنيور اسطفان فرنجية شرح لـ"المدن" أنّهم اتبعوا الخطوات كاملة للتطويب قبل تقديم الطلب للكرسي الرسولي. وذكّر "أن الحديث عن تطويبه بدأ منذ العام 1924 عندما طالبت بذلك شخصيات ومرجعيات مهمة، من بينهم البطريرك الياس الحويّك. فكرم عاش حياة تقوى وصلاة وزهد. وكان في آخر سنواته في ايطاليا متنسّكاً في بيته، ومات برائحة القداسة". 

ولفت فرنجية إلى أن اللّجنة أعدّت كتاباً من 30 صفحة عن حياته، بعد موافقة البطريرك الراعي ومجلس الأساقفة، أرسل الى روما. وبعد دراسة الملفّ، جاء الجواب أنّ لا مانع من فتح دعوى تكريس وتطويب يوسف بك كرم العلماني المسيحي.

 

ويشير إلى أن العمل مستمرّ لتقديم حياته وفضائله وأرشيفه، أي ما كتبه من رسائل ويوميات روحانية وما كُتب عنه، ليعلن مكرّماً كخطوة أولى. "فهو اليوم خادم الله، ويحتاج لتدخل إلهي وأعجوبة من الله بواسطته ليُعلَن طوباوياً، كما حصل مع القديس اسطفان الدويهي، الذي قام بأوّل شفاء عجائبي له بعد خمسين عاماً من فتح دعوى تقديسه".

 

وأضاف أن "ايمان الرعية انطلاق لكل تطويب. وما ساعد في فتح دعوى التطويب حالة شهرة القداسة، بمعنى أن يوسف كرم الذي مات منذ 120 سنة مازال موجوداً في وجدان الناس، ولا يزالون يصلّون له ويطلبون شفاعته".

 

وعن الجدل حول تحنيط جثمانه، يؤكّد فرنجية أن جامعة ايطالية أكّدت أن جثمان كرم غير محنّط، لكن "بسبب الرطوبة الزائدة في النعش قمنا منذ 4 سنوات بترميم الجثمان المصاب بالعفونة".

 

في الجدل التاريخي

في كتاب المؤرخ فواز طرابلسي "حديد وحرير: من جبل لبنان إلى قناة السويس"، يبدو الكثير من رجالات الانتفاضات في زمن العثمانيين، ومن بينهم يوسف بك كرم، ألعوبة في أيدي السفارات. لكن بعض المؤرخين يشيرون إلى أنّ التاريخ لم ينصف كرم، صاحب المقولة الشهيرة "فلأضحّ أنا وليعش لبنان". ويقول الدكتور ابراهيم شاكر، العميد السابق لكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، أن كرم كان من آباء تبلور الفكرة الوطنية اللبنانية والسعي نحو الاستقلال والانفصال عن السلطة العثمانية.

ويشير شاكر، وهو بصدد نشر كتاب يوثّق مراحل حياة يوسف كرم ونضاله، إلى أن "هناك أخطاء تاريخية كثيرة في حقّ يوسف كرم. قيل عنه إنّه عميل فرنسي وغير ذلك من النعوت. لكن في نصوصه ومراسلاته ما يدلّ إلى وعيه للمطامع الفرنسية في شكل خاص، والأوروبية في شكل عام في المنطقة، وأولوية القضية اللبنانية لديه، ورفضه أن يكون تابعاً للفرنسيين. بل كان يريد أن يكون حليفاً". 

ويستعرض شاكر بعض التفاصيل التاريخية، مشيراً إلى "الفرنسيين أغروا كرم بالسلطة حتّى لا يتدخّل في معركة زحلة الشهيرة. لكنه في الحقيقة وقع في خديعة الفرنسيين". 

ويضيف: "البعض ضخّم خلاف كرم مع طانيوس شاهين ودوره في إخماد ثورة الفلاحين. لكنّه ظلم كثيراً. والدليل أنه عندما قرّر الدروز دخول دير القمر التحق بكرم طانيوس شاهين ورجاله".

بدوره مؤلف كتاب "يوسف بك كرم: سيرة بطل" الكاتب سركيس أبو زيد يعتبر أنّ كرم أهمّ من قديس وأرقى من سياسي. فهو "من أهمّ روّاد النهضة في لبنان. رائد في الفكر الوطني والبعد الإنساني. وقد يكون أوّل مشرقيّ تكلّم في حقوق الإنسان أو كما سمّاها "حقّ العباد". 

عن دعوى تطويبه لفت إلى "المدن" أنه "طالما أنّ القرار صدر عن سلطة الفاتيكان، فهي حتماً وجدت ما يستدعي الموافقة على قبول التطويب. بمعنى أن الشروط المطلوبة موجودة. ودوره السياسي والعسكري والمعارك التي خاضها لا تمنع تطويبه. ففي الكنيسة قديسون كانوا محاربين، مثل مار جرجس ومار سركيس. وحياة كرم كانت قدوة في الصلاة والتقوى والزهد".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث