فقاعة الذكاء الاصطناعي: هل نبني المستقبل أم نبني صداه؟

نافع سعدالسبت 2025/11/29
Image-1764410354
ما زال الأثر الفعلي للذكاء الاصطناعي في إنتاجية المؤسسات أقل بكثير مما يروج له (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ينشر هذا المقال بالتزامن في موقع "المدن" ومدونة Urban Analytica at SAIL في الجامعة الأميركية في بيروت، وهو يأتي في إطار مرحلة جديدة من الكتابة التحليلية المعمّقة، المستندة إلى طيف واسع من المصادر والبيانات التي ساهمت "الأميركية" بتوفيرها ودعم الوصول إليها. 

 

 

وأنت تشاهد البودكاست المفضّل لديك على يوتيوب، يقتحم الحلقة إعلان يقول: "المراهقون يحقّقون الملايين باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما الذين تجاوزوا الأربعين لا يعرفون سوى شات جي بي تي". تضغط زر "التخطي" للمرّة الألف وتقول في نفسك إنك لا تريد أصلاً أن تعرف ما الذي يبيعونه. دعني أفسد عليك متعة التخطي هذه المرّة وأُكمل الإعلان: إنّه يروّج لدورات تعلّم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة، وشراء "الكورس" بالطبع لا يضمن الربح إلّا لأصحاب المنصّة التي دفعت ثمن الإعلان.

 

سردية الثورة

لكنّ الفقاعة أكبر بكثير من استغلال بعض المؤثّرين الطفيليّين والشركات الصغيرة الباحثة عن فتات وسط ضجيج الذكاء الاصطناعي، الذي يشبه إلى حدٍّ ما ضجيج الاستثمار في الإنترنت مطلع الألفية. اليوم يروّج قادة شركات التكنولوجيا لخطاب "العصر الذهبي" للذكاء الاصطناعي، لكنّ الأرقام تكشف فجوة واضحة بين الحماس والنتائج. دراسة لبراين سبيساك وغاري ماركوس في "California Management Review" تشير إلى أنّ الذكاء الاصطناعي التوليدي في معظم الشركات لا يزال تجربة قيد الاختبار، مستندةً إلى تقارير منها "ماكينزي" التي تُظهر أنّ 97 بالمئة من الرؤساء التنفيذيّين يخطّطون لاعتماده في أعمالهم، بينما 2 بالمئة فقط يشعرون بجاهزيّة فعليّة لذلك، وأنّ أغلب المؤسّسات لم تحوّل هذا الحماس بعد إلى قيمة قابلة للقياس.


عندما نتأمّل ما يُقال اليوم عن "ثورات الذكاء الاصطناعي"، نجد أنّ جزءاً كبيراً منه يولد من الإثارة الإعلاميّة والضجيج الإعلاني أكثر ممّا يستند إلى حقائق موثوقة. تصوّراتنا عن تأثير هذه التقنيات تتشكّل أساساً عبر حملات التسويق والعناوين الصحفيّة الجذّابة، لا عبر ما يحدث فعلياً في الشركات والمجتمعات. من السهل أن ننجذب إلى مقاطع الفيديو المبهرة والعروض التوضيحيّة التي تُقدَّم كاختراقات مذهلة، لكن لفهم الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي علينا أن نتجاوز هذه الضجّة ونسأل: ما الذي يحدث فعلاً خلف سرديّة "الثورة"؟

 

الفجوة التوليدية

رغم الوعود الضخمة، ما يزال الأثر الفعلي للذكاء الاصطناعي في أغلب المؤسسات أقلّ بكثير مما يُروى في العروض الترويجية. تقرير "ماكينزي" يسمّي هذا التناقض "مفارقة الذكاء الاصطناعي التوليدي": نحو 8 من كل 10 شركات استخدمته بشكل ما. لكن النسبة نفسها تقريباً لا ترى أثراً مادياً على الأرباح. الذكاء الاصطناعي حاضر على صفحات الـ Powerpoint، غائب عن دفاتر المحاسبة. ودراسة "ديلويت" لعام 2024 تضيف رقماً مقلقاً؛ 68 بالمئة من قادة الشركات لم ينجحوا في نقل أكثر من ثلث مشاريعهم التجريبية إلى بيئة الإنتاج بسبب مشكلات الموثوقية والأمن والخصوصية، فيما لا يتجاوز اعتماد بعض القطاعات، كالحكومي مثلاً، نسبة 3 بالمئة.

 

في الخلفية، تطلق شركات كثيرة روبوتات محادثة ونماذج تجريبية لتبدو "مبتكرة" فقط لا غير، ومن دون خطة حقيقية لدمج الذكاء الاصطناعي في صلب الأعمال أو لتحقيق قيمة ملموسة. لذلك لا يبدو مفاجئاً أن يصرّح ساتيا ناديلا (الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت) بأن عدد الشركات التي تحقّق عائداً ملحوظاً من الذكاء الاصطناعي التوليدي "يكاد يقترب من الصفر".

 

ثم تأتي الصدمة الأكبر من تقرير "MIT Media Lab" لعام 2025. فمع إنفاق يُقدّر بين 30-40 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن الغالبية الساحقة من المؤسسات لم تحصد أي عائد تجاري قابل للقياس. وبعد تحليل مئات التجارب، وجد الباحثون أنّ 95 بالمئة منها فشلت في إحداث أي تأثير على الإيرادات أو الكفاءة، إلى حدّ وصف الذكاء الاصطناعي التوليدي بأنّه قد يكون "أغلى تجربة قائمة على المحاولة والخطأ في تاريخ المؤسسات".

 

جذر المشكلة أنّ معظم الشركات اندفعت إلى تطبيقات "أفقية" عامة، مثل روبوتات الدردشة والمساعدين الأذكياء، تبدو مبهرة للعرض والتسويق، لكنها تقدّم فوائد ضئيلة يصعب قياسها. في المقابل، تظلّ الاستخدامات "العمودية" عالية التأثير، المصمّمة خصيصاً للعمليات الأساسية، عالقة في المختبرات بسبب ضعف جودة البيانات، والقيود التقنية، والجمود التنظيمي، ومقاومة التغيير.

 

مفارقة الإنتاجية: رؤيتان من رصيف22 ودرج
وسط هذا الضجيج حول الثورة الموعودة، تبرز مفارقة بسيطة لكنها عميقة: هل ينتج الذكاء الاصطناعي عملا أفضل أم فقط عملا أسرع؟ تشير دراسة "Stopwatch Blindness" المنشورة في "AISociety" إلى أن قياس الكفاءة بالوقت وحده مضلل، فالمعادلة الأصح للإنتاجية هي الجودة على الزمن (E = Q / T). توفير الدقائق لا يساوي شيئاً إذا كانت تُقتطع من رصيد الجودة.

عندما تنتقل هذه المعادلة من الورق إلى غرفة أخبار حقيقيّة مثل "رصيف22"، تبدو الصورة أوضح. فالموقع الحائز جائزة "أثر الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار" طوّر مبادرات خلاّقة، أبرزها "رصيف عالسّمع"، وهي أداة تستعين بالذكاء الاصطناعي لاستخلاص جوهر مقالات رصيف22 وإعادة صياغتها بصوت مسموع وبأسلوب يحافظ على روح النص الأصلي، تحت إشراف بشريّ دقيق.

 

أيمن شروف، رئيس التحرير، يشرح كيف تقارب المنصّة مسألة الذكاء الاصطناعي ككل. فالأدوات تساعد في إنجاز بعض المهام بسرعة، مثل الترجمة وتحليل البيانات والبحث المعمّق وتلخيص المحتوى وتوليد مواد تفاعلية (مرئية ومسموعة). أي إن الأداة حاضرة منذ مرحلة جمع المعلومات وبناء الخلفية، لكن هذا لا يغني عن الدور البشري الضروري في سرد المعلومات وترتيب الأفكار وصياغة المادّة الصحافية بأسلوب إبداعي، إضافة إلى دور التحرير قبل أن تصبح قابلة للنشر. فالسرعة حقيقية، لكن الجودة لا تزال تعتمد على التدخل البشري والخبرة الصحافية. ويذكّر شرّوف دائما بأن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى "الإبداع" و"الأصالة"، وهما عنصران لا غنى عنهما في جودة المنتج الصحافي.

 

وفي تجربة مؤسّسته، يميّز شرّوف بين ما يسمّيه "أعمال الظل" وبين جوهر الصحافة. فالذكاء الاصطناعي يصلح لدعم الصحافي في الخلفية عبر اقتراح عناوين أولية أو إنتاج مسودّات بحثية، لكنه يتعثر حين يتعلّق الأمر باختيار الزاوية وقراءة السياق السياسي والاجتماعي والإنساني وبناء سردية متماسكة تحمل موقفا واضحا، لا سيما في القضايا الإنسانية والأخلاقية التي لا قدرة للآلة على استيعابها. وهنا يعود العبء إلى المحرّر البشري الذي يجد نفسه أحيانا يصلح أخطاء أكثر مما يستفيد من المخرجات، خصوصا عندما تغيب إستراتيجية واضحة لكيفية إدماج هذه الأدوات في العمل التحريري.

 

ويرى شرّوف أن السرعة لا تساوي شيئا إذا جاءت على حساب المصداقية والمعايير الأخلاقية. لذلك تلجأ مؤسسته في بعض الأحيان إلى استخدام أدوات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي كبديل عن نشر صور حقيقية تراها غير أخلاقية، مثل صور المجازر أو مشاهد تعذيب الأطفال، أو عندما تغيب موافقة الأشخاص المستنيرة على نشر صور تظهر وجوههم. في نظره، يمكن الذكاء الاصطناعي أن يشكّل فرصة لتحسين العمل الصحافي وحماية معاييره الأخلاقية إذا استُخدم ضمن أسس واضحة، إلا أن هذا الاستخدام المنضبط ما يزال، للأسف، الاستثناء لا القاعدة، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط حيث يغيب النقاش الجمعي حول استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة مسؤولة في غرف الأخبار.


ويتقاطع هذا التقييم مع ما تطرحه الصحافية ديانا مقلّد، شريك مؤسّس وسكرتير تحرير "درج"، التي ترى أنّ الأدوات تسهم في إنجاز خطوات محدّدة من العمل، كالبحث والتحقّق والمحتوى السريع الخاص بوسائل التواصل. لكنّ الجودة تبقى رهن خبرة الصحافي وقدرته على التحليل وبناء السياق. 

 

تعتبر مقلد أنّ العقبة الأساسيّة أمام هذه الأدوات تكمن في الدقّة والمصداقيّة والفجوات الكبيرة في البيانات العربيّة، وترى أنّ الذكاء الاصطناعي قد يرفع المستوى المهني إذا وُضع ضمن سياسة واضحة وحوكمة تحريريّة متينة، وهي سياسات ما زالت محدودة في معظم غرف الأخبار العربيّة. وتضيف أنّ الفجوة المعرفيّة لدى الصحافيين، وضعف التدريب الأكاديمي في مجاراة هذا التحوّل، يزيدان من خطر الاعتماد المفرط على أدوات لا تفهم السياق ولا تبني سرديّة. في خلاصة موقفها، ترى مقلد أنّ الذكاء الاصطناعي قد يكون نقلة نوعيّة أو انتكاسة صريحة في المهنة، فطريقة استعماله وأخلاقيّاته هي التي ستحدّد المسار الذي ستسلكه غرف الأخبار في السنوات المقبلة.

 

بهذا المعنى تتحوّل مفارقة الإنتاجية من معادلة حسابية إلى واقع يومي. نوفّر وقتاً في المراحل الأولى من العمل، ثم ننفق وقتاً إضافياً في المراجعة والتدقيق للحفاظ على المستوى المهني للمحتوى. السرعة ترتفع، لكنّ الإنتاجية الحقيقية، حين تُقاس بجودة المنتج النهائي، لا تتحسّن بالقدر الذي تعدنا به شركات التكنولوجيا. وإذا كانت مفارقة الإنتاجية تكشف الهوة بين الوعود والنتائج داخل المؤسسات، فإنّ الصورة تزداد تعقيداً عندما ننتقل إلى المسرح الأكبر، أي الاقتصاد العالمي، حيث يتحوّل الضجيج ذاته إلى نمط إنتاج فعلي.

 

اقتصاد الضجيج

يبدو الاقتصاد العالمي اليوم وكأنّه معلّق على خيط من الخوارزميات والرقاقات. شركات ضخمة تعلن بداية عصر جديد، واستثمارات بمليارات الدولارات، وأسواق تتعامل مع مراكز البيانات كأنّها آبار نفط المستقبل. وسط كلّ ذلك يقدّم المستثمر مايكل باري رؤية أكثر حذراً، إذ يرى أنّ ما يحدث يشبه تكراراً لفقاعة الدوت كوم، لكن هذه المرّة عبر الإفراط في بناء البنية التحتيّة قبل ظهور الطلب الحقيقي عليها. ويشير أيضاً إلى ممارسات محاسبيّة مثيرة للجدل، حيث تمدّد بعض الشركات العمر الافتراضي للرقاقات من ثلاث إلى ست سنوات لرفع أرباحها نظرياً، رغم أنّ التطوير المتسارع يجعل قيمتها تتبدّد بسرعة.

 

وفي حين تؤكّد Nvidia أنّ رقاقاتها تبقى مفيدة لسنوات، جاءت تصريحات مديرها التنفيذي جنسن هوانغ، حين قال إنّ شركته "ليست إنرون" (شركة طاقة أميركيّة انهارت بعد فضيحة احتيال محاسبي)، لتكشف حساسيّة اللحظة والتوتّر الذي يحيط بالسرديّة المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي. فجزء كبير ممّا يسمّى اليوم "ثورة" يقوم على وعد أكثر ممّا يقوم على النتائج، وعلى إبهار أكثر ممّا يقوم على حاجة فعلية. وكما حدث في فقاعة الدوت كوم مطلع الألفيّة، لا تنشأ الفقاعات دائماً من شركات بلا أرباح، بل أحياناً من الإفراط في بناء البنية التحتيّة قبل وجود استخدام واقعي يبرّر كلفتها. اليوم تُضخّ مليارات الدولارات في الخوادم والرقاقات ومراكز البيانات قبل أن تعرف المؤسسات نفسها ما الذي ستفعله بها، أو كيف ستحوّلها إلى قيمة اقتصاديّة حقيقيّة.

 

لقد أصبحت Nvidia وشركات الحوسبة السحابيّة الكبرى تشكّل جزءاً ضخمًا من بنية الاقتصاد العالمي إلى حدّ أنّ أي تباطؤ بسيط في هذا القطاع قد يهزّ الأسواق. هكذا تتحوّل "آبار نفط المستقبل" إلى نوع من الابتزاز لإطالة عمر السرديّة أكثر ممّا هو استثمار عقلاني. وقد يكون من الحكمة هنا أن نسأل: هل نبني المستقبل فعلاً، أم نبني صداه؟

 

من الضجيج إلى القيمة الحقيقية

في هذه المرحلة ترتفع الأصوات المطالِبة بمسارات أكثر واقعية وتوازنا في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، مسارات تحقّق وعوده الفعلية من دون مبالغة. ووسط الضجيج المستمر، بدأت تظهر خرائط طريق أوضح لما يعنيه دمج الذكاء الاصطناعي بالشكل الصحيح في حياتنا. عدد قليل من المؤسسات بدأ بالفعل يحقق قيمة حقيقية من هذه النماذج، ويقدّم دلائل مهمة على الاستراتيجيات التي تنجح.

 

فعلى سبيل المثال، وجدت تحليلات BCG (مجموعة بوسطن الاستشارية) أن ما تصفه برواد الذكاء الاصطناعي، أي نحو أربعة في المئة من الشركات الأكثر تقدما في هذا المجال، يتفوّقون على نظرائهم بهامش واسع في نمو الإيرادات والعوائد للمساهمين، لأن هذه الفئة ركّزت الذكاء الاصطناعي في قلب العمليات الأساسية لأعمالها مع أهداف واضحة للعائد الاستثماري، بدل الاكتفاء بتطبيقات سطحية أو استعراضية. هذه الشركات الرائدة لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لامعة عابرة، بل قدرة استراتيجية طويلة الأمد. تستثمر بكثافة في تدريب موظفيها، وتدمجه في آليات العمل اليومية، وتحافظ على بنية بيانات قوية ومنضبطة. والأهم أنها تضع أهدافا واقعية، فلا تتوقع أن يخلق الذكاء الاصطناعي أعمالا جديدة بين ليلة وضحاها، بل تبدأ غالبا باستخدامه لتحسين الكفاءة أو دقة اتخاذ القرار في الأنشطة القائمة. باختصار، تربط هذه المؤسسات الذكاء الاصطناعي بأولويات عمل ملموسة، وتقيس النجاح استنادا إلى نتائج حقيقية لا إلى مؤشرات تقنية لامعة فقط.

 

خلاصة القول إنّ الضجيج ليس مجرّد خدعة إعلانية بل نمط تربّح. ربما لن تنفجر فقاعة الذكاء الاصطناعي على طريقة الدوت كوم، ولا تنهار الشركات الكبرى في ليلة واحدة، لكنّ البالون سينكمش ويعود في النهاية إلى حجمه الطبيعي. ستتآكل طبقات المبالغة، وتتساقط الفيّلة، ويبقى في الجوّ فقط ما يستطيع فعلاً أن يطير.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث