بين زحمة المواعيد الطبية التي تعجّ بها يوميات الطفلة أسيل شرارة، استرقت الأم أماني بزي وطفلتها، لقاء "خارج البروتوكول" مع البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته الى بيروت.. ورغم زحمة مواعيد برنامج الحبر الأعظم خلال زيارته الحافلة الى لبنان، بارك جراح الطفلة، وواساها، وفاض عليها إنسانية وروحانية، شفاءً للروح ولآثار العدوان الذي طالها، ولم تنتهِ تداعياته بعد.
لم يُحدد مكان اللقاء ولا موعده ولم يعلن عنه مسبقاً. لكنه تم بين المحطات الكثيرة التي توقف فيها البابا عند مآسي اللبنانيين وجراحهم، مستمعاً إلى الأم المكلومة بثلاثة أطفال وزوج، وأسيل الناجية من مقتلة عائلية في غارة اسرائيلية، في بنت جبيل. واستقرت الأم، التي تتابع المستجدات الطبية لابنتها أسيل في الجامعة، لحظات وسلمت رسالة لقداسة البابا، و"وعدها بأن يقرأها وأن يعود إليها متى تسمح له الظروف".
لم يكن اللقاء مع قداسة البابا لقاءً بروتوكولياً، بل لحظة إنسانية مركّزة حملت تفاصيل فاجعةٍ مستمرة منذ 22 أيلول 2025. حينها فقدت الأم أماني وأسيل باقي أفراد العائلة في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة نارية كانت إلى جانب سيارتهم في بنت جبيل في جنوب لبنان. صورة العائلة، قبل اللقاء، حُملت الى قداسة البابا الذي عاين في اللحظة، ما تبقى من العائلة وآمالها بالنجاة. وأسوة بانفعال البابا لضحايا انفجار مرفأ بيروت، ومباركته لطفل مريض في مستشفى "دير الصليب"، وحزنه على معاناة اللبنانيين، تأثر حكماً بمأساة هذه العائلة التي خسرت زوجها شادي شرارة وثلاثة أطفال في لحظة واحدة. وكانت خسرت قبلها منزلها الذي تضرر نتيجة غارة اسرائيلية استهدفت المبنى الملاصق لهم أيضاً خلال الحرب الاخيرة، وتحوّلت قصّتها إلى قضية وطنية.
أسيل… الشاهدة التي نجت
رغم حجم الفاجعة التي تعيشها، تستمر أماني بالسعي وراء تحقيق أمرين: الشفاء لابنتها أسيل (13 عاماً)، التي تخضع لعمليات جراحية متتالية، والسعي خلف العدالة، واضعة نصب عينيها ملاحقة القضية إلى المجتمع الدولي، والمحاكم المختصة، وكل الجهات التي يمكن أن تنصف عائلتها.
أسيل، الطفلة التي لم تتجاوز الثالثة عشرة، أمضت أشهراً طويلة في مستشفى الجامعة الأميركية بعد إصابة بليغة أدخلتها في غيبوبة استمرت لشهرين. ورغم أن علاجها لم ينته بعد، سمح لها الأطباء بالخروج لساعات قصيرة لتكون جزءاً من هذا اللقاء مع الحبر الأعظم.
كانت آثار الجراح واضحة على جسدها، غير أنّ حضورها حمل قوةً خاصة. فأسيل، التي كانت تتابع دراستها في المدرسة الإنجيلية في صور، وكانت معروفة بحيويتها، أصبحت اليوم شاهدة على مجزرة أودت بعائلتها، وشاهدة على حربٍ تُصيب الأطفال قبل غيرهم.
رسالة وصورة… خلاصة الفاجعة
خلال اللقاء الخاص، قدّمت أسيل إلى البابا رسالة وصورة تجمعها بعائلتها قبل الاستهداف، في مشهد بدا وكأنه يختصر قصة الحرب برمّتها: صورة واحدة تختزن كل ما حدث، وكل ما فُقد، وكل ما يحاول الناجون استعادته من ذاكرة وحقّ وحياة.
البابا قابل أسيل وأمها بكثير من الاهتمام، على ما يقول شهود على اللقاء، وقدّم لهما هدايا رمزية. ولم تكن الصورة التذكارية التي التُقطت مجرد لقطة ضمن برنامج الزيارة، بل لحظة اعتراف عالمي بمظلومية عائلة دفعَت الثمن الأكبر للعدوان، وتختزل، في مدلولاتها، مئات العائلات التي دفعت ضمن حرب امتدت لثلاثة أعوام، ويعيش اللبنانيون مخاوف من تجددها.
رمزية تتجاوز البروتوكول
وسط الزحام السياسي والإعلامي للزيارة، جاء هذا اللقاء ليعيد التأكيد على الجانب الإنساني الذي غالباً ما يغيب خلف الخطابات الرسمية. فقد شكّل حضور أماني وأسـيل تذكيراً بأن العدوان لا يُختصر في بيانات أو أرقام، بل في حيوات حقيقية انهارت في ثانية واحدة، وفي أم وطفلة تواصلان حمل العبء وحدهما.
جسّد هذا اللقاء المعنى الحقيقي لزيارة البابا وسماحته وإنسانيته ورفعة أخلاقه، عبر تسليط الضوء على العائلات التي دفعت أثمان الحرب، وعلى قصص الناجين الذين لا يزالون يواجهون تبعاتها الصحية والنفسية والاجتماعية.
حضر صوت أسيل وأماني، وحضرت صورة الطفلة قبل اصابتها وبعدها، وحضرت كل معاني الألم بين الصورتين. شكّل اللقاء لحظة مواجهة بين المأساة والرجاء، وبين العدوان وقوة الحياة المستمرة رغم جراحها.
