في الذّكرى السّنويّة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى جولةً قاسيةً من القصف على لبنان، يمْضي عامٌ مكثّفٌ ومثْقلٌ حدّ الاستثناء، فيما تتراجع قضيّة إعادة الإعمار إلى هامش الاهتمام العام، وتُترك عشرات العائلات التي فقدت منازلها وأرزاقها وأقاربها، في الكابوس الأفظع الذي عاشه اللّبنانيّون ويستمرّ حتّى اليوم.
وإذا كانت نكبة أبناء الجنوب كبيرة، فإنّ نكبة أبناء البقاع جاءت، كما يشكو أهلها، بجرعاتٍ مضاعفةٍ من التهميش والإهمال، إذ بقيت مناطق واسعةٌ هناك خارج أيّ خططٍ جدّيّةٍ للتعويض أو إعادة الإعمار.
وتحت هذه الفكرة وفي مدارها، جالت "المدن" في قضاء بعلبك، وتحديدًا في بلدة شمسطار، حيث بدت المحنة أفظع مع صمتٍ ثقيلٍ يحيط بها، وبيوتٍ مهدّمةٍ تجاورها حكايات عائلاتٍ مكلومةٍ لم تحصل بعد على ما يكفي من تعويضاتٍ أو رعاية.
في فيديو توثّقه "المدن"، يجلس حيدر أحمد، الخمسينيّ البقاعيّ، فوق ما كان يومًا غرفة جلوسه. لا يرى في المكان بيوتًا ولا أسقفًا ولا أبوابًا، بل يصفه بأنّه "مقبرةٌ جماعيّةٌ مفتوحة". يشير إلى الفراغ من حوله قائلًا: "هنا كانت تجلس أمّي، وهنا نام أولادي"، في استعادةٍ موجعةٍ للحظاتٍ سبقت تحوّل البيت إلى ركام.
سبعة عشر فردًا من عائلة حيدر تحوّلوا في لحظةٍ واحدةٍ إلى شهداء. وبعد ستّةٍ وستّين يومًا من الانتظار والحفْر بين الأنقاض، حمل جسد ابنه من تحت الركام. بقي هو، وبقيت الذّكرى، وبقي بيتٌ مهدّمٌ في قريةٍ بقاعيّةٍ، ما زالت تنتظر أن يعاد إعمارها وأن يعاد الاعتبار لضحاياها.
حيدر اليوم ليس فقط أبًا مفجوعًا، بل "وثيقةٌ حيّةٌ" عن مئات العائلات الممزّقة بين البقاع وبعلبك وجنوب لبنان، تلك التي خسرت أهلها وبيوتها، ووجدت نفسها في قلب ورشة إعمارٍ، تبدو في ظاهرها تقنيّةً وإنسانيّةً، لكنّها في العمق، كما يقول، ورشة إعادة رسمٍ للنفوذ السّياسي، وتدويرٍ للزّبائنيّة، وصياغة عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ كأمر واقعٍ بين الأهالي والبلديّات والقوى النافذة وشبكات المانحين.
لا تقف الأرقام عند حدٍّ ثابت، إذ تتغيّر باختلاف التاريخ والجهة الرّاصدة واللغة المستخدمة لوصف الضحيّة، بين "مدنيّ" و"مقاتل" و"عنصر" و"شهيد". لكنّ ما يمكن تثبيته هو خطٌّ زمنيٌّ متّصلٌ من العنف والانهيار الصّحّيّ والاقتصاديّ، موثّقٌ ببيانات وزارة الصّحّة اللّبنانيّة، ومنظّماتٍ دوليّةٍ، وصحافةٍ مرجعيّةٍ تحاول أن تحفظ أسماء الضحايا ووجوههم من الضياع.
بحسرةٍ ووجعٍ، يرْوي حيدر أحمد لـ"المدن" حكايته مع منزله المدمّر وذاكرة عائلةٍ كاملةٍ من 17 شهيدًا لم يبْق منهم سوى الذّكرى، بعدما انتشل جثمان ابنه من تحت الأنقاض بعد 66 يومًا. شهادةٌ حيّةٌ تلخّص مأساة عائلاتٍ كثيرةٍ في البقاع وبعلبك وجنوب لبنان، ما زالت تنتظر إعمار البيوت، والأهمّ، العدالة لمن رحلوا.
