غزة ولبنان بين الرعب والتهجير.. و"المجد لأوروبا"

محمد أبي سمراالأربعاء 2025/11/26
Image-1764060836
ترهيب الناجين علهم يرحلون من أرضهم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد تدميرها غزة تدميرًا شاملًا، وإبادتها عشرات ألوف من أهلها، ولا يزال بعضهم تحت الأنقاض والركام، تواصل إسرائيل إرهاب الأحياء المشردين في الأرض الخراب وقتلهم، علّ الناجين يرحلون منها ويفرّون، في حين هي تعدُّ شبكات سرية لنقلهم إلى... جنوب أفريقيا.

وبعد أن اختتمت إسرائيل الشهرين الأخيرين من العام 2024 بكارثة أنزلتها بلبنان و"حزب الله" ومناطق أهله وطائفته، باشرت منذ بداية العام 2025 مطاردة من تزعم أنهم منتمين إلى "الحزب" إياه واغتيالهم في الجنوب، وبث الرعب في سكانه. وكانت إسرائيل -بعد قيام "حماس" بعملية "طوفان الأقصى" ضد مستوطنات ما يسمى "غلاف غزة" في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2023- قد غيّرت استراتيجيتها الحربية: تدمير المناطق التي تعتبر أنها تهدّد أمنها من غزة ولبنان، تمهيدًا لإخلائها من سكانها، والحؤول دون عودتهم إليها. وهي بادرت إلى توسيع خطتها الأمنية الهجومية الدائمة هذه إلى جنوب سوريا بعد سقوط نظام الأسد وزواله في نهاية العام 2024، فتوغل الجيش الإسرائيلي في الجنوب السوري وصعد إلى قمة جبل الشيخ المشرفة على دمشق والبقاع وجنوب لبنان. ثم وضعت الضفة الغربية الفلسطينية في أفق استهدافاتها بالاغتيالات والاعتقالات ومصادرة الأملاك وطرد أهلها، لضمها إلى دولة الاحتلال، والأفضل خالية من سكانها.

 

نهاية أوهام "توازن الرعب"

قبل هذا كله، لم تكن الحال على هذه الصورة، لا في لبنان ولا في غزة التي حاصرتها إسرائيل سنوات مديدة، ثم خاضت ضدها حروب ردع مدمرة، لكن متقطعة. وبين العامين 2006 و2023، عاش أهل الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية والبقاع حالًا من طمأنينة، تبيّن لاحقًا أنها حلم ليلة صيف. 

وطوال تلك السنوات، أشاع "حزب الله" في لبنان وبين أهله أنه يمتلك قوة ردعٍ عسكري تمنع إسرائيل من شن حربٍ عليه وعلى لبنان. وهو سمى ذلك "توازن رعب" بينه وبين الدولة العبرية التي ماشته في إشاعة هذه المعادلة، فنام حزب التحرير في العام 2000 وكذلك جمهور طائفته على حريرها، وتفرّغ للحرب في سوريا، نصرةً لنظام بشار الأسد، ثم انتشى بنصر "محور المقاومة" وتدمير البلاد السورية وتشريد أهلها.

وفي السنوات الأخيرة من تلك الطمأنينة وانتصارات "حزب الله" في سوريا، انكشف انهيار لبنان كله، ماليًا واقتصاديًا، وتفاقم تفككه السياسي مجتمعًا وجماعات أهلية طائفية. ومنذ سنة اختتمت إسرائيل تلك الحقبة بكارثة مدوية أنزلتها بلبنان وبحزبه المتصدر الحاكم وبمناطق جمهوره: دمرت عشرات القرى والبلدات في الشريط الحدودي الجنوبي تدميرًا شاملًا، فخلت على نحو شبه تام من سكانها. أما سكان شمال مجرى الليطاني، والمهجرون إليه من بلدات الشريط وقراه، فيعيشون حالًا من رعب يومي مستمر من هجمات المسيرات الإسرائيلية المفاجئة. ولأهالي البقاع نصيبهم المقيم من الرعب الذي يتفشى كثيفًا بين سكان ضاحية بيروت الجنوبية.

وها قد بلغ الرعب منذ أيام قليلة ذروة من ذراه، بعد أن انقضّت مسيّرة إسرائيلية على شقة سكنية في إحدى بنايات الضاحية الجنوبية المكتظة بالسكان، فاغتالت بعد ظهر نهار الأحد 23 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، رئيس أركان "حزب الله" مع 5 من معاونيه، وجرحت نحو 20 من سكان البناية. وهذه هي المرة الخامسة التي تهاجم فيها إسرائيل ضاحية بيروت الجنوبية منذ وقف إطلاق النار من طرف "حزب الله" وحده. كما أنها المرة الثانية التي تهاجم فيها الضاحية من دون إنذار مسبق.

وتعيش مناطق الجنوب والبقاع والضاحية ولبنان كله، تهديدات إسرائيلية بعودة الحرب الدموية والمدمرة الشاملة التي عرفناها في الشهرين الأخيرين من العام 2024. هذا في حين كانت غزة ولا تزال تتعرض لإبادة عمرانها وأهلها، وتشريد الناجين وحمل المقتدرين على الرحيل من الأرض الخراب واليباب والجوع والقتل اليومي.

 

إسرائيل و"المجد لأوروبا"

ونشرت صحف ووكالات أنباء ومواقع إخبارية دولية كثيرة تحقيقات وتقارير عن منظمة تدعى "المجد لأوروبا" تعمل سرًا وفي الخفاء على إغراء سكان غزة المنكوبة بالهجرة منها، لقاء مبالغ مالية باهظة. وللمنظمة موقع إلكتروني يزعم أنها "إنسانية" وتأسست في العام 2010 في ألمانيا، وتعمل على "مساعدة المجتمعات المسلمة في مناطق الصراع، لإجلائهم منها ومساعدتهم". وأشارت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن رجلًا يدعى تومار جانار ليندر يقف وراء تأسيس "المجد لأوروبا" وعملها، وهو يحمل جنسية إسرائيلية إستونية مزدوجة. وذكرت مصادر أخرى أن شركة في أستونيا تدعى "غوبيس للمواهب" ترتبط بهذه المنظمة الرمادية الغامضة التي تنسق نشاطاتها مع جهات في إسرائيل، منها ما يسمى "مديرية الهجرة الطوعية" في وزارة الدفاع الإسرائيلية.

ونظمت "المجد لأوروبا" رحلات جوية من غزة إلى جنوب إفريقيا عبر إسرائيل. وفي واحدة من هذه الرحلات (13 تشرين الثاني الجاري) وصل نحو 135 فلسطينيًا من غزة إلى جوهانسبرغ. وقد تجاوزت كلفة الراكب الواحد في الطائرة ألفين من الدولارات، بعد أن مُنح ركابها في إسرائيل "موافقات أمنية"، قبل نقلهم من غزة. لكن بعض ركاب الرحلة لم يكن لديهم ختم خروج من السلطات الإسرائيلية، وهذا ما أثار تساؤلات سلطات جنوب إفريقيا. وبعد تدخل منظمات في جوهانسبرغ، وافقت سلطاتها على منحهم تأشيرات موقتة، على أن توفر لهم تلك المنظمات السكن.

وتحت عنوان "سماسرة يتاجرون بمعاناة غزة" نشرت صحيفة "فاينانشال تايمز" تقريرًا حول أعمال "المجد لأوروبا". وذكر التقرير أن رجل الأعمال الفلسطيني الغزاوي وسام بشير وأسرته لم يعلموا أنهم ذاهبون إلى جنوب أفريقيا، إلا بعد أن هبطت الطائرة التي تقلهم في مطار عاصمتها، قادمة من كينيا مع حوالى 180 شخصًا، نقلتهم "المجد لأوروبا" بالحافلات من غزة إلى مطار رامون الإسرائيلي في أواخر تشرين الأول الماضي. وقال بشير إنه دفع 12 ألف دولار بالعملة المشفرة ثمنًا لتذاكر الطائرة للمنظمة الغامضة المذكورة، وأضاف أن "المجهول أفضل من الوضع الكارثي في غزة". 

أما الراكب الآخر على متن الطائرة، وهو محمد أبو سيف، فقال: "كنا أمواتًا أحياء في غزة. ومثل أي شخص فيها بحثت وأسرتي عن سبيل للنجاة من ذاك الجحيم".

شخص ثالث تحفّظ عن ذكر اسمه، روى أنه قبل 5 أشهر تسجّل وأسرته لدى منظمة "المجد لأوروبا"، وهو ينتظر الخروج من غزة. ثم أضاف: "ليس أكثر من شخص واحد بين ألف من الغزيين، يمكن أن يرفض المغادرة من دون أن يعلم إلى أين يغادر، شرط أن يكون قادرًا على دفع كلفة الخروج والرحلة المجهولة المنظمة بواسطة الإنترنت".

أما في جنوب إفريقيا، فقال وزير خارجيتها إن الرحلات الجوية التي تنظمها "المجد لأوروبا"، هي "جزء من أجندة أوسع نطاقًا بكثير، لتهجير الفلسطينيين من أرضهم". وعلى موقعها الإلكتروني تدّعي المنظمة الغامضة أنها تأسست على يد "لاجئين فروا من الأنظمة الديكتاتورية". أما منتقدو نشاطها فقد اتهمتهم بأنهم "يريدون حرمان سكان غزة من حرية اختيارهم وتحديد مكان إقامتهم، وإجبارهم على البقاء في خطر داهم ومعاناة يومية".

 

لقد رفعت إسرائيل أمنها وقوتها وإرادتها إلى مرتبة تفوق مرتبة سائر البشر؛ بل إلى مرتبة شبه إلهية متعالية على البشر. وهذا لأنها وليدة محرقة اليهود في ألمانيا النازية واضطهادهم في أوروبا التي كفّرت عن ذنوبها بمنحهم حق إقامة وطن قومي يهودي. لذا يريد يهود الدولة اليهودية أن يختفي الفلسطينيون عن الأرض. هل هذا ما ينتظر أيضاً مصير بعض مناطق لبنان؟   

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث