منظمات "الدعم النفسي" وذلّ البحث عن علاج: شُهور لتحديد موعد

حسين مهديالأربعاء 2025/12/03
Image-1764677294
ممارسات المنظمات المقلقة أثارت استغراب أكثر من اختصاصي نفسي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

خدمات الصحة النفسية، التي تقدّمها بعض المنظمات غير الحكومية، ليست مجانية بالكامل. ويدفع المستفيد أحياناً ثمنًا أغلى من المال: أشهر من الانتظار، سوء المعاملة، انتهاك الخصوصية، وتدنّي المهنية لدى بعض العاملين، من موظفي الاستقبال إلى الممرّضين وغيرهم. وحتّى حين ينجح البعض في حجز موعد، قد يكتشف أن المعالج غير مؤهّل لحالته. فتضيع أسابيع وأشهر الانتظار سدى.

 

تمنى الموت

"تمنّيتُ الموت ولم أنجح في أكثر من محاولة انتحار". بهذه الجملة يبدأ سامي (اسم مستعار) حكايته بعد تعرّضه لوضع نفسي، نسف علاقاته الشخصية والمهنية. ويقول: "أصبت باضطرابات ما بعد الصدمة، وعشت أسابيع قاسية من البكاء والعزلة".

ودفعه عجزه عن تحمّل كلفة العيادات الخاصة  للجوء إلى منظمات تقدّم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي. فاصطدم بلوائح انتظار طويلة قبل التواصل مع منظمة "أطباء العالم". ويقول: "أخذوا مني بيانات كاملة، وأجروا تقييمًا عبر الهاتف. وعلى الرغم من إبلاغهم بأفكار انتحارية تراودني والقيام بمحاولات سابقة، طُلب مني الانتظار نحو شهرين".

خلال هذه الفترة، كان "خط الحياة" ومتنفسه الوحيد جمعية Embrace ويقول: "ساعدني الأمر في تجاوز ليال صعاب، كنت أسير فيها في طرقات حالكة باحثاً عن أي سبيل لإنهاء هذا الوجع". 

وبعد شهرين، حصل على موعد أوليّ مع طبيبة صحة عامة في مركز الرعاية الصحية الأوليّة في مستشفى بيروت الحكومي، تمهيدًا لتحويله إلى قسم الصحة النفسية الذي تديره "أطباء العالم". ويقول سامي إنه ما إن وصل إلى مركز الرعاية، حتى تحوّل سبب حضوره إلى معلومة مُتداولة علنًا: تُعيد الموظفة عبر الهاتف "جاي كرمال الصحة النفسية". نظرات فاحصة، همسات، وشعور واضح بأنه "غريب". قبل دخوله عند الطبيبة، تسأله الممرضة عن الأوجاع، فيجيب: "أنا هون كرمال الصحة النفسية". تردّ بجملة تُجرّد الطلب من خصوصيته وتضاعف الوصم: "كلنا بدنا صحة نفسية"، ثم أمطرته بأسئلة لا صلة لها بالعلاج. 

 

اختراق الخصوصية

بعد التقييم، قالت الطبيبة ما قيل له هاتفيًا أصلًا من أنه يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، وأحالته إلى العلاج النفسي. والخلاصة بالنسبة لسامي: المسار المجاني كلّفه إفشاءً كاملاً لخصوصيته وسط انعدام الحدّ الأدنى من السرية والكرامة.

الأسوأ أنه بعد خروجه من مكتب طبيبة الصحة العامة، انتظر قرابة شهرين إضافيين. وحين ظنّ أنهو سيقابل معالجة نفسية، تبيّن أنه أمام "مسؤولة حالة". هناك خضع لجلسَتين لإعادة تقييم، أعاد خلالهما رواية قصته مجددًا... وامتدّت رحلة وصوله إلى العلاج النفسي لأكثر من ستة أشهر، وقد رافقها استنزافٌ نفسي عبر تكرار الاستجوابات وتبدّل الأشخاص.

حضر سامي الجلسة الأولى وأعاد سرد قصّته. ثم تغيّب عن الجلسة الثانية بسبب ظرف طارئ تعرف المعالِجة تفاصيله. مع ذلك، واجه توبيخًا مهينًا: "يا أستاذ انت لم تحضر الجلسة السابقة، وأنا لن أعطيك موعداً مقبلاً، لأن هناك العديد من الحالات على لائحة الانتظار...

سامي ليس الحالة الوحيدة التي مرّت بتجربة قاسية مع هذه المنظمة. روان (اسم مستعار) واجهت انتظارًا طويلًا واختراقًا للخصوصية. وتصف علاقتها بالمعالِجة بأنها "سامة"، إذ أصرت الأخيرة على تسخيف الهواجس والمشكلات التي تطرحها روان، على الرغم من أنّ هذه الهواجس هي تحديدًا ما يشلّ حياتها ويمنعها من المضيّ قدمًا. وما سردته روان كان كافيًا، وفق تقييم المنظمة نفسها، لتصنيفها حالة تستوجب تدخّلًا علاجيًا.

 

تبريرات المنظمة

كما فعل سامي، قدّمت روان أكثر من شكوى إلى إدارة المنظمة بشأن سوء المعاملة وسلوك بعض المعالِجين النفسيين، لكن أياً منها لم يؤدِّ إلى فتح تحقيق داخلي.

في حالة روان، قيل لها إن هدف الجلسات هو "التأقلم فقط، لا حلّ المشكلة". لكن لا المشكلة حُلّت ولا التأقلم تحقّق؛ بل بدأت تجلد ذاتها بفعل لَوم المعالِجة. أمّا سامي، فبعد سلسلة شكاوى، عزت المنظمة ما حصل إلى "سوء تواصل داخلي" ووعدت بمعالجة المشكلة. 

في ردها على استفسارات "المدن"، تقول المنظمة عبر البريد الإلكتروني، إن الإجراءات "مفروضة من وزارة الصحة، وإن الشكاوى تُعالَج دائمًا لضمان أفضل خدمة". وأفادت بوجود سياسات لحماية الخصوصية، لكنها لم تزوّدنا بهذه السياسات أو بسياسات التعامل مع الشكاوى رغم طلبنا الاطلاع عليها.

 

في المقابل، يوضح رئيس البرنامج الوطني للصحة النفسية الدكتور ربيع الشماعي أن دور البرنامج هو إعادة هيكلة خدمات الصحة النفسية لضمان الجودة والإنصاف. ويشدّد على حق المستفيدين في "تقديم الشكاوى إلى وزارة الصحة عند أي انتهاك لحقوقهم في مراكز الرعاية الأولية. ويقوم النموذج، وفق البرنامج، على تدريب غير المتخصصين (أطباء عامون، ممرضات، مسؤولات حالات/مرشدات اجتماعيات) للتعامل سريعًا مع الاضطرابات الشائعة الخفيفة والمتوسطة، والإحالة إلى المعالِج/الطبيب النفسي عند الحاجة. والهدف هو تقليل زمن الانتظار، لا إضافة حلقات إدارية".

 

المسارعة إلى الدواء

لجأت سارة (اسم مستعار) التي تعاني أعراض اكتئاب إلى منظمة "إدراك". أُحيلت إلى معالِجة نفسية، لكن الأخيرة أصرت منذ الجلسة الأولى على تحويلها إلى طبيبٍ نفسي، الذي بدوره وصف لها مباشرةً مضاداً للاكتئاب. 

 

وتقول سارة: "لم يشرح لي تفاصيل وافية عن هذا الدواء وأعراضه الجانبية… كما لم يُعر اهتمامًا لسؤالي حول فحوصات عامة، خاصة أن الضغط النفسي قد يسبب اضطرابات عضوية".

وعلى الرغم من أن التدخل الدوائي قد يكون ضروريًا في بعض الحالات، فإن نمط التحويل السريع من المعالِج إلى الطبيب، ثم وصف دواء طويل المدى تكرّر مع حالات عدّة، وهذا ما يطرح سؤالًا حول مبرراته، وحدود التوازن بين العلاج النفسي والدوائي وجودة الفرز الأولي. 

 

وتحدّث مستفيدون عن صعوبة التواصل وعدم الرد على الاتصالات. ووثّقت "المدن" عدم تجاوب مع بعض الحالات المعرّضة للخطر. وردّت الجمعية بأن عدد المستفيدين "ازداد أربع مرات خلال خمس سنوات، مع بقاء فريق العمل بالحجم نفسه". وبرّرت أن الأولوية تُعطى "للأكثر عرضة للخطر". غير أن نموذج المعلومات الذي تطلب المنظمة تعبئته وإرساله عبر واتساب، وفق ما عاينته "المدن"، لا يتضمن أسئلة تساعد فعليًا على ترجيح الحالات الأعلى خطورة.

هذه الممارسة المقلقة أثارت استغراب أكثر من اختصاصي تواصلت معهم "المدن". وتقول المحلِّلة النفسية ونقيبة النفسانيين في لبنان الدكتورة رجاء مكي: "قبل وصف الدواء يفترض أن تكون هناك معرفة شاملة وكافية بالحالة، وهو ما لا يُحسَم في جلستين أو ثلاث، إلا عند الحالات ذات الخطورة المرتفعة".

 

ووفق مكي، فإنّ نقص ساعات الدعم والعلاج النفسي لدى بعض المؤسسات يدفعها إلى التحويل السريع إلى لطبيب النفسي ووصف الدواء. وهنا "يضيع الحقّ في العلاج مثل الحقّ في الدعم النفسي الأولي". فالاحترافية ضرورية جداً، خصوصاً عند تشخيص الحالات النفسية، وتحديد من يحتاج إلى دواء ومن يحتاج فقط إلى علاج نفسي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث