تسوّل الأطفال في سوريا: واقع أليم وأحلام مهجورة

دمشق - كلير عكاويالاثنين 2025/12/01
Image-1764424340
ما أكثر الأطفال المشردين والمتسولين في سوريا، بين الأزقة والأحياء، وعند إشارات المرور (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تحتضن امرأة خمسينية طفلاً رضيعاً ملتفّاً بوشاح أحمر، بينما يقّبله رجل يبدو وكأنّه والده، في لحظة يستمدّ فيها الأخير الحنان من ابنه بدلاً من العكس، فيما تجلس إلى جانبهم فتاة عشرينية، تتحدّث مع ثلاثة أطفال يتقاذفون فيما بينهم قطع بلاستيكية، في مشهد ليس لعائلة تستمتع بنزهة أسبوعية، بل هو واقع لعائلة مشرّدة تتسوّل لقمة عيشها على حافة الطريق في أحد شوارع دمشق.

 

النزوح وتفشي الظاهرة

وعندما رأيت هذه العائلة المشرّدة التي تفترش الأرصفة، اقتربت وسألتهم عن مكان يأوون إليه، فأجابوا بأنّهم نازحون بلا مسكن ولا مأكل، وطلبوا المساعدة بعبارة "بدنا نعيش"، التي تردّدت في ذهني، ثم وضعت مبلغاً متواضعاً من المال في كيسهم الأسود، ومضيت في طريقي، متسائلة إذا كان ذلك يُعتبر حلّاً؟

ساهم النزوح بشكل كبير في تفشّي هذه الظاهرة، حيث فقدت العديد من العائلات منازلها لأسباب مختلفة، ثم وجدت نفسها بظروف معيشية صعبة وسط وضع اقتصادي متدهور، مع عدم توفّر فرص العمل والدعم اللازم، مما جعل من التشرّد الخيار الوحيد ومن التسوّل الوسيلة الأساسية لتلبية الاحتياجات اليومية.

ومن ناحية أخرى، أدّى تفكّك بعض الأسر نتيجة الأحداث التي شهدتها سوريا على مدى 14 عاماً إلى ترك العديد من الأطفال والنساء بلا معيل، مما جعلهم أكثر عرضة للتشرّد والتسوّل أو الاستغلال من جهات مشغِّلة. وهذا ما أكدته مديرة مكتب مكافحة التسوّل بمديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في دمشق خزامى النجاد لـ"المدن"، قائلة: "هناك أسباب كثيرة للتسوّل منها اقتصادية نتيجة الفقر، ومنها اجتماعية، تتعلّق بوجود أطفال من أسر مفكّكة، حيث يعيشون عند الأجداد أو الأعمام أو الأخوال، وبعد فترة من التشرّد قد يستغلّهم الأقارب أنفسهم عبر التسول".

وأشارت إلى أن "أكثر حالات التسوّل التي لوحظت في الفترة الأخيرة تتعلّق بالأطفال، ولا سيما الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وأربع سنوات، وأرجعت ذلك للمجتمع الذي يُظهر تعاطفاً أكبر مع الأطفال، مما يجعلهم عرضة للاستغلال، سواء من قبل ذويهم أو أقاربهم أو حتى من قِبَل مُشغِّلين".

من جانبها، أكدت الاختصاصية النفسيّة والاجتماعيّة رندة علي ديب أن "التسوّل هو سلوك مكتسب يتم تعلّمه وممارسته يوميّاً، ليتحوّل مع الوقت إلى مصدر ضغط نفسي على الشخص المتسوّل نفسه".

وأفادت بأن "الدافع الأساسي للتسوّل هو الحاجة المادية الناتجة عن البطالة وقلّة مصادر الرزق، مما يدفع الفرد لتأمين احتياجاته الأساسية، وربما يعود ذلك إلى الإمكانيات الذاتية الضعيفة للفرد، ونقص المهارات، والبيئة المحيطة غير الداعمة له". 

 

أطفال الشوارع يبيعون مستقبلهم!

ما أكثر الأطفال المشرّدين والمتسولين في سوريا، بين الأزقّة والأحياء، وعند إشارات المرور، وفي الأسواق وهنا وهناك، منهم من يضعون أيديهم على رؤوسهم، وينامون نوماً عميقاً يشبه حالة الغياب عن الوعي، ومنهم من يفتحونها طلباً للمال وهم يتنقّلون من مكان إلى آخر، ثم يعودون إلى منازلهم. 

وأفادت مسؤولة مكافحة التسوّل بأن "الحالات تتركّز في دمشق وريفها، بالإضافة إلى العديد من المناطق في محافظات أخرى مثل حلب واللاذقية وحمص، أما المناطق الأكثر تأثراً بظاهرة التسوّل في دمشق، فتشمل (دمشق القديمة، مناطق الحدائق، المرجة، شارع الثورة، العمارة، الشعلان، والحميدية)". 

وأشارت إلى أن "التقديرات تشير إلى وجود حوالي 1200 حالة في دمشق و900 حالة في ريف دمشق، لكن هذه الأرقام ليست دقيقة حالياً"، وأكملت: "هناك مركزين لرعاية الأطفال واحد في باب مصلى للإناث وآخر في ضاحية قدسيا للذكور، ويحتويان على حوالي 135 حالة".

بدورها، أكدت الاختصاصية ديب أن "الأطفال الذين ينشؤون في أسر تعتمد على التسوّل يكتسبون هذا السلوك كـمهنة عائلية، وعندما يدرك الطفل لاحقاً أنّه يتسول، يتشكّل لديه شعور بالدونية وانخفاض احترام الذات، وتسيطر عليه مشاعر الاستياء والكراهية تجاه الطبقات الأعلى، مما يؤدي إلى مشاكل اجتماعية لاحقاً".

وقالت: "هذا الوضع يؤثّر حتماً على الطفل المتسول، حيث تقل قدرته على الاندماج في المجتمع أو أن يكون كغيره من الأفراد، بل سيبقى حبيس بيئته التي يعيش فيها، وعندما يحاول الخروج منها، سيواجه مشاكل أبرزها الشعور بانعدام الأمان".

 

مفارقات تسوّل الأطفال

يكفي أن تتجوّل لنصف ساعة فقط في إحدى المناطق السابق ذكرها حتّى تصادف عدداً لا بأس به من هؤلاء الأطفال الذين تنوّعت طرائقهم وتطوّرت أساليبهم، حيث ركضت الطفلة دهب ابنة الـ 8 سنوات باتجاهي أثناء تناولي طابات الآيس كريم في محل المثلّجات بساحة العباسيين – دمشق، وقالت: "طعميني.. طعميني.. الله يوفقك".

وفي هذه اللحظات، إما أن تطعم الطفلة ذات الشعر الأسود والمجعّد، أو أن تعطيها المال، أو تتجاهلها إن استطعت لأنّها تتميّز بروحها المرحة وأسلوبها المختلف الذي يجذب المارّة، وقد يكون سبب قضائها ساعات في الشارع هو فقط حاجتها للتفاعل الاجتماعي والرعاية.

وفي هذه الحالة، أوضحت الاختصاصية النفسية والاجتماعية أن "هناك تباين بين الأطفال، فبعضهم لا يتسوّل بشكل مباشر، بل يطلبون أشياء بسيطة كالأكل أو الألعاب إذا اقتربوا منك، وهذا السلوك يشير إلى أن الهدف هو الكسب منك بأي شكل، وربما لا تعني لهم الأموال بحد ذاتها، بل هم مطالبون بأداء مهمة معينة".

 

المساعدة الحقيقية ليست بالمال!

في مشهد آخر، بينما كنت أتجوّل في شارع الحمراء صادفت امرأة تجلس مع طفلتها، حيث توجّهت إليّ قائلة: "الله يحميكِ ياحلوة.. أعطيني اللي بيطلع من قلبك لطعمي هالطفلة اليتيمة.. الله يوفقك، بس 5، بس5!"، والسؤال: هل تعني خمس ليرات، أم خمسة آلاف، أم خمسة دولارات أمريكية؟

ولفتت الاختصاصية ديب إلى أن "التسوّل يوفّر ميزة أساسيّة وهي الحصول على المال دون بذل جهد يذكر، وتجنّب مسؤوليات العمل التقليدي. ويبدو الأمر وكأنّه "شركة تسوّل" منظمّة، حيث يتم تقسيم المناطق بين المتسولين يحدد فيها كل شخص أسلوبه (البيع، الجلوس، إلخ)".

وأشارت إلى أن "المجتمع بطبيعته عاطفي، مما يدفع البعض لاستغلال هذا الجانب عبر ادّعاء المرض أو الحاجة لتأمين مصاريف العلاج"، مستذكرة: "ذات مرّة طفل في الصف الرابع أو الخامس كان يبيعني روايات مدّعياً أنه يحتاج ثمن دواء لأمه، اشتريت منه ثم تفاجأت به بعد فترة في منطقة أخرى يستخدم نفس الحجة والكتابين".

وأكملت: "هذه التجارب تدفعني لأعتقد بأنّني لست الجهة المناسبة للمساعدة، يجب أن تتدخّل جهات متخصّصة لسحب هؤلاء الأشخاص مع توفير برامج تأهيل شاملة تتضمّن تدريباً مهنياً وتأهيلًا نفسياً لإعادة الدمج، لضمان عدم عودتهم للتسول بمختلف أساليبه".

 

بدورها، أكدت مديرة مكتب مكافحة التسوّل أن "مفهوم المساعدة يجب أن يتغيّر من مجرّد تقديم مبلغ مالي للمتسوّل في الشارع، إلى طريقة التوجّه إلى جهة رسمية للتبليغ أو الإخبار عن هذه الحالة".

وأضافت: "من خلال الإبلاغ، يتم سحبهم وتوصيلهم إلى برّ الأمان، فإعطاؤهم المال قد يشجّعهم على الاستمرار في هذا السلوك، وإذا كان الطفل المتسوّل تحت إشراف شخص آخر، فإن ذلك قد يشجّع المُشغّل على إرساله إلى الشارع مرّة أخرى في اليوم التالي".

ويشار إلى أن الإبلاغ عن هذه الحالات عن طريق الاتصال بالرقم 108 (غرفة عمليات دمشق). وحينها تتولّى الجهات المعنية (الشرطة، الشؤون الاجتماعية)، التقييم والنقل إلى مركز الإيداع المناسب بعد الإجراءات القانونية.

 

الهروب من مراكز التأهيل 

حاولت الجهات المعنية سابقاً سحب مجموعة من هذه الحالات وتأهيلهم، ولكنهم كانوا يهربون من مراكز التأهيل، ليعودوا إلى التسول مجدّداً، لأنه يوفّر لهم مالاً أسهل دون الحاجة إلى التفكير أو الالتزام بأي شيء"، بحسب ديب.

وشددت الاختصاصية النفسية والاجتماعية على ضرورة التصدي لهذه الظاهرة من خلال سن قانون يفرض غرامات حتّى على الأشخاص الذين يلتفون على التسوّل بأساليب أخرى مقابل وقوفهم في الأماكن العامة مع ضرورة ضمان فرص عمل فعلية لهم في مؤسسات محددة".

وأكملت: "الإشارات والشوارع هي ملكية عامة للجميع، لا يجوز لهم استخدامها كأماكن عمل خاصة بهم، تماماً كما هو الحال مع باعة "البسطات" الذين يخضعون لشروط وحقوق وواجبات محددة لمزاولة نشاطهم".

من جانبها، أوضحت مسؤولة مكافحة التسول أن "هناك قانون يجرّم التسوّل، ولكن من المتوقّع أن يتم تعديله قريباً، وخاصة بما يتعلّق بالعقوبات والغرامات، سواء للذين يمتهنون التسوّل أو المشغّلين لهم، أما بالنسبة للأطفال، فلا تُفرض عليهم أي عقوبات، حيث يُعتبرون ضحايا، وتتحمّل وزارة الشؤون الاجتماعية المسؤولية عنهم، وتوفر لهم مراكز خاصة لرعايتهم".

وأضافت: "يتم تقييم حالة المتسوّل لتحديد وضعه النفسي، وما إذا كان يعاني من إعاقة أو يحتاج إلى رعاية صحيّة فورية في المشفى قبل نقله للمركز، ثم يتم تنظيم محضر في قسم الشرطة والحصول على موافقة المحامي العام، وبناءً على التقييم والموافقة، يتم توجيهه إلى مركز الإيداع المناسب وفقاً لفئته (مسن، معاق، أو طفل).

من جانبها أعلنت النجاد عن "افتتاح ثلاثة مراكز جديدة لرعاية الأطفال واليافعين، بهدف استيعاب أعداد أكبر، حيث تشمل التوسّعات مركزين للإناث (4-18 عاماً) في باب مصلى، ومركزاً للذكور في الكسوة للفئة العمرية نفسها، حيث تصل الطاقة الاستيعابية الإجمالية إلى حوالي 330 طفلاً ويافعاً، يستوعب قسم الذكور 200 شخص، وقسم الإناث 120-130 حالة".

وتقدّم المراكز الجديدة خدمات شاملة تشمل الإقامة، الرعاية الصحيّة، التعليم، إدارة الحالة الفردية، وبرامج تعديل السلوك، كما سيتم توفير برامج تدريب مهني لليافعين فوق 18 عاماً لمساعدتهم على الاندماج في الحياة العملية، حيث تتراوح مدة الإقامة المتوقّعة بين ستة أشهر وعامين"، بحسب النجاد. 

 

عصابات وشبكات مشغِّلة!

ظهرت مسارح جديدة لمعاناة إنسانية عميقة في الشارع السوري، حيث وجد بعض الأفراد الذين كانوا يتمتّعون بحد أدنى من الكرامة أنفسهم مضطرين للتسول لتأمين رغيف الخبز، وأحد أكثر المشاهد إيلاماً هو تحويل الأطفال الذين كانوا ينعمون ببيئة آمنة إلى متسوّلين. وهذه حال "سارة" التي تبلغ من العمر 11 عاماً، والتي تجد نفسها تتسوّل ساعات بعد المدرسة في ساحة المرجة– دمشق  بهدف إعالة عائلتها، كما تحدّثت لـ"المدن".

بدورها أفادت الاختصاصية النفسية والاجتماعية بأنه "بالنسبة لهؤلاء الأطفال مستقبلهم مجهول. فهم غير قادرون على معرفة نهاية هذا المسار أو كيفية الانتقال إلى شيء آخر، أو حتى في أقل تقدير، ضمان استمرارية تعليمهم". 

وأضافت: "شهدت أساليب التسول تطوّراً، فمثلاً.. طفل في سن المدرسة طلب منّي شراء مناديل ليتمكّن من اللحاق بالدوام.. وأنا شخصياً لا أؤيّد دعمه لأنّه يبدو، وكأنّه يتعامل مع التسوّل كمهنة بأسلوب جديد، تتجاوز مجرد الإجبار الأسري".

"وأصبح التسول مهنة بالنسبة لنسبة كبيرة، سواء كان الشخص يتسوّل بنفسه أو كان يشغّل آخرين، فمثلاً، قد يكون هناك أب يشغّل أطفاله الأربعة أو الخمسة، وينزل بهم كل صباح إلى منطقة معينة، ثم يعود ليأخذهم في المساء"، بحسب وصف مسؤولة مكافحة التسوّل.

وكشفت المسؤولة عن "وجود عصابات وشبكات تُدير حالات موجودة في الشارع، خاصة الأطفال"؛ قائلة: "مرّت أمامنا حالات كثيرة كان فيها الطفل يقف عند إشارة مرور، ويكون هناك شخص ما يراقبه من بعيد ويوجّهه. فهؤلاء الأطفال يكونون مُشغَّلين حصراً إما من الأهل، أو الأقارب، أو مُشغِّل".

ويشار إلى أن قانون العقوبات السوري (المرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949 وتعديلاته) يجرّم التسول وينص على عقوبات متدرجة، حيث جاء في المادة 596: الحبس التقديري من يوم إلى أسبوع للمتسول الذي لم يبلغ الخامسة عشرة وكان صحيح البنية. وجاء في المادة 597: الحبس حتى ستّة أشهر إذا ارتبط التسوّل بالاحتيال، كعرض جروح أو انتحال صفة كاذبة، وفي المادة 598: الحبس من شهرين إلى سنة لكل من استعمل ولداً لم يتم الخامسة عشرة في أعمال التسول، وفي المادة 599: الأشغال الشاقة المؤقتة لكل من نظّم أو أدار جماعة للتسول أو استغل قصراً أو أشخاصاً عاجزين جسدياً أو نفسياً في هذا المجال. 

 

التسوّل بمظهر لائق وأساليب جديدة!

ما يميّز موجة التسول الحالية هو تنوع مظهر المتسولين، لم يعد الفقر يُقرأ دائماً من الملابس البالية، هناك أسر كانت تعتبر من الطبقة المتوسطة، ثم تدهورت حالتها المعيشية، وتضطر الآن لارتداء ملابسها اللائقة نسبياً أثناء التسوّل. وهذا حال الشاب الثلاثيني "سامي" الذي يتجوّل في منطقة الشعلان – دمشق بأناقته، يوقف الناس ويذرف الدموع طالباً بعض المال لأنه بحاجة دواء لوالدته ولكن "الرايح والجاية"، يقول له: "الله يعطيك.. روح اشتغل أخي". 

ويشبه الطفل "زين"، الشاب سامي في مظهره، فهو يصفّف شعره، ويرتدي كنزة حمراء وجيليه سوداء، وبنطال جينز وحذاء أسود، ويبتسم لكل من يقابله في طريقه إلى باب شرقي، حاملاً وردة حمراء في يده، ويقول: "خدي هالوردة إلك دون مقابل!"، وفوراً دون أي تفكير تقدم له المال.

من جانبها، أكدت الاختصاصية النفسية والاجتماعية "ظهور فئة جديدة من المتسولين أكثر تنظيماً وأناقة، يستخدمون أسلوباً مهذّباً في الطلب"، قائلة: "في البداية ربما تتعاطف معهم، ولكن فكّر قليلاً.. من لديه القدرة على ترتيب ملابسه والخروج، لديه القدرة على البحث عن عمل". 

وأكملت: "في الحقيقة، هؤلاء يفضّلون التسوّل لأنه يشبه "التجارة الحرة" بالنسبة لهم، ويتجنّبون القيود والحدود التي يفرضها العمل المنظم".

لم يسلم كبار السن من هذا التيّار الجارف، فقد تحوّل الكثير منهم، بعد فقدان المعاشات أو تدهور الصحّة، إلى متسوّلين في الشوارع التي ربّما كانوا يمتلكون فيها منازلهم ذات يوم.

والتقيت بأبو فهد، رجل في الخمسينات من عمره، كان يعمل نجّاراً، واليوم، يقضي أيامه متسولاً في "الصالحية"، حيث يسرد قصته بمرارة لـ "المدن"، قائلاً: "أنا لا أتسوّل لآكل فقط أنا وعائلتي، بل أحتاج لتأمين آجار منزلي".

وتعمل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالتعاون مع عدة جهات حكومية وغير حكومية على تنفيذ خطة وطنية شاملة لمعالجة ظاهرة التسول، التي بدأت قبل حوالي ستة أشهر، وتنقسم الخطة إلى ثلاثة محاور رئيسية: التنسيق والإدارة، الإعلام، والميدان. 

كما تركز الجهود على تأهيل ثلاثة مراكز للرعاية، حيث يتم تدريب الكوادر بالتعاون مع منظمات دولية مثلاً يونيسف، تشمل البرامج المقدمة في هذه المراكز التعليم وإعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير خدمات قانونية لتسجيل الأطفال مكتومي القيد، بالإضافة إلى دراسة الوضع الاقتصادي للأسر لضمان عدم عودة الأطفال إلى بيئات التسول.

ويتقمّص الكثير من السوريين حياة "غوار" التي شهدت تدهوراً اقتصادياً واجتماعياً في مسرحية "كاسك يا وطن"، حيث باع بطل القصة الفنان "دريد لحّام"، أولاده الثلاثة نتيجة الظروف المعيشية الصعبة.

وفي المقابل، يستغل آخرون أنفسهم وأقاربهم وحتّى أشخاصاً ليس لديهم أي صلة بهم من خلال شبكات وعصابات منظّمة تعمل في التسوّل دون رقيب أو حسيب، ولكنّنا نأمل أن تأتي الأيام المقبلة بأفضل مما هي عليه الآن، وأن نتوقّف عن سماع جملة: "والله يا أبي بدنا نعيش بشوية كرامة".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث