الإنسان والروبوتات: غرام وانتقام وصداقة وانتحار

سامي خليفةالسبت 2025/11/29
Image-1764334330
بحسب استطلاع، يعتقد 83 في المئة من جيل "زد" أن بإمكانهم بناء علاقة فعالة مع روبوت محادثة(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تغيّر التكنولوجيا اليوم طريقة عملنا وتواصلنا فحسب، بل باتت تغيّر أيضاً طريقة بناء علاقاتنا وارتباطاتنا العاطفية. فالعلاقات بين الإنسان والروبوت، التي كانت في السابق محصورة في عالم الخيال العلمي، أصبحت حالياً شائعة بشكلٍ متزايد.

 

ومن الصداقة إلى الإرشاد وحتى الشراكات العاطفية، تؤدي الروبوتات دوراً في النسيج المعقّد للتواصل البشري. وتعكس هذه التطورات فكرة أن الآلات لم تعد مجرد أدوات بل أصبحت كيانات يمكننا مشاركة التجارب والمشاعر معها، وقد تتسبب بحالات انتحار.

 

العلاقات مع الروبوتات في تزايد

ركزت دراسة جديدة لجامعة "تينيسي" الأميركية على مستخدمي "ريبليكا"، وهو روبوت دردشة اجتماعي مصمّم للرفقة والدعم العاطفي، يستخدم نموذجاً لغوياً واسع النطاق للتعلم من مستخدميه وتكييف شخصيته، ما يخلق تجربة شخصية للغاية. ويتميز التطبيق بصورة رمزية قابلة للتخصيص تشبه الإنسان، يمكنها الإيماء والتفاعل في غرفة افتراضية، ويمكن للمستخدمين التواصل معها عبر الرسائل النصية والصوتية ومكالمات الفيديو.

وكشفت الدراسة أن العديد من المستخدمين شعروا بعلاقة عاطفية عميقة مع روبوت الدردشة الخاص بهم، وغالباً ما يصفونه بعبارات الحب والالتزام الرسمي. ولتعزيز هذه الروابط، انخرط بعض المستخدمين في أحداث حياتية ونسجوا علاقات شبيهة بالإنسانية، بينما تحدث آخرون عن "الزواج" من روبوت الذكاء الاصطناعي الخاص بهم.

إلى ذلك أجرت شركة "كومون سينس ميديا" الأميركية استطلاعاً لآراء 1060 مراهقاً أميركياً الربيع الماضي، وأفاد واحد من كل ثلاثة منهم باستخدامهم لبرامج الذكاء الاصطناعي للتفاعل الاجتماعي والعلاقات، بما في ذلك لعب الأدوار، والتفاعلات العاطفية، والدعم العاطفي، وممارسة الصداقة أو المحادثة.

وفي استطلاع آخر أجري في الولايات المتحدة، وشمل أكثر من ألف مشارك، أفاد حوالي 28 في المئة من البالغين أنهم خاضوا علاقة حميمية أو رومانسية واحدة على الأقل مع أحد برامج الذكاء الاصطناعي.

وقد أظهر استطلاع أجرته منصة المرافقة الرقمية "Joi AI" في أيار المنصرم، أن 83 في المئة من المشاركين من جيل "زد" يعتقدون أن بإمكانهم بناء علاقة فعّالة مع روبوت محادثة، بينما قال 80 في المئة إنهم سيتزوجون منه لو كان ذلك قانونياً. وأبدى 75 في المئة منهم عن اعتقادهم أن رفقاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحلوا محل العلاقات الإنسانية تماماً.

واللافت حقاً ما حققته شركتا الذكاء الاصطناعي، "ريبليكا" و"كاراكتير إي أي"، فالأولى بات لديها 25 مليون مستخدم والثانية 20 مليوناً. ويتبادل الناس عبر هذين التطبيقين أطراف الحديث ويتغازلون ويتبادلون الرسائل في مرآة رقمية تعكس في الوقت نفسه انعدام أمنهم ومخاوفهم وقلقهم.

 

الرفقة الاجتماعية

الأمر لا ينحصر بالعلاقات العاطفية، إذ أظهرت دراسات أجريت على نزلاء دار رعاية مسنين تفاعلوا مع روبوت "بارو" أن التفاعلات مع الروبوتات المرافقة يمكنها تقليل الشعور بالوحدة. ووجدت هذه الدراسات أن النزلاء لم يشهدوا حالة عاطفية محسنة بعد التفاعل مع الروبوت المرافق وحسب، بل زادوا أيضاً من تفاعلهم مع بعضهم البعض خلال الجلسات مع الروبوت.

وهذا التحسن ليس مهماً لمراعاة زيادة خطر الشعور بالوحدة المذكورة أعلاه وحسب، ولكن أيضاً للأشخاص ذوي الإعاقة وأولئك الذين يعانون من ضعف المهارات الاجتماعية.

 

حالات انتحار وزواج

الخطير في الموضوع حقاً أن هذه العلاقات باتت تتخذ منحاً خطراً، فمثلاً اتهمت سيدة أميركية العام الماضي تطبيق "كاراكتير إي أي"، بأنه مسؤول عن انتحار ابنها سيويل سيتزر البالغ من العمر 14 عاماً، كون الشركة مالكة التطبيق لم تطبّق عمداً إجراءات السلامة المناسبة لمنع ابنها من إقامة علاقة غير لائقة مع روبوت دردشة، ما تسبب في انعزاله عن عائلته. وتزعم الدعوى القضائية أن الشركة لم تستجب بشكل كافٍ عندما بدأ سيتزر بالتعبير عن أفكار إيذاء النفس للروبوت.

وفي عام 2023، أفادت تقارير بأن رجلاً بلجيكياً قرر إنهاء حياته بعد محادثة استمرت ستة أسابيع مع روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي حول أزمة المناخ. ووفقاً للتحقيقات، أصبح الرجل قلقاً للغاية بشأن البيئة عندما وجد ملجأً في "إليزا"، وهو روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي على تطبيق يُسمى "تشاي". ونتيجةً لذلك، شجعته "إليزا" على إنهاء حياته بعد أن اقترح التضحية بنفسه لإنقاذ الكوكب.

وما يزيد الطين بلة هو تسجيل حالات زواج من الروبوتات، ونذكر منها قضية الهولندي جاكوب فان لير، الذي تزوج رسمياً في أذار المنصرم من "آيفا"، شريكته التي ولّدها الذكاء الاصطناعي، بعد عامين من المواعدة.

وحدث الأمر نفسه قبل بضعة أشهر وحسب، حين تزوجت امرأة يابانية تبلغ من العمر 32 سنة من شخصية ذكاء اصطناعي أنشأتها بنفسها باستخدام روبوت الدردشة "تشات جي بي تي"، حتى أنها ابتكرت له شخصية مصورة، مجسدةً إياها بشخصية بشرية، وأطلقت عليه اسم "كلاوس".

ولعل أبرز قضية زواج من روبوت كانت في عام 2017 لخبير الذكاء الاصطناعي الصيني، تشنغ جياجيا، الذي بعد أن واجه ضغوطاً مجتمعية للاستقرار ومعاناة في إيجاد شريك حياة، قرر أن يأخذ زمام الأمور بنفسه. وهكذا ابتكر "ينغينغ"، وهو روبوت بالحجم الطبيعي مبرمج بوظائف ذكاء اصطناعي بسيطة، بما في ذلك قدرات الكلام والتعرف على الصور والتفاعل.

 

فهم الحميمية الاصطناعية

نستنتج من كل ما ذكرناه أنه كلما ازدادت العلاقات الإنسانية تصدعاً وتفككاً وفشلاً، ازدادت البدائل الاجتماعية غير التقليدية شيوعاً. فالانفصال، والصدمات النفسية، والقلق، والعمل الشاق للحفاظ على علاقات صحية في عالم يعيش حالة طوارئ دائمة، تجعل محاولة إقامة علاقة حميمية بين البشر أشبه بساحة حرب.

كما تشير هذه السلوكيات إلى حقيقة بسيطة مفادها أن الذكاء الاصطناعي يلبي احتياجات عاطفية نشعر أنها غائبة في حياة البعض اليومية، كالرغبة في الأمان، والقدرة على التنبؤ، والاستقرار. وربما هناك رغبة في التهرب من أحكام الآخرين، أو تقليل الصراعات في العلاقات مع ضمان توافر الشريك عاطفياً على مدار الساعة. إضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون هذا الأمر سبيلاً للتعافي العاطفي من الصدمة أو الوحدة أو اليأس.

 

التأثيرات والتحديات المجتمعية

العلاقات المتينة بالروبوتات قد تعالج فجوات التواصل البشري، إلا أنها تشكل أيضاً تحدياتٍ كبيرة، لا سيما فيما يتعلق بكيفية إدارة البشر مشاعرهم في علاقة مع كائنٍ فاقدٍ للشعور. ففهم الفرق بين المشاعر الحقيقية والاستجابات المبرمجة أمراً بالغ الأهمية.

وهناك تأثيرات اقتصادية وديموغرافية. فقد يشهد المجتمع الذي يتبنى العلاقات غير الطبيعية بالروبوتات تحولاتٍ في النمو السكاني، وهياكل الأسرة، وسوق العمل.

ولا يمكننا أن نغفل عن التقبل الثقافي، خصوصاً أنه قد تختلف الثقافات في مستويات تقبّلها لعلاقات الإنسان والروبوت، ما قد يؤدي إلى انقساماتٍ اجتماعية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث