زيارة البابا تتلطَّفُ بلبنان المحتضر.. فيتشبث بصوره الذاوية

محمد أبي سمراالثلاثاء 2025/12/02
Image-1764582594
استحضر لبنانيون كثيرون صورًا قديمة زاهية لبلدهم المحتضر (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد جفاف خريف تحوّل إلى صيف، وتزوُّدِ سكان مدينة الاختلالات والفوضى بمياه آبار مالحة تنقلها "سيترنات" (صهاريج) إلى خزانات بناياتهم، أمطرت على لبنان، على بيروت ومطارها في وقت وصول بابا الفاتيكان لاوون الـ14 إليه، فحمل مستقبلوه مظلات بلون ثياب داعية السلام والمحبة. وهيهات أن يفوّت لبنانيون كثيرون مثل هذه الفرصة الذهبية ليؤكدوا أنهم عبدة مظاهر واستعراض، على الرغم من أكلافها الباهظة والإفلاس الذي ضرب بلدهم منذ سنوات مديدة.

 

ألطاف الزيارة 

واللبنانيون الذين لا يتفقون على شيء، الأرجح أنهم اتفقوا على أن يطيل الحبر الأعظم مكوثه في بلدهم لأسباب شتى: لتستمر إدارتهم الحكومية في تزويدهم بالكهرباء العمومية، التي شعشعت أضواؤها في استقبال الضيف الكبير. ذلك لأنهم يتكبّدون مشقات التزوّد بالطاقة الكهربائية من مولدات مافيات خاصة، يصعب ألا تكون على صلة حميمة بمافيا "دولتهم العميقة". ثم لتستمر دولتهم تلك في مبادرتها المفاجئة إلى تزفيت طرق مهترئة، ليمر عليها موكب ضيفهم الاستثنائي. 

وربما تحوّل اتفاقهم الموقت هذا إلى تضرع ورجاء، حين انتبهوا أن مسيّرات الرعب والموت الإسرائيلية غاب أنينها المدمّر للأعصاب عن سماء بيروت، قبل يومين من وصول زائرهم الكبير إلى مطارها. فالدولة تلك، دولة المسيّرات والاغتيالات والقوة الفوق بشرية، لم تكف منذ أكثر من سنة عن قصفهم اليومي بالحديد والنار. ولما أوقفته موقتاً، بادرتهم بالتهديد تلو التهديد بأنها سوف توسع حربها على بلدهم، حالما يغادره ضيفهم الكبير.

ومن ألطاف زيارة البابا لاوون الـ14 لبنان، أنها صرفت أهله لأيام عن الكلام في نكباتهم المتنوعة ومآسيها. كما صرفتهم أيضًا عن استغراقهم المديد في تحويل تلك النكبات مادة ومدارًا لهذرهم، لتراشقهم بالتهم والمهاترات، وبالتكايد في ما بينهم. هذا على الرغم من أن انشغالهم عن ذلك كله بالإعداد والتحضير لاستقبال ضيفهم، وتنظيم زيارته وتنقلاته، لم يخرج عما تعوّدوا عليه وألفوه في أمثال هذه المناسبة: عبادتهم المظاهر والاستعراض. وقصرهم الكلام عن الزيارة وعما يترتب عليها من إنشاء خطابي خالص، إعلامي وإعلاني ودعائي.

ومما ساهمت الزيارة في تلطيفه موقتًا أيضًا، هو غياب سيل شحنات غضب سائقي المركبات وفورانه المرعب في الشوارع حتى القتل أحيانًا، في حين تتسرب طاقة سعار الغضب وتسري في الإسفلت وإسمنت البنايات على جنبات الطرق.

وقد يكون الأهم من هذه الألطاف أن زيارة البابا أوقفت، موقتًا أيضًا وأيضًا، عنين مسيّرات الحقد والموت في سماء بيروت.

 

البابا وفيروز وميشال شيحا

وفي مرآة الزيارة الاستثنائية التي تتراءى لعبدة المظاهر والاستعراض أنها قد تنتشل بلدهم من قعر العالم وحضيضه وتجعله مرئيًا على خريطته، استحضر كثيرون، وخصوصًا معظم المسيحيين، صورًا قديمة زاهية لبلدهم المحتضر. ومنذ سنوات مديدة ضرب الخواء والعقم تلك الصور، فيما هم يسترسلون في عجزهم عن البدء بإخراجه من احتضاره، نحو احتمال تعافيه. وهذا على خلاف ما يقال من أنه "كطائر الفينيق، ما أن يحترق ويموت حتى ينبعث من رماده".

لكن التشبث بتلك الصور القديمة الزاهية واستعادتها في هذه المناسبة، قد تخففان من آلام المتشبثين بها، وتبعث شيئًا من المواساة والعزاء في روعهم، "في مهب النكبة اللبنانية" التي أشبعها شرحًا وتنقيبًا سوسيوأنثروبولوجيًا المؤرخ أحمد بيضون في أحدث كتبه. 

وهذه حال زيارة البابا المواسية والمعزية، والتي تدفئ قلوب جماعة من اللبنانيين وأرواحهم على دروب "آلام جلجلة لبنان" ونكبته الراهنة، ما دامت الجلجلة اللبنانية تستعير صورها من التراث الديني للجماعة إياها.

وشأن زيارة البابا في هذا، شأن أغاني فيروز التي، كلما اشتد عصف المآسي بالبلد الصغير، ازداد تشبث أهله بأغانيها، وبها هي صاحبة "الصوت الملائكي"، بوصفها "صوت الموعودين بالخلاص"، و"أم لبنان الحزينة"، و"قديسة" بلاد الأرز والمحبة والسلام، ووطن "الرسالة" المتعالية والمتسامية، وأرض "القداسة والعسل واللبان والبخور". ولم يجد البلد المحتضر منذ سنوات، سوى هذه الصور المستلة من عصور قديمة لاستقبال قداسة البابا بها. 

وهذه الصفات والصور وسواها من أمثالها، كانت في صلب السردية التأسيسية لـ"لبنان في شخصيته وحضوره". وهذا عنوان كتاب شهير ومرجعي لميشال شيحا (1891- 1954) عن دور لبنان واللبنانيين في محيطه ومحيطهم القريب والبعيد. لكن نظرة شيحا الثاقبة إلى دور بلده ومصيره، ما كانت تخلو من قلق وخوف، على خلاف ما شاع عنه من أنه كان متفائلًا بلا تحفّظ وعلى الغارب بمستقبل البلد الصغير "ملجأ الأقليات الخائفة والمضطهدة في الشرق"، و"صلة الوصل بين الشرق والغرب". ذلك أن عرّاب دستور الجمهورية اللبنانية الذي قتلته الحروب، كان قد كتب في "خواطره" التأملية في أربعينات القرن العشرين: "القبح يغمر وجه الأرض بالبرص". والألم هو النبيل الأوحد". و"الهواء يمتلئ برعشة الأشياء التي تتوارى". و"طريق الضلال وطريق الحرية يسيران جنبًا إلى جنب".

 

الدبكة وترنيمة الميلاد

وبالغت محطات تلفزيونية محلية في استعادتها صور وكلمات مغرقة في قدمها، عن "تفتيت صخور الجبال وطحنها". وعن "شموخ الأرز مهما كبر الخطر" في "بلد الشمس الأزلية العظيم". 

وعلى مدخل القصر الجمهوري، في انتظار وصول الزائر الكبير، أدت فرقة بعلبكية مشاهد من الدبكة على إيقاع الطبول، فيما كان فيض من مياه الأمطار يتدفق بين أقدام الدبّيكة.

وتساءلت مذيعة تلفزيونية عن أسباب غياب الخيالة، الذين قالت إن حضورهم كان مُدرجًا في برنامج استقبال موكب البابا في ساحة القصر.

لكن فرقة منشدات ومنشدين لترنيمة "هلليلويا" في إحدى قاعات القصر الجمهوري، جاء لافتًا وجديدًا وجميلًا أداؤها الترنيمة الميلادية.

الأرجح أن اللبنانيين مُنحوا الكثير الكثير من الحرية، فبددوها في عبادتهم المظاهر والاستعراض والانتفاخ بذواتهم. وربما يعوزهم الكثير الكثير من التواضع والتقشف ليكونوا أحرارًا. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث